"في انتظار البرابرة".. صناعة الخوف والأعداء والخونة في وهم الإمبراطورية

فيلم "في انتظار البرابرة" يقدم تصويرا للحروب المفتعلة والوهمية التي تقوم بها الإمبراطوريات لإظهار القوة وإرهاب الشعوب باسم "حماية الوطن"
فيلم "في انتظار البرابرة" يقدم تصويرا للحروب المفتعلة والوهمية التي تقوم بها الإمبراطوريات لإظهار القوة وإرهاب الشعوب باسم "حماية الوطن"

يتوقع أن يصدر رسميا فيلم "في انتظار البرابرة" في أغسطس/آب من العام الجاري، والذي يمثل تكييفا سينمائيا لقصة الأديب الجنوب-أفريقي الحائز على جائزة نوبل في الأدب وجائزة البوكر مرتين جون ماكسويل كويتزي، حيث كان الفيلم قد عرض في مهرجان فينيسيا للأفلام في سبتمبر/أيلول 2019.

واشتهر كويتزي بشكل خاص بروايته التي اعتبرت واحدة من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين "في انتظار البرابرة"، وقد اقتبس الأديب عنوانها من قصيدة شهيرة للشاعر اليوناني المولود في الإسكندرية قسطنطين كفافيس (1863 – 1933) الذي يقول في ختامها "وصل بعض جنود الحدود وقالوا إنه ما عاد للبرابرة وجود.. والآن ودون البرابرة ما الذي سيحل بنا.. هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول".

يذكر أن الروائي كويتزي قد انتقل للعيش في أستراليا منذ 2002، أي قبل حصوله على جائزة نوبل بعام واحد.

تمثل الرواية مرآة لكشف مكائد الأنظمة القمعية، وتدور حول حياة قاض أرسل لمستوطنة حدودية في أرض "برية" متخيلة، لكنها مع ذلك "تروي قصة عصرنا بطريقة أو أخرى"، وأثنت عليها بشكل خاص لجنة جائزة نوبل ووصفتها بأنها قصة سياسية مثيرة، "حيث تفتح سذاجة المثالية أبواب الرعب".

قسطنطين كفافيس المولود في الإسكندرية عام 1863 يعد واحدا من أعظم شعراء اليونان وعرف بانتقاده الوطنية الشوفينية (مواقع التواصل)

صناعة العدو

في قصة تدور حول نظام تديره مؤسسات ذات طبيعة "وهمية" يكون انتظار البرابرة حدثا ذا جاذبية خاصة في أرض خيالية نائية، حيث يتجاهل السكان المحليون نبرات الحرب المتصاعدة بين البرابرة والإمبراطورية التي يخدمها القاضي ويعيشون حياتهم في عزلة وسلام، قبل أن تتطور الأحداث لتكشف عن حيلة السلطة المتكررة، أي افتعال الأخطار لحشد الناس في حروب ضد أعداء وهميين وغير خطرين.

في أحداث الرواية، لا يُرى البرابرة إلا في موسم معين، يأتون للتجارة ويشربون الخمر ويغادرون، لكن العسكريين الذين بدؤوا حملة وحشية لتعقب البرابرة وأسرهم غيّروا قواعد اللعبة بالكامل، بزعم أن الإمبراطورية مهددة بهجوم البرابرة وأنهم خطر على الأمن والوطن.

أحداث رواية كويتزي "في انتظار البرابرة" تدور في بلدة نائية متخيلة، وتقع ترجمتها العربية في 222 صفحة (الجزيرة)

تعلن الإمبراطورية حالة الطوارئ وينشر "المكتب الثالث" أو القوات الخاصة بالإمبراطورية جنوده بعد انتشار دعاية أن السكان الأصليين -الذين يطلق عليهم برابرة- يستعدون لمهاجمة المدينة، ويبدأ القاضي "المدني" في التساؤل عن شرعية الإمبريالية والحملات الاستعمارية على أراضي السكان الأصليين.

ويقول كويتزي على لسان بطل الرواية "عندما تنطوي الحضارة على فساد الفضائل البربرية وصناعة الناس العالة، قررت أن أعارض الحضارة"، ويحكي القاضي عن تحولاته الفكرية والنفسية في الرواية قائلاً "لقد آمنت طوال حياتي بالسلوك المتحضر، وفي هذه المناسبة، لا أستطيع أن أنكر أن الذاكرة تتركني مشمئزا من نفسي".

ولا يكتفي القاضي بذلك فحسب، بل يقوم برعاية وتمريض فتاة بربرية نجت من التعذيب وأصبحت مشلولة وعمياء بشكل جزئي، ويعيدها لمجتمعها بعد رحلة خطيرة عبر الأراضي القاحلة، لكن ذلك يعرضه للاعتقال والتعذيب والسجن، ورغم هروبه من السجن يكتشف أنه ليس لديه مكان يذهب إليه، ويقضي وقته فقط في البحث عن بقايا الطعام، ويقول "أعتقد حقا أنني لست خائفا من الموت. أعتقد أن ما أتقلص منه هو الخجل من الموت على هذا النحو الغبي والمربك".

حبس المكان

وفي عرضها للرواية بمناسبة قرب صدور الفيلم، اعتبرت مجلة "ذي واير" أن الرواية التي صدرت عام 1980 تقدم دروسا جديدة تفيد في زمن الحجر الصحي والعزلة، إذ يصبح القاضي نفسه ضحية للإمبراطورية التي يعمل موظفا فيها، ويُنظر إليه كصديق لـ "الآخرين" أي البرابرة، ورغم مأساوية القصة فقد كانت مشبعة بالمناظر الطبيعية والبرية الجميلة، مثل الأرض المغطاة بالثلوج والليالي المقمرة، فضلا عن أنها تفتح نوافذ الخيال في ظل الإغلاق الشامل الذي يمر به العالم حاليا حيث يقبع القراء داخل جدران بيوتهم.

وتقول الكاتبة مونوبينا غوبتا في عرضها للرواية إن عصرنا هو الوقت الذي تكتسب فيه لفظة "حبس" قلقا وصورا متعددة، بدءًا من الإغلاق الناجم عن الجائحة، للخوف من العدوى في الأماكن المزدحمة، والإلقاء بالمعارضين السياسيين خلف القبضان بسبب آرائهم، والطوارئ الصحية والسياسية المستمرة.

ويستخدم الكاتب عبارات وعظية وأخلاقية مؤثرة لكنها ليست منزوعة عن سياقها الدرامي، ويعترف على لسان شخصياته بأن "مشاهد القسوة تفسد قلوب الأبرياء" وأن المعاناة تكون من نصيب المظلومين لكن الخزي يكون من نصيب المتفرجين.

وتعتبر غوبتا أن "انتظار البرابرة" هو تصوير مزعج للتواطؤ الذي يجعل فكرة العدالة غير ممكنة، مع تحول القضاء إلى عرض مصمم لإعادة إنتاج الأقوياء، وتشير إلى أنه ليس كل المتعاونين مع السلطات الاستبدادية لديهم الدافع ذاته فبعضهم يهدف لمجرد البقاء، وهو ما يعيد للأذهان رواية الأديب الكشميري البريطاني ميرزا ​​وحيد "المتعاون" التي تدور أحداثها في موطنه الأصلي "كشمير".

بطل رواية ميرزا  يعيش وحيدا في قرية حدودية منسية بجوار خط الفاصل بين النفوذ الهندي والباكستاني في كشمير (الجزيرة)

يعمل "المتعاون" البالغ من العمر 19 عامًا مع أحد قادة الجيش الهندي، ووظيفته هي جمع بطاقات الهوية والأسلحة الموضوعة حول الجثث في الوادي.

وتثير رواية ميرزا بدورها عدة أسئلة حول طاعة السلطات والتعاون الذي فرضه نظام فاسد، مثل "لماذا أجبر الشاب على أن يصبح متعاونًا، وإلى متى يمكن أن يستمر في العمل مع قائد مخمور يفتخر بقتل الأولاد الكشميريين؟"، ومع ذلك فهناك "متعاونون آخرون" مثل الذين ينضمون إلى المؤسسة الإمبراطورية بدافع الطموح وغياب الالتزام الأخلاقي.

وفي ظل هذه الخلفية يرسم قاضي البلدة النائية في رواية كويتزي مسارا مختلفا، مدفوعا بصحوة أخلاقية وعواطف إنسانية مثل الرحمة والإنصاف، وينتهي صراع الضمير في داخله، قبل أن تسدل أحداث الطبيعة ستار النهاية بتدخل غير بشري وغير متوقع، ليفرّ الجنود والعسكر ويعود القاضي ليمارس عمله في بلدة لا تعرف هل تنعم بالنسيان والحياة على الهامش، أو تشقى بحيلة وحملة جديدة من الإمبراطورية؟!

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

فازت رواية "الديوان الإسبرطي" للكاتب الجزائري الشاب عبد الوهاب عيساوي بالجائزة العالمية للرواية العربية 2020 في دورتها الـ13، وتحكي الرواية عن الجزائر في زمن الاحتلال الفرنسي وحياة الناس العاديين بالعاصمة.

المزيد من أدب ولغة
الأكثر قراءة