في الذكرى الـ80 للانسحاب الكبير.. كيف تحوّلت هزيمة "دونكيرك" إلى "معجزة" في عيون الصحافة البريطانية؟

إخلاء جنود بريطانيين في عملية “دينامو” من دونكيرك يوم 31 مايو/أيار 1940 (ويكي كومنز)
إخلاء جنود بريطانيين في عملية “دينامو” من دونكيرك يوم 31 مايو/أيار 1940 (ويكي كومنز)

بينما تحتفل المملكة المتحدة بالذكرى الثمانين لانسحاب دونكيرك الكبير الذي قامت به فلول القوات البريطانية المنهزمة في أوروبا أمام القوات الألمانية خلال بدايات الحرب عام 1940، يتجدد الجدل بشأن الحدث التاريخي الذي تحوّل في أفلام سينمائية وأعمال أدبية إلى ما يشبه "المعجزة".

اشتملت عملية "دينامو" كما كانت تسمى على  إجلاء أكثر من 338 ألف جندي بريطاني وفرنسي من ميناء دونكيرك الفرنسي في الفترة بين 26 مايو/أيار و4 يونيو/حزيران 1940، وشكلت هذه الفلول المنسحبة نواة القتال على مختلف جبهات حرب الحلفاء ضد النازيين.

وقبيل الانسحاب الكبير، وصف رئيس الوزراء البريطاني حينها وينستون تشرشل الوضع بأنه "كارثة عسكرية هائلة"، ودار الكثير من الجدل بين المؤرخين العسكريين حول الأسباب الغامضة التي منعت المستشار الألماني أدولف هتلر من شن هجوم كاسح على فلول القوات المنسحبة، وهو الموقف الذي وُصف بأحد الأخطاء الألمانية الكبرى على الجبهة، وإحدى نقاط التحوّل في الحرب العالمية.

وكان تشرشل الذي تعهد بقتال الألمان على الشواطئ، قد ذكر في خطاب لمجلس العموم البريطاني قبيل الانسحاب أن "الحروب لا يمكن الفوز بها بعمليات الإخلاء" قبل أن يصف الانسحاب الكبير بأنه "معجزة للخلاص".

ويقول المؤرخ البريطاني والأكاديمي بجامعة دورهام تيم لاكهورست، الذي يدرس تاريخ بريطانيا المعاصر من خلال متابعة تطور الصحافة، إن اعتبار الجمهور البريطاني عملية "دونكيرك" انتصارا يعود الفضل فيه إلى عمل صحفيي الصحف البريطانية وضباط صحافة البحرية الملكية الذين أمدوهم بتفاصيل محددة.

كيف حدثت "المعجزة"؟

لم تغط الصحافة عملية "دونكيرك" عبر روايات شهود العيان من موقع الحدث كالمعتاد، ولم يكن لدى مراسلي الحرب القلائل الذين عادوا مع الجيوش المنسحبة أي وسيلة للتواصل، بينما كُتبت تقارير مثل تغطية إيفلين مونتاجي لصحيفة مانشستر غارديان يوم السبت 1 يونيو/حزيران 1940 "معجزة عودة القوات البريطانية" بواسطة الصحفيين المدعوين لمشاهدة وصول وتسلم البحرية الملكية للجنود الذين تم إجلاؤهم إلى موانئ جنوبي شرقي إنجلترا، وهناك تم إطلاعهم على مشهد من الحماس الوطني والفخر البحري إلى جانب بعض الحقائق.

وتشتمل الجملة الأولى من تقرير الصحفي مونتاجي على هذه النكهة الحماسية، إذ يفتتح تقريره قائلا "مع قشعريرة البرد الرمادي اليوم في ميناء جنوبي شرقي بريطانيا، شاهد مراسلو الحرب، بفرح لا يصدق، حدوث معجزة".

ولم ينسَ المراسل -حفيد محرر غارديان الشهير ومالكها السابق سي بي سكوت- منح البحرية الملكية الفضل فيما جرى، واصفا فندقا على الواجهة البحرية حيث "كان كل كرسي يحمل جنديًا أو بحارًا نائمًا، متكدسًا تحت معطف أو غطاء أرضي"، وتحول مونتاجي إلى المشهد في الميناء قائلا "بينما كانت الشمس المشرقة، تحولت الغيوم الرمادية إلى نحاس مصقول، انزلقت المدمرة الأولى بسرعة إلى المرفأ، وهي منتصبة وممتلئة بالرجال الذين اصطفوا جنبًا إلى جنب على سطحها".

وفي عام 1940، لم تمنح صحيفة تايمز البريطانية العريقة صحفييها مكانا لكتابة أسمائهم في صدر المقالات والتغطيات كما هو معتاد، وكان تقريرها عن عودة القوات البريطانية من دونكيرك مكتوبا بواسطة "مراسلنا الخاص"، الذي تابع أيضاً المشاهد في ميناء جنوبي شرقي بريطانيا.

غرق مدمرة فرنسية محملة بالجنود قبالة سواحل دونكيرك في 30 مايو 1940 (ويكي كومنز)

وأضاف "حظرت الرقابة الأمنية أي تحديد أدق"، وكتب أن الرجال كانوا "متعبين لكنهم لم يكونوا خائفين". وتحت حماية "الدوريات المستمرة للسفن الحربية والطائرات البريطانية في القناة الإنجليزية.. كان الرجال الذين أظهروا "ثباتا كبيرا في اختبار قاس.. يتدفقون على الأرصفة".

وكتب برنارد غراي محرر صحيفة ديلي ميرور تغطية صحفية ليوم 2 يونيو/حزيران بعنوان "القصة الكاملة الرائعة"، وبالغ قائلاً "لقد كانت هناك العديد من الحلقات المجيدة في تاريخ بريطانيا.. ولكن، إذا كان المؤرخ الإنجليزي العظيم لورد ماكولي (1800-1859م) قادرًا على اختيار الأسبوع الأكثر عظمة من بين 2000 سنة من حوليات (سجلات أحداث) الإمبراطورية البريطانية، فإن هذه الأيام السبعة الأخيرة كانت بالتأكيد الأسبوع الذي كان سيختار".

ولم يتردد غراي في تقديم مقارنات تفصيلية قائلا "علاوة على هزيمة الأرمادا الإسبانية (اكتسحت فيها البحرية البريطانية الأسطول الإسباني عام 1588)، ننسى حتى معركة واترلو (التي هزم فيها الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أمام تحالف من بلدان أوروبا بينها بريطانيا عام 1815م)، ملحمة ترافالغار القديمة، لقد شهد هذا الأسبوع الإمبراطورية البريطانية في أقوى حالاتها.. في هزيمة".

ووصف جي برايس من صحيفة ديلي ميل البريطانية أيضا في مقال على الصفحة الأولى للجريدة ما جرى في الأول من يونيو/حزيران قائلا بحماسة "إنها صورة بطولية مذهلة وروح قتالية وعزم لم يضعف قط في مواجهة عدم التوازن الساحق في الرجال والعتاد".

اصطفاف القوات البريطانية على الشاطئ في دونكيرك في انتظار الإخلاء (ويكي كومنز)

هزيمة "مجيدة"

استغرق الأمر من هيلير بيلوك، المؤلف الأنجلوفرنسي لقصص الأطفال، مدة ليدرك في عموده لصحيفة صنداي تايمز (وقت الإخلاء وبعد 2 يونيو/حزيران) أن الانسحاب من بلجيكا وانهيار الحليف الرئيسي لبريطانيا (فرنسا) يشكلان كارثة".

في دراسته للعناصر التي شكلت "قصة بريطانيا" لعام 1940، أشار المؤرخ والشاعر الأسكتلندي أنجوس كالدر -الذي أرخ لتاريخ الحرب العالمية الثانية في كتابه "حرب الشعب" وفاز بجائزة جون لويلين ريس الأدبية- إلى أن الطريقة التي تمت بها تغطية القصة كانت مضللة. واعتبر كالدر أن "دونكيرك كان في الواقع هروبًا كبيرًا".

ويقول الكاتب لاكهورست في مقاله بموقع كونفيرذيشن إنه يقدر العمل الذي قامت به الصحف البريطانية لدعم الروح المعنوية والحفاظ على العزم في وقت الخطر، لكنه استدرك "في الديمقراطية التي تحارب الشمولية، ينبغي على الصحف أن توازن بين التزامها بمحاسبة السلطة وواجبها تجاه القضية الوطنية"، مشيرا إلى تواطؤ الصحف على تقديم أساطير حول دونكيرك.

وفي تغطية غراي لصحيفة صنداي ميرور، قال إن دونكيرك كانت مجيدة على الرغم من حقيقة أن "الجيش البريطاني لم يفز في معركة.. تراجع الجيش البريطاني. اضطر الجيش البريطاني لمغادرة ساحة المعركة".

وبالنهاية كان الانسحاب الكبير مفيداً للغاية لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية من الناحيتين العسكرية والمعنوية، ودفع قائد الرايخ الألماني هتلر ثمنا كبيرا لتفويته الفرصة ظنا منه أن الفلول المنسحبة لن تعود إلى أوروبا أبدا، لكن إدراك حقيقة ما جرى احتاج وقتا وتغطية صحفية لا تتجنب الحقائق، وهي الدروس التي يمكن أن تفيد في زمن تواجه في العديد من البلدان خطر جائحة عالمية كبرى.

المصدر : الجزيرة + الصحافة البريطانية

حول هذه القصة

المزيد من أحلاف عسكرية
الأكثر قراءة