قناصل وأسرى.. هل ولدت "الدبلوماسية الدولية" في زمن علاقات غرب أوروبا وشمال أفريقيا بالعصور الوسطى؟

مستعمرة "نيو امستردام" الهولندية في أميركا الشمالية خلال القرن 17 تمثل ذروة تمدد الإمبراطورية الهولندية التي شهدت علاقات دبلوماسية مكثفة مع الشمال الأفريقي (ويكي كومنز)
مستعمرة "نيو امستردام" الهولندية في أميركا الشمالية خلال القرن 17 تمثل ذروة تمدد الإمبراطورية الهولندية التي شهدت علاقات دبلوماسية مكثفة مع الشمال الأفريقي (ويكي كومنز)

في عام 1687، رسم الفنان الهولندي ميشيل فان موسشر (توفي 1705) بوتريه تذكاريا للقنصل الهولندي توماس هيس البالغ من العمر 52 عاما، معتبرا أنه سفير استثنائي وغير معتاد لبلاده في شمال أفريقيا، وفي القرن 17 عرفت شمال أفريقيا قبل حقبة الاستعمار الأوروبي وفود مسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى، ودوّن المسافرون الأوربيون والتجار الوافدون رحلاتهم وأسفارهم إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

ومن بين هؤلاء كان هيس الذي قضى عشر سنوات بين الأعوام 1675 و1685، وساهم في تحرير مئة من أفراد الطاقم الهولندي المحتجزين في الأسر في شمال أفريقيا، والعكس، وأسهمت جهود التفاوض في ميلاد نظام دبلوماسية غير معتاد بين أوروبا وشمال أفريقيا، وهو المفهوم الذي يقول كتاب جديد إنه كان بداية إقامة نظام دبلوماسي عالمي حديث.

قناصل وأسرى

الكتاب الجديد صدر حديثا بعنوان "القناصل والأسرى.. الدبلوماسية الهولندية الشمال أفريقية في أوائل زمن البحر الأبيض المتوسط ​​الحديث" لإيريكا هينسن-روتش الأكاديمية بجامعة جنوب فلوريدا سانت بطرسبرغ الأميركية، مقدما منظورًا جديدًا لتاريخ الدبلوماسية في غرب البحر الأبيض المتوسط.

المؤلفة روتش تعتبر في كتابها "القناصل والأسرى" أن الدبلوماسية الدولية تطورت بفضل علاقات الأوروبيين والشمال أفارقة (الجزيرة)

ويشرح الكتاب كيف أجبرت عمليات القرصنة والسبي والأسر في البحر المتوسط الدول البروتستانتية من شمالي غربي أوروبا على تطوير علاقات معقدة مع دول شمال أفريقيا الإسلامية، لتبادل الأسرى بين الأطراف المختلفة، متتبعا كيف تفاوض دبلوماسيون هولنديون ومسؤولون من شمال أفريقيا على تحرير البحارة الهولنديين الأسرى في المغرب ومبادلتهم.

وتجادل المؤلفة إيريكا هينسن-روتش بأن الأسر والفداء ساعدا في تشكيل (بدلاً من تقويض) نظام دبلوماسي جديد في غرب البحر الأبيض المتوسط، وأدى إلى تطور دبلوماسية دولية ونشاط عالمي مكثف.

من خلال الاستفادة من الأبحاث الأرشيفية القديمة، يظهر نشاط القناصل والأسرى كيف أن اللقاءات مع مجتمع شمال أفريقيا دفعت الشمال البروتستانتي للتكيّف مع معايير غرب البحر الأبيض المتوسط، إذ أصبح القناصل الهولنديون ممثلين للدولة، وتمثلت مهمتهم في المطالبة بالإفراج غير المشروط عن الأسرى الهولنديين، لكن بين هذه التوجيهات وواقع الحال على ضفتي المتوسط، وافق الدبلوماسيون على دفع الفدية، وشاركوا في ما اعتبروها ممارسات وتقاليد "سخية" لتقديم الهدايا، والثناء والشكر، وغير ذلك من الأعمال الدبلوماسية التي كانت خروجًا عن المعايير التي تبنتها هولندا الملكية والإمبراطورية حينها.

في تحليل هذه التحولات، تسائل المؤلفة التفسيرات السابقة للدبلوماسية كمؤسسة تتطور تدريجيا وترتكز على التقاليد الغربية الحديثة، إذ يظهر القناصل والأسرى بدلاً من ذلك أن الدبلوماسية الحديثة المبكرة في غرب البحر الأبيض المتوسط ​​تطورت بطرق متفاوتة نتيجة "لقاءات ثقافية"، ومع حجج مقنعة وأدلة متعددة، يتوقع أن يحظى هذا الكتاب باهتمام باحثي تاريخ الدبلوماسية الحديثة المبكرة والرق وتاريخ البحر الأبيض المتوسط.

 

تاريخ طويل ومعقد

وكانت هولندا تابعة للتاج الإسباني في بداية القرن 16، وثار الهولنديون على الإسبان عام 1566م، ونالوا استقلالهم واستغلوا ضعف المراكز البرتغالية والإسبانية ليستعمروا مناطق عديدة شملت سومطرة الإندونيسية وجز الهند الشرقية، وسيلان، ومناطق في جنوب أفريقيا وغانا وناميبيا وشواطئ غيانا في أميركا اللاتينية إضافة لمستعمرة نيو أمستردام في أميركا الشمالية التي تغيّر اسمها لاحقا إلى "نيويورك".

ومع تراجع عصر الإمبراطورية الهولندية تحوّل الهولنديون إلى التجارة وبنوا شبكات تجارة بعيدة المدى، وكانت الأساطيل البحرية التجارية مسلحة بكثافة، رغم ذلك، تقول المؤلفة إن استخدام الدبلوماسية كان حتميا، وأثمر ذلك عن اتفاقات تعاون مع ملوك المغرب، والعثمانيين الذين حكموا الجزائر وتونس، وتشير الكاتبة كذلك لدعم الهولنديين للمغاربة بالأسلحة للصمود في وجه الحملات الإسبانية والبرتغالية المستمرة على البلاد.

يعود تاريخ العلاقات بين المغرب ومملكة الأراضي المنخفضة (هولندا) إلى سنة 1579م، ووقعت المملكتان المغربية والهولندية أول اتفاقية في لاهاي عام 1610م، بعد أن أرسل حكام المغرب السعديون الذين حكموا بين 1554-1659م، سفراء بداية القرن 17، وبذلك كان المغرب أول دولة تعترف بالمناطق السبع لصالح هولندا.

ويناقش الكتاب كذلك ارتباط العمل الدبلوماسي بتبادل الأسرى والسجناء، وفي زمن حكم العلويين المبكر وبالتحديد في فترة حكم السلطان مولاي إسماعيل الشريف (توفي 1727م)، توطدت العلاقة التي شملت اتفاقية لتبادل الأسرى والسفراء، وتعهد لاحقا السلطان محمد الثالث بن عبد الله (توفي 1790م) بعدم أسر البحارة الهولنديين وحماية سفنهم.

دبلوماسية الهدايا

وفي الفصل الثامن من الكتاب "المدفع هدية"، تستعرض الكاتبة قصة مدافع طنجة المغربية الموجهة باتجاه الشمال نحو جبل طارق على الضفة الأخرى من المضيق، وتعتبر أن هذه المدافع تمثل تذكارا ماديا للطرق الفريدة التي تطورت بها الدبلوماسية في غرب البحر الأبيض المتوسط ​​في القرن 18، إذ مثلت المدافع المهداة، إلى جانب العناصر الفاخرة مثل الديباج والماس وساعات العمل، هدايا هولندية معتادة للمسؤولين المغاربة، بينما رد المسؤولون في شمال أفريقيا بالخيول الأصيلة والأطعمة والسيوف وغيرها من الأشياء الثمينة.

ويناقش الكتاب تطور الدبلوماسية بين العالمين الأوروبي والشمال أفريقي عبر مفاهيم تمثيل الدولة، وصياغة المعاهدات، والفدية والجزية، وتبادل الهدايا، ويعتبر أن واحدة من أعمق تحولات تمثيل الدولة برز في هذه الحقبة عبر شبكة كبيرة من الوكلاء الدبلوماسيين، بالإضافة للسفراء المقيمين، استقرت منذ بداية القرن 18، إذ أوفد المغرب والجزائر وتونس نحو ثمانين وفدا دبلوماسيا مؤقتا للقيام بأعمال تمثيل دبلوماسي بينهم العديد من الكتبة والتجار المسيحيين إلى أوروبا الغربية، التي اعتمدت بالمقابل قرابة أربعين قنصلا ووكلاء ومفوضين لتشكيل علاقتها مع جنوب المتوسط قبل زمن الاستعمار، الذي أسدل الستار على حقبة مهمة من التبادل السلمي.


المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة