رسالة حب بأصوات مفقودة.. استدعاء ضجيج المدينة "الجميل" في زمن سكون الجائحة

سكان نيويورك الذين اعتادوا صخب وضجيج المدينة الكبير شعر بعضهم بالحنين المفاجئ إلى الأصوات الصاخبة التي طالما اشتكوا منها (الفرنسية)
سكان نيويورك الذين اعتادوا صخب وضجيج المدينة الكبير شعر بعضهم بالحنين المفاجئ إلى الأصوات الصاخبة التي طالما اشتكوا منها (الفرنسية)

تلاشت أصوات "التاكسي" والسيارات والدراجات، وهدير الحمام، وكلام السكان والغرباء، فضلا عن همهمات المكتبات وأصوات مترو الأنفاق والمواصلات العامة وهدير الطائرات في مدينة نيويورك التي قضت أياما وأسابيع في الحجر الصحي، وشهدت خلال هذه الفترة صمتا وسكونا غير معتادين، واستبدلت بضجيج المدينة أصواتا هادئة للرياح والطيور.

وفي تغطيتها لمشروع جامعة نيويورك الذي يراقب أنماط التلوث الضوضائي للمدينة وإيقاع أصواتها على مر السنين، تخلص صحيفة نيويورك تايمز الأميركية لكون التسجيلات الصوتية للمدينة تفيد بأن 29 من الأيام الـ 30 الأكثر هدوءا في مدينة نيويورك خلال السنوات الثلاث الماضية كانت خلال تفشي جائحة كورونا، بينما كان الاستثاء من نصيب ليلة عيد الميلاد عام 2018.

وفي محاولة لاستدعاء الأصوات المفقودة في فترة الحجر الصحي والتنويه بجمالها الاستثنائي، قدمت مكتبة نيويورك العامة للمدينة هدية من الأصوات الضائعة خلال أزمة جائحة كورونا، وأصدرتها في ألبوم يحمل عنوان "الأصوات المفقودة لنيويورك" ووصفتها بأنها "رسالة حب" إلى المدينة.

وبالمثل جمع موقع "مدن وذكريات" تسجيلات ميدانية من مختلف أنحاء العالم على مدى السنوات الخمس الماضية، لكنه أطلق أخيرا حملة جديدة لبناء خريطة الصوت الجماعية للعالم، مستعرضا كيف تغيرت الأصوات المعتادة وخفتت بعضها بينما اكتسبت أصوات جديدة مثل التصفيق لفرق الرعاية الصحية زخما أكبر.

الأصوات والفلسفة

وتكتسب الأصوات أهمية خاصة من منظور فلسفي، نظرا لطبيعتها المزدوجة، فمن ناحية يتم إنتاجها من خلال أجسام مادية تشكل مصدرها وأصلها، لكنها من ناحية أخرى "غير مجسدة" بذاتها ومنفصلة عن مصادرها البشرية أو المادية، وتملك خصائصها المميزة مثل النبرات الخاصة بها.

ويلاحظ الأكاديمي الأميركي جون أندرو فيشر في مجلة "التعليم الجمالي" أن الأصوات جزء لا يتجزأ من تجربتنا في الطبيعة، والأصوات الجذابة بشكل خاص هي ما يجعل العديد من الأماكن الطبيعية مرغوبة بشكل خاص.

وعلى الرغم من أن فيشر يكتب عن الأصوات "الطبيعية" وليس البشرية، فإنه من الممكن تطبيق فكرته على الأصوات البشرية والصناعية، فضجيج مدينة نيويورك هو جزء مهم من تكوين المدينة الذي يمنحها سمتها المميز، بحسب مقال الكاتبة أشونتا جاكسون التي تعيش في بروكلين وتكتب لدورية "جستور" (Jstor) العلمية.

ورغم أنه لا يمكن فصل هذه الأصوات الطبيعية الجميلة عن تجربة الإنسان في الاستمتاع بالجمال، فإن البشر لا يبذلون الكثير من الجهد لاستدعاء الأصوات التي يسمعونها مثلما يتذكرون الصور البصرية.

ويقول تقرير الصحيفة الأميركية إن الناس بدؤوا يشعرون فجأة بالحنين تجاه الضوضاء التي كانت تزعجهم، في أثناء الحجر الصحي والإغلاق الذي فرضته السلطات على العديد من المدن حول العالم، في محاولة لتجنب تفشٍ أكبر لجائحة كورونا.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

"قابلني ظـُهرًا، وضحىً، وعشيّة"؛ لا تزال استعمال هذه الألفاظ في تحديد الوقت والمواعيد سائدا بأيامنا؛ ولعل البعض لا يعلم أنها من بقايا الزمن الحضاري الإسلامي بل منذ أيام العرب الأولى.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة