"سياحة الجذور" واستكشاف الحقيقة والعدالة.. دروس من الشتات الأفريقي وحصون العبيد

حصن كيب كوست في غانا كان أحد أهم مراكز تجارة العبيد منذ القرن الـ17 (ويكي كومنز)
حصن كيب كوست في غانا كان أحد أهم مراكز تجارة العبيد منذ القرن الـ17 (ويكي كومنز)

اندلعت احتجاجات ضد العنصرية في جميع أنحاء العالم خلال الأسابيع الأخيرة بعد مقتل جورج فلويد المواطن الأميركي من أصل أفريقي على يد ضابط شرطة أبيض في ولاية أميركية، واعتبر الحادث واحدا من أعمال العنف العنصري التي تمثل تذكيرا بأن التفاوتات العرقية لا تزال قائمة بالنسبة للسود في شتى أنحاء العالم، حيث يوجد الشتات الأفريقي في المهجر.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وتحديدا في غانا -التي تعد رائدة في ربط هذا الشتات بجذوره الأفريقية من خلال السياحة- جرى الاحتفاء بذكرى فلويد بشكل استثنائي بالتعاون بين لجنة "عام العودة" ومنتدى الاتحاد الأفريقي للمغتربين، إذ تسعى هذه الجمعيات لتنشيط ما بات تعرف بـ"سياحة الجذور"، حيث يذهب السياح الذين لديهم روابط مع بلدان أصلية انقطعوا عنها إلى بلدان أسلافهم لقضاء العطلة في أرض الأجداد للتواصل مع ماضيهم والسير على خطى آبائهم.

السعي للجذور

وترتبط "سياحة الجذور" بالبلدان التي شهدت هجرة جماعية في وقت ما من التاريخ، وبالتالي لديها مجتمع كبير من الشتات في جميع أنحاء العالم، وتعد غانا أحد هذه البلدان التي تهتم بالعلاقة بين الضيف السائح والمضيف، وتقيم احتفالات ترحيبية خاصة وزيارة لأماكن تاريخية بينها حصون العبيد ومواقع تجارة الرقيق لتعريف سياح الجذور على تراثهم المفقود.

وفي "عام العودة- 2019″ أقامت غانا حملة للترويج السياحي لإحياء الذكرى الـ400 لأول هبوط سفينة رقيق في أميركا، وهو ما اعتبر نموذجا مهما لـ"سياحة الجذور" التي تتضمن أيضا فرصا لاكتشاف الحقيقة والمصالحة والتسامح.

وفي مقالها بموقع كونفيرزيشن تتساءل الكاتبة ألانا ديليت الأكاديمية بجامعة ولاية سان دييغو الأميركية عما إذا كانت "سياحة الجذور" تمثل أيضا فرصة للمصالحة العرقية، وتحاول استكشاف كيف تؤثر رحلات هذا النوع من السياحة على شعور هؤلاء المسافرين بالهوية والتزامهم تجاه مبادرات العدالة الاجتماعية.

استكشاف الهوية

في أغسطس/آب 2018 انضمت الكاتبة إلى مجموعة من 10 مسافرين من أصل أفريقي في رحلة لمدة 10 أيام إلى غانا، حيث زاروا المعالم التاريخية والمدن والقرى والمحميات الطبيعية، والتقت المسافرين قبل الرحلة وبعدها، بالإضافة إلى أخذ ملاحظات خلال الرحلة.

وسألت ديليت المشاركين عن توقعاتهم من الرحلة وكيف أثرت التجربة على هويتهم، وتساءلت أيضا عما إذا كانت تلك التجربة جعلتهم أكثر استعدادا للمشاركة في أنشطة تدعم "العدالة الاجتماعية"، مثل الاحتجاج والتظاهر والانخراط في منظمات مجتمع مدني تهدف لتحقيق العدالة في مجتمعاتهم، والتحدث عن الظلم الاجتماعي في مدنهم وأماكن عملهم.

وكشف المسافرون أن الرحلة ساعدتهم على تصور العبودية بشكل مختلف، مما أدى بهم إلى فهم أعمق للعلاقات العرقية في الولايات المتحدة.

حصون العبودية وقصصها

وعلى سبيل المثال، قال أحد المسافرين إنه قبل زيارة غانا شعر "بغضب معين تجاه الأشخاص البيض"، لكن زيارة غانا -وتحديدا حصن كيب كوست- شجعته على تعلم المزيد عن جميع المشاركين في تجارة الرقيق من الأوروبيين (البيض) والأفارقة (السود) على حد سواء.

ويعد حصن أو قلعة كيب كوست واحدا من حوالي 40 حصنا أو قلعة لتجارة الرقيق بنيت على الساحل الغاني من قبل التجار الأوروبيين والبرتغاليين، وبعد أن كانت مركزا لتجارة الأخشاب والذهب أصبحت منذ القرن الـ17 نقطة أساسية في مسار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلنطي، حيث يتم تكديس العبيد قبل تحميلهم في السفن وبيعهم في الأميركتين كسلعة قيّمة.

وكانت الزنزانة المخصصة لتكديس العبيد في القلعة تتسع لقرابة ألف عبد ينتظرون التصدير، واعتبرت ساحة للرعب والموت يقبع العبيد في طابقها السفلي تحت الأرض، فيما يعيش الأوروبيون البيض أعلاها، وقد بنيت لصالح شركة "أفريقيا السويدية" في منتصف القرن الـ17.

وتستكشف قاعدة بيانات متاحة حاليا على الإنترنت ما يقارب 36 ألف رحلة للعبيد والرقيق بين أفريقيا والأميركتين بين عامي 1500 و1866.

وأجبر تجار الرقيق 12.5 مليون أفريقي على ركوب سفن الرقيق التي تعبر المحيط الأطلسي، وقبل عام 1820 كان هناك 4 أفارقة مستعبَدين يعبرون المحيط الأطلسي مقابل كل أوروبي، جاعلين أفريقيا المنبع الديمغرافي الأبرز لاستيطان الأميركتين بعد رحلات كولومبوس، بحسب مشروع "رحلات.. قاعدة بيانات تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي".

واستخدمت في تجارة الرقيق كل المنافذ والموانئ البحرية للمحيط الأطلنطي من كوبنهاغن إلى كيب تاون، ومن بوسطن إلى بوينس آيرس على الساحل الغربي للقارة الأفريقية والساحل الشرقي للأميركتين، وأعد القائمون على المشروع -الذي ترعاه جامعة إيموري الأميركية- هذا الفيديو بتقنية الرسوم ثلاثية الأبعاد، لشرح واحدة من الرحلات الكثيرة عبر المحيط.

فهم أعمق للهوية

وبيّن أحد المشاركين في الرحلة كيف ساعدته زيارة الحصن على فهم أعمق للهوية الأفريقية في أميركا، وقال "لدي خصائص مميزة تربطني بهذا المكان، وآمل أن أعود إلى المنزل وأستطيع أن أقول ذلك دون خوف أو خجل، يجب ألا نخاف من هويتنا".

ويوضح هذا الاقتباس -كما تقول الكاتبة- كيف يمكن أن يؤدي تشكيل الهوية من خلال "سياحة الجذور" والسفر إلى البلدان الأصلية إلى شكل من أشكال التسامح والمصالحة داخل المسافرين أنفسهم.

وقال مسافر آخر إنهم أدركوا بعد الرحلة أن "سياحة الجذور" إذا تم تنظيمها جيدا يمكن أن تكون سبيلا للتواصل والتفاهم بين الأعراق، معتبرا أن هذه التجربة يمكن أن تقدم حلا، وأن تكون بمثابة منصة للمصالحة العرقية.

صنع السلام

وتمثل هذه الأنواع من التجارب من خلال "سياحة الجذور" فرصة لخلق السلام والمصالحة، ويمكن للمسافرين أن يتعلموا معا عن الصدمات العاطفية الجماعية التي تعرض لها أسلافهم نتيجة الاستعباد.

وقال المسافرون للكاتبة إن رحلتهم إلى غانا مكنتهم من إجراء تغييرات نحو العدالة الاجتماعية في حياتهم المهنية والشخصية، ووصفوا التغيير العملي والذهني الذي حدث معهم نتيجة الزيارة، وشرح المشاركون كيف أثرت العنصرية المجتمعية في الولايات المتحدة على حياتهم، وكيف شجعهم السفر إلى غانا على البحث عن الذات والهوية، وكذلك إعادة الاعتبار لقضايا المساواة الاجتماعية.

ويظهر البحث بالفعل أن السياحة يمكن أن تعزز السلام والتفاهم بين الثقافات، وتحل الكثير من إشكاليات العنصرية في المجتمعات المتنوعة عرقيا، مثل الولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

يتطرق هذا المقال لبعض أدوار السود في التاريخ الإسلامي؛ محاولا تقديم مداخل متعددة لرصد جهود جمع من أعلام السود اضطلعوا بأدوار علمية وأدبية وسياسية في دفع حركة المسلمين قرونا عديدة وعلى صُعُد شتى.

اندلعت انتفاضة "إسلامية" نادرة في القرن 19 بالبرازيل البعيدة جغرافيا عن قلب العالم الإسلامي الحديث، ويقدم كتاب للمؤرخ البرازيلي جاو خوسيه ريس القصة الكاملة لانتفاضة المسلمين المستعبدين.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة