الجغرافيا النفسية من تشيرنوبيل إلى كورونا.. دروس الكارثة النووية لعالم الجائحة

كارثة تشيرنوبيل النووية في أوكرانيا عام 1986 (يمين) وجائحة كورونا المعاصرة
كارثة تشيرنوبيل النووية في أوكرانيا عام 1986 (يمين) وجائحة كورونا المعاصرة

مع خروج الناس ببطء من الإغلاق والحجر الصحي الذي فرضته الحكومات، وجد كثيرون أنفسهم يفكرون بشكل مختلف تجاه الأماكن التي كانت مألوفة لهم، فالمتاجر والمراكز المجتمعية ووسائل النقل العام باتت تهديدا محتملا، وقد تكون الأسطح ملوثة وتحمل الفيروسات إلى الأصحاء.

تغيرت طريقة تحرك الناس داخل هذه المساحات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى لوائح السلامة المصممة لفرض المسافة الاجتماعية، وأيضا إلى إدراكنا الشخصي للتهديد الجديد.

تقول الأكاديمية المختصة بالأدب الإنجليزي في جامعة "إيدج هيل" البريطانية فيليبا هولواي إنه "منذ دخول عمليات الإغلاق حيز التنفيذ، شاركتُ مع آخرين حول العالم في تنسيق مشروع 100 كلمة من العزلة".

ويهدف المشروع إلى جمع ونشر ردود أدبية عالمية على الوباء وتأثيره على حياتنا اليومية. وتكشف الكتابات التي نشرها المشروع تزايد الاستجابات العاطفية في جميع أنحاء العالم. كما تظهر أن السلوك البشري قد تغير استجابة لتهديد لا نستطيع رؤيته، ولكنه قد يقتلنا مع ذلك.

وكتبت ميغا نايار من الهند في أبريل/نيسان الماضي "العدو في الخارج.. لذا فإننا نتجمع في الداخل، وننسى في الوقت الحاضر كيف تبدو الشمس ويبدو القمر".

من تشيرنوبيل إلى كورونا

ليست هذه هي المرة الأولى التي يضطر فيها مجتمع كبير من الناس إلى اتخاذ الاحتياطات بسبب خطر غير مرئي، فعندما وقعت كارثة محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية عام 1986، انتشر الإشعاع عبر مناطق شاسعة من أوروبا، وتم إجلاء الآلاف من السكان، وأصبح كثيرون منهم مرضى، بحسب مقال هولواي لموقع "كونفرزيشن".

في ذلك الوقت، اختلفت الاستجابات لحادث التلوث، ووفقًا لأول شهادة على ما جرى نقلتها الصحفية البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفيتش، قالت إحدى السيدات إنها "غسلت المنزل والموقد.. وكل ذلك حتى نتمكن من العودة". وكشفت أخرى "ابنتي تبعتني إلى البيت ومسحت مقبض الباب والكرسي"، ووجد آخرون صعوبة في تصديق الخطر، وقالوا "كيف يمكن أن تكون المياة قذرة ونحن نراها نظيفة للغاية".

وخلال بحثها الأكاديمي، زارت هولواي منطقة تشيرنوبيل لدراسة الاستجابات العاطفية والسلوكية التي يواجه بها الناس الأخطار غير المحسوسة مثل التي يشهدها عالمنا اليوم، وتشبه هذه الاستجابات تفاعل الناس الحالي مع جائحة كورونا.

تقول الكاتبة "إننا قلقون من لمس الأشياء، لذلك نتجنبها.. إننا واعون بشدة بقربنا من الأسطح التي يحتمل أن تكون ملوثة بالفيروس، وخائفون من دخول الجسيمات غير المرئية إلى أجسادنا من الهواء.. نراقب تنفسنا، نحبس أنفاسنا أو نشعر بضيق التنفس.. الكمامات الواقية تجعلنا نشعر بالأمان (حتى إذا لم يتم استخدامها بشكل صحيح أو لم يثبت أنها تعمل).. ونحن نقبل أننا قد نتعرض للأذى حتى بعد توخي الحذر".

وفي حالة تشيرنوبيل، سمح مرور الوقت بالعودة إلى الأماكن مرة ثانية، وأصبح الموقع الآن وجهة سياحية، مما يمنح الناس فرصة لاستكشاف القرى المهجورة التي لا تزال مشعة.

هؤلاء السياح يبحثون عن تجربة تشبه ما نتعامل معه الآن جميعاً، وتتلخص هذه التجربة في اعتبار أن الخطر غير المرئي يتطلب حذراً وحيطة، ولكن مع ذلك يمكن قبول مخاطرة طفيفة.

ومع ذلك فإن حسبة المخاطر والمغامرة في زيارة تشيرنوبيل قصيرة الأجل، ولكن في حالة جائحة كورونا، فالخطر مستمر ويمكن أن تكون عواقبه محزنة للغاية.

الجغرافيا النفسية

يُطلق علم الجغرافيا النفسية على دراسة كيف تجعل الأماكن البشر يشعرون ويتصرفون بطريقة معينة، وهو مصطلح صاغه الشاعر والكاتب والسينمائي الفرنسي غي ديبورد في الستينيات، ويتم استخدامه بشكل عام لاستكشاف كيف يؤثر التخطيط الحضري على عواطف الناس وحركاتهم. ولكن من الصعب تطبيقه عندما يكون هناك جانب غير مرئي، مثل الفيروسات.

وبدون وجود مادة حسية مثل الزجاج المكسور أو الدخان للدلالة على الخطر، يصعب تقييم المخاطر. في بعض الأحيان يمكننا الاعتماد على التكنولوجيا، مثل قياس الإشعاع في تشيرنوبيل لتحديد مستوى الخطر. وخلافا لذلك، فإن المخاطر غير المرئية هي مفاهيمية ونظرية بحتة.

ويستند تقييم المخاطر الشخصية إلى الفهم الثقافي المشترك، والمعرفة العامة بالمخاطر مثل الإشعاع أو العدوى، وتعليمات الخبراء، بحسب الكاتبة.

وعلى الجانب الآخر، هناك كثيرون يفضلون كسر القواعد، لا سيما الذين لا يثقون في السياسات الحكومية، أو يستندون إلى تجاربهم الخاصة والبيانات المنشورة لاتخاذ قراراتهم بناءً على معاييرهم الاجتماعية والثقافية الخاصة.

وفي تناقض صارخ، فإنه بعد كارثة تشيرنوبيل عاد المستوطنون إلى منازلهم داخل المنطقة الخطرة رغم التحذيرات، وكانت أفعالهم متجذرة في ثقافة صدمة النزوح، والهروب من الشعور السلبي بالتمييز، والارتباط الكثيف بأرض الأجداد، والحاجة إلى الشعور بالأمان في المنزل، وهو ما يشبه خروج الناس من الحجر الصحي بعد تخفيف إجراءات الحكومات في أعقاب جائحة كورونا الحالية.

وينطوي كل من البقاء في المنزل أو الحجر الصحي إلى أجل غير مسمى وكسر قواعد الصحة العامة على حد سواء، على الرغبة في السيطرة على خطر غير مرئي، ويؤدي إلى صراعات داخلية ومخاوف بشأن العواقب. وتعد هذه الاستجابات "نفسية جغرافية" قوية، وتبدو مألوفة في استنادها إلى الشعور بالملكية والانتماء.

وبينما يستمر فتح الإغلاق تدريجيا، وتواجه بعض البلدان احتمال حدوث موجة ثانية، تتطور عواطفنا وسلوكياتنا مع ذلك. وقد تكون الجغرافيا النفسية هي المفتاح لتمكيننا من إدراك التغيير الذي نحياه، وقد يساعدنا على ذلك تذكر أن البشر قد عايشوا كثيراً تجارب من التهديدات غير المرئية التي تؤثر على حياتهم.

المصدر : الصحافة الأسترالية

حول هذه القصة

يعيش سكان العالم في زمن جائحة كورونا أوقاتا غير معتادة من عدم اليقين بالمستقبل. وبينما يشعر كثيرون بالحنين لحياتهم “الطبيعية”، يقول آخرون إن المشكلة كانت في الحياة المعتادة ذاتها.

13/5/2020

قال المفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي للجزيرة نت إن هزيمة الثورة المضادة ستبدأ من المغرب (ليبيا)، مثلما بدأ الربيع العربي من المغرب (تونس)، وأضاف في حواره للجزيرة نت أن المسلمين بحاجة لفهم القرآن.

4/6/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة