حدث في الذاكرة.. الشاعر العراقي كاظم خنجر والمتنبي وتفجير شارع المكتبات

الشاعر العراقي كاظم خنجر مؤديا قصائد شعرية مع خلفية موسيقية في إحدى الأمسيات بالعاصمة الفرنسية باريس
الشاعر العراقي كاظم خنجر مؤديا قصائد شعرية مع خلفية موسيقية في إحدى الأمسيات بالعاصمة الفرنسية باريس

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكتاب كي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غير حياتهم وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قاصين وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات الأهل أو الأصدقاء.

وفي الوقت ذاته، تعتبر هذه الزاوية نافذة للقارئ والمتابع، لكي يتعرف على جزء حميمي وربما سري لمبدعين مختلفين في طرق وأساليب التفكير والحياة والكتابة.

ضيفنا اليوم الشاعر والمؤدي العراقي الشاب كاظم خنجر المولود في مدينة بابل عام 1990، والتي درس فيها حتى حصوله على درجة ماجستير فنون مسرحية، وهو يعيش الآن متنقلا بين فرنسا والعراق‎.

في عام 2016 صدرت المجموعة الشعرية الأولى لكاظم عن دار مخطوطات في هولندا بعنوان "نزهة بحزام ناسف"، وفي عام 2017 صدرت مجموعته "تاجر دم" بالعربية والفرنسية، وتبع ذلك ترجمة مجموعته "نزهة بحزام ناسف" إلى الفرنسية في عام 2018، وكانت الترجمة الفرنسية في المرتين من قبل المترجم أنطوان جوكي، فيما ترجمت ساندرا هتزل مجموعته "هذه الأرض لكم" التي صدرت بالألمانية في عام 2019.

وكان من المفترض أن تصدر مجموعته "نتقاتل للتسلية" عن دار درج في بغداد عام 2018، إلا أن صدورها تأخر إلى العام الجاري.

أدى كاظم خنجر مع زملاء له عرفوا باسم بـ"مليشيا الثقافة" قصائد لهم تتناول قضايا الحرب والخطف والحرية، هذا الأداء الذي يمكن أن يطلق عليه "مسرحة الشعر"، وأداء الشعر يختلف عن قراءته بالطريقة المعروفة، إذ قد يستخدم الشاعر/ المؤدي مشاهد أو موسيقى معينة مرافقة، ويقرأ الشاعر نصه كأنه يقوم بتمثيله.

ويمكن أن يكون الأداء على خشبة المسرح أو الأماكن الثقافية، وكذلك في أماكن عامة مثل الساحات والحدائق والشوارع، حيث يمكن التأثير المباشر على الجمهور أو المتلقي، وتعريف ويكيبيديا لفن الأداء بأنه "الشعر الذي كتب خصيصا من أجل أدائه أمام الجمهور بدلا من توزيعه مطبوعا" يقرب هذا الشعر من المسرح والتمثيل أكثر.

ويعمل كاظم خنجر حاليا محاضرا لطلاب قسم المسرح في كلية الحلة العراقية، وهنا شهادته عن الموضوعات التي طرحتها عليه الجزيرة نت.

مريض ميت يدعي الحياة

تعلمت عبر تجربتي البسيطة في الأدب أنه عندما تنتهي الحياة تبدأ الكتابة، الكتابة بوصفها الصعقات الكهربائية الأخيرة لمريض مات ويدعي "الحياة"، أتذكر اللحظات الأولى للدخول الأميركي للعراق (في عام 2003)، أتذكر سعادة العائلة والجيران، الأحلام والآمال اللانهائية لجثة تحتضر تدعى "العراق".

حجزونا لشهور خلف الجدران دون ماء أو كهرباء، كل الذي كان يحق لنا أن نفعله هو سرقة الممتلكات العامة، ولم نقصر في ذلك، حينها كنت مراهقا محروما خارجا من حصار امتد طوال طفولتي، أنتظر مرور عربات الهمر الأميركية ومجنداتها.

مجموعة "تاجر دم" الشعرية لكاظم الخنجر صدرت باللغتين العربية والفرنسية (الجزيرة)

الصندوق الذي غيّر حياتي

لم تكن تلك اللحظات العنيفة التي رافقها بدء التذابح بين السنة والشيعة على السلطة، وحظر التجول الأميركي وصوت الرصاص الذي لا يتوقف في الخارج تحديدا عند الليل مخيفة بالنسبة لمراهق في حي شعبي، كانت هذه الأجواء هي إعادة اكتشاف لبيت يتكون من غرفة واحدة وحمام لعائلة مكونة من عشرة أفراد.

تلك الزحمة وقلة الخروج تدفعانك للتفتيش عن أشياء غريبة للتخلص من قصص الأب التي تدور كلها حول بطولات حرب الثمانينيات مع إيران والانتفاضة الشعبية، ومن الأشياء الغريبة التي عثرت عليها صندوق يحتوي جرائد بالية وكتبا بلا أغلفة وبلا بدايات، وبداعي القضاء على الوقت بدأت مطالعة هذه الكتب التي أدركت لاحقا أن ما طالعته وتأثرت به هو "ديوان المتنبي" و"كليلة ودمنة"، بالإضافة إلى كتيب صغير عن السحر والطلاسم في الصندوق الذي غير حياتي.

ونتيجة لعدم امتلاكنا تلفازا أو راديو أو أي وسيلة أخرى لقتل الوقت كنت أستغرق حينها في حفظ الأبيات التي أفهمها من كتاب القصائد الذي عثرت عليه، ومنذ تلك اللحظة شعرت بأني قادر على التعبير والكتابة، هذا الشعور ظل يرافقني لسنوات، شعور مثالي لم أستطع بلوغه إلى أن قتل صديق طفولتي (مهند فاهم).

صدرت للشاعر العراقي مجموعة شعرية بعنوان "هذه الأرض لكم" باللغة الألمانية (الجزيرة)

النجاة من الموت

كان من المفترض أن نموت معا، فقد قتل في تفجير حدث في "شارع المكتبات" بمحافظة بابل، كنا قد اتفقنا على الذهاب معا، وعندما جاءني  إلى البيت كنت وقتها في الحمام، لم ينتظر خروجي، فسبقني إلى الموت بخطوات خفيفة، ولكنها ما زالت تثقل على عمري كل يوم.

مررت بشهور مرة عقب موته، لم أستطع الخروج من ذلك المشهد إلى الآن، وكل عزائي كان في الأبيات التي حفظتها يوما، أكررها مع نفسي بلا هوادة حتى وجدت نفسي أردد أبياتا ليست لأحد، أبياتا تستوعب أحزان مراهق بدأ لتوه يملك شعورا خاصا.

تلك اللحظات الأولى التي كنت أتعمد إخفاءها كثيرا ما تشبه هبوط الدورة الشهرية لأول مرة، ولكي يتحول الأمر إلى عادة احتجت المزيد من السنوات في بيئة شعبية مليئة بالزعرنة، فالتصريح بأنك تكتب أو أنك فنان أو ما شابه سوف يحولك إلى مسخرة واتهام بالرقة والميوعة، وهذا ضد ما كنت أسعى إليه بين أقراني.

الثقة والخلاص

لاحقا، عندما أدركت أن الأدب ليس بهذه الصورة التي يعتقدها عنه مجتمع بسيط في منطقة شعبية مثل "المهدية" بدأت أفخر به تدريجيا، متأثرا بالكاتب الأميركي هنري ميلر والكاتبين الفرنسيين رامبو وجان جينيه والشاعر العراقي حسين مردان‎، وغيرهم من النماذج التي كنت أراها مثالا وقربتني أكثر من الكتابة، ومنحتني الثقة بألا أخجل من طريقة حياتي وبيئتي، وكل ما مررت به قابل للتحول إلى شيء ذي قيمة أدبية.

مجموعة "نزهة بحزام ناسف" الشعرية للشاعر العراقي كاظم خنجر (الجزيرة)

وتدريجيا، أصبحت الكتابة هي الخلاص من الكوارث اليومية، وأضحت يدا غير خجولة تصافح الأحلام التي يظهر فيها "مهند" فجأة، وإلى الآن لم أستطع فهم الكتابة خارج الحزام الناسف الذي تفجر في شارع المكتبات (المتنبي).

وفيما يخص عائلتي والمحيطين وتوقعاتهم بشأني، فكلهم لا يتوقعون أني قادر على اجتياز شارع دون حادث، عائلتي بمجملها -بما في ذلك الأعمام والأخوال ومن يجاورهم- لم يستطع أي منهم أن ينهي الدراسة المتوسطة، لهذا لن يفهموا ما أقوم به، فما أفعله بالنسبة لهم يتراوح بين كونه مصدرا للسخرية أو شيئا لا يهم.

ورغم كل هذا لم أستفهم يوما عن الصندوق الذي حوى الكتب الممزقة والصحف الصفراء التي حلت كلماتها المتقاطعة، لمن كان يعود؟ ولمَ لمْ أسأل عن ذلك؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة