حدث في الذاكرة.. القاصة التونسية نورة عبيد ومذاق الكلمات في حارة الشعراء

القاصة والروائية التونسية نورة عبيد
القاصة والروائية التونسية نورة عبيد غابت عن كتابة الشعر أعواما طويلة بسبب بؤس الساحة الثقافية وعادت أخيرا لتصدر مجموعة قصصية ورواية (الجزيرة)

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكاتبات وكتّاب لكي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غيّر حياتهم، وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قصاصا وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات الأهل أو الأصدقاء.

في الوقت ذاته، تعتبر هذه الزاوية نافذة للقارئ والمتابع لكي يتعرّف على جزء حميميّ وربما سرّي لمبدعين مختلفين في طرق وأساليب التفكير والحياة والكتابة.

ضيفتنا اليوم القاصة والناقدة التونسية نورة عبيد، التي ولدت عام 1973 في حارة الشعراء بالوطن القبلي. درست هناك حتى الثانوية، قبل أن تنتقل إلى العاصمة لتنال في عام 1999 درجة الأستاذية في اللغة والآداب العربية من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية.

كانت رسالة تخرجها مثيرة وهي تحمل عنوان "صورة العاشق في رسائل غسان كنفاني لغادة السمّان".

درّست في الجامعة التونسية النص الأدبي، مقدّمة تجارب سردية هامة مثل الكتاب التونسيين الحبيب السّالمي (1951) ومصطفى خريف (1909-1967) وعلياء التابعي وفرج الحوار (1954)، والفرنسي التشيكي ميلان ميلان كوندرا (1929) والسعودي عبد الرحمن منيف (1933-2004) والفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994) والكردي السوري سليم بركات (1951) والفلسطيني إحسان عبّاس (1920-2003).

وكُلّفت في الجامعة بتدريس أدب السّجون منذ بداية الألفية، قبل أن يتم التخلي عن هذا المحور وعنها، ثم عملت في المدارس الخاصة إلى أن تمّ "الرضا عنها"، ولكن لتعمل في التعليم في المدارس الثانوية.

أصدرت نورة عبيد مجموعتها الشعرية الأولى "بوابات على ديدان النسيان" في عام 1999، وغابت بعدها عن النشر حتى عام 2019 لتصدر رويتها "نوبات"، عن دار زينب، بشكل مشترك مع الكاتب معاوية الفرجاني.

مجموعتها القصصية الأولى "مرايا التراب، قصص التفاصيل المنسيّة" فازت بجائزة الطاهر الحداد لأدب المرأة في عام 2018، وصدرت في طبعتين عن دار البدوي في عام 2019، ثم عن دار ابن عربي في عام 2020، وستترجم إلى الايطالية والفرنسية.

وهنا شهادتها عن المواضيع التي طرحتها عليها الجزيرة نت.

حارة الشعراء

نركل رحم الأمّهات لننزل إلى الأرض باكين صارخين. وأعتقد أني نزلت وبي دهشة نور الأرض التي أسكنها، نور قريتي الفلاحية الخصبة المسيّجة بذؤابات أشجار غابة "دار شيشو" وقمّة جبل الهواريّة ومنابت جزيرتي زمبرا وزمبرتا.

كائنات شدّت صبوتي لرائحة البحر. فعقدت صرّتي بها. فكنت أرتع منذ سن الثالثة في حقلنا الممتد، كما حكت أمّي، لأرى تلك الكائنات وأسلّم عليها. وتلك كانت عادتي اليومية حتى غادرت القرية، وكما أشتاق لأهلي أشتاق لقريتي، ولذلك أستنكر بيني وبين نفسي عبارة "مسقط الرأس" لعل أجلّها "منبت الرأس".

تملّكتني دهشة دائمة، تداهمني على دفعات. أرى الأشياء وأبحث عن جوهرها. أشعر أن ما أرى ليس هو هو. أفعل ذلك مع كلّ شيء دون استثناء، وازدادت دهشتي بدهشة كلّ من أسره اسم قريتي "حارة الشعراء".

غلاف بوابات على ديدان النسيانديوان "بوابات على ديدان النسيان" صدر للشاعرة التونسية عام 1999 (الجزيرة)

رأيت في المدرسة التي كانت تبعد عن منزلنا أمتارا، الدار التي تنتظرني ولست أنا من أنتظرها. كانت قريبتي وجارتي تكبرني بسنة، لم أع ذلك إلا حين سبقتي بالدخول إلى المدرسة. أذكر أن جدّي اشترى لي المحفظة و"الميدعة" (زي مدرسي). وترجّى مديرها أن يقبلني يوم دخول قريبتي هناك. وقد لبّى رجاءه مشكورا. لكنّني مُنعت من دخول القسم.

سفيرة الكلمات

عدت يسبقني صراخي وإصراري على تعلّم ما يُقدّم في المدرسة. فتعلّمت القراءة والكتابة في البيت، حوّلت البيت إلى مدرسة، فازددت شغفا بتعلّم الكلمات. فتجرّأت على خزانة أبي وكتبه. وكلّ ما تقع عليه عيني من كتابة، وما يشنّف سمعي من كلمات. وما يهمس الطير من كلمات، كأنّني سفيرة الكلمات.

كلّ طاقتي سلّطت على سحر اللغة العربية، حتى أنّ كل من درّسني توسم فيّ القدرة على أن أكون كاتبة، وقالوا إن مزاجي من مزاج الكتّاب والشعراء. وكان أبي وجدي وكبار العائلة يستنكفون من الشعراء، فهم غاوون ولو استقاموا.

ربما ما ذكرتهُ هي أحداث عادية، ولكن وقعها منّي غير عاديّ، وهذا ما جعلها تسري إلى مجراها. ففي سنّ الخامسة عشر شاركت في ملتقى الأدباء الشبان بقليبيّة. جسدي الطفل يحمل قصائده ويصدح. ألتقي الأدباء لأول مرة. أصافح الأسماء لأول مرة. تحظى قصيدتي بتنويه لأول مرة، ولأول مرة ترى الطفلة القروية الشبان يتبادلون الشعر والحب والسهر والضحك والصخب والقهوة والكلام المارق. لأول مرة يكون الليل صباحا والشروق سباتا. لأول مرة هجرتُ الكلمات حتى حلّت دهشة النّواح.

أمّي، التي اعتقدت أنها ملكي وراعية وجودي، تأفل في غفلة من الزمن، تغادرنا وتونس تحتفل بعيد الاستقلال والشباب. كان شهر مارس/آذار موافقا لشهر رمضان بالتقويم العربي. وكانت سنة رحيلها سنة الباكالوريا من عمري الدراسي.

الفقد والأحزان

خنت الجميع، الاستقلال والشباب والعيد والامتحان، ودخلت في مغامرة وجودية قاسيّة. رسبت في الباكالوريا. وكان الرسوب اختياريا، فقد وجدت في نجاحي، لو حدث، خيانة للحداد على أمي، التي لم أنتبه إلى صحبتها، إذ كنت مذهولة بالخارج، بالجري، بالأرض، بالكتاب، حتّى خطفت، فانتبهت إلى مصابي وحلّ العواء الأبديّ.

في العيد يزداد الفقد وتتزاحم الأحزان، لتذكّرك بالبؤس. مرّت أعياد واسمي بدأ يظهر بين الأسماء في زاوية من جريدة، ويُنطق على أثير الإذاعة الوطنية وإذاعة المنستير، حتّى انتقلت إلى العاصمة.

غلاف نوباترواية "نوبات" تتعرض لملامح من تاريخ تونسي قديم يقبع في ظلال الحاضر (الجزيرة)

العمل أم الكتابة؟

عندها بدأت القصة، فلأول مرة يغضب مني أبي ويقاطعني الكلام، إذ رفضت أن أدرس بالجامعة إلا العربيّة. كان يفكّر في التشغيل (العمل)، وكنت أفكّر في الكتابة، ولم أقدّر ساعتها هل هي شعر أو قصة أو رواية؟

لعلّ الكتابة في الأصل كلّ مرتبط بفعل "اقرأ"، وأنا مولودة سلفا لأقرأ وأنصت. جرى الخاطر في مجراها، والقصّة تكبر، ودهشة الكتابة تكبر. قصائدي تجد أشرعة لتركب بحر الشعر وصبوة لذّة ممارسة الكتابة عموما. صار اسمي معروفا في العاصمة، ولاقيت كبار الأسماء التونسية والعربية، فالطلبة هم الجمهور الأكبر للملتقيات والندوات.

همس الكرسي الخشبي

شعرا كتبت في الصحف والمجلات العربية، حتى حلّ عيد الأضحى سنة 1994، وعاد معه الحزن الأصيل. كتبت يوم العيد شيئا بعنوان "همس الكرسي الخشبي". يومها جلست فعلا على كرسي خشبي صنعه جدّي، وحادثت الغاب أمامي وتمنيّت لو كان إبراهيم قاسيا فذبح إسماعيل!. تمنيت لو كان البنون أضاحي العيد، لكان أبي أضحية ولكنتُ أنا عدما؛ فهو الابن الوحيد لجدّي. ولجنّبني الحزن الذي لفّني ذاك العيد.

نشرت أقصوصتي الأولى فناداني أستاذ الأجيال توفيق بكّار قائلا "لا يوجد كاتب كبير وكاتب صغير، يوجد كاتب"، وكان ذلك اللقّاء الوحيد.

كنت أتهيّب النشر ولا أزال، فمجموعتي الشعرية "بوابات على ديدان النسيان" نشرت وأنا طالبة. حين مثلت بين يدي هربتُ، والفضل للصديق والدكتور محمد البدوي الذي آمن بتجربتي ووضّب الكتاب، وأشرف على طبعه.

غياب طويل

غبت خمس عشرة سنة بسبب بؤس الساحة الثقافية والسياسية؛ إذ تطوّق السلطة الخناق على كلّ شاردة. ولكن حين عدت للكتابة نالت مجموعتي "مرايا التراب، قصص التفاصيل المنسيّة" جائزة الطاهر الحدّاد لأدب المرأة. ثم صدرت رواية "نوبات" المشتركة مع الروائي معاوية الفرجاني. وهناك الآن مجموعة شعرية "نشيد البرّية" ورواية "الوكواك" قيدا الطبع. كان عليّ أن أعود لأنّي خلقت لأكتب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكاتبات وكتّاب لكي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غيّر حياتهم، وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قصاصا وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات المحيطين.

Published On 25/5/2020

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكاتبات وكتّاب لكي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غيّر حياتهم، وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قصاصا وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات من حولهم.

Published On 30/5/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة