هل يفتقر البشر إلى الخيال؟ استعارة "الحرب" ومساوئها لوصف التعامل مع وباء كورونا

تستخدم لغة الحرب والقتال العسكرية على نطاق واسع لوصف التعامل مع جائحة كورونا، ويرى البعض أن لذلك تداعيات سلبية في فهم المرض (مواقع إلكترونية)
تستخدم لغة الحرب والقتال العسكرية على نطاق واسع لوصف التعامل مع جائحة كورونا، ويرى البعض أن لذلك تداعيات سلبية في فهم المرض (مواقع إلكترونية)

منذ اندلاع جائحة كورونا، لم يتوقف قادة العالم عن استعارة تعبير "الحرب" لوصف سياسات التعامل مع انتشار الفيروس المستجد، وأصبحت لغة الجائحة عسكرية للغاية، فنحن "نحارب" الفيروس، ولدى أجسامنا آليات "دفاع" ضد مسببات الأمراض التي "تغزوها".

وإذ  تبدو الاستعارة المجازية لا مفر منها للتعبير عن عدم كفاية المعنى المباشر حتى لو كانت الحرب ضد عدو غير مرئي، يقول باحثون في اللغة إن استخدام استعارات الحرب يشبه النبوءة الذاتية التحقق، أي أن شيوعها قد يجلب أعباء الحرب إلى الواقع، كما أن استخدام لغة القتال والحرب عند التفكير في المرض يمكن أن يقفز على الدروس المستفادة منه والمشاكل الهيكلية العميقة التي كشفتها الجائحة.

ومع ذلك، لم يتوقف القادة السياسيون عن استخدام استعارات الحرب؛ ففي البدء تعهد رئيس الصين شي جين بينغ بشن "حرب شعبية" على الفيروس، وتوالت الاستجابة مع انتقال الجائحة لأوروبا إذ أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن البلاد في حالة حرب مع "عدو غير مرئي بعيد المنال".

وقال المفوض الإيطالي الخاص لحالات الطوارئ الناجمة عن الفيروس التاجي إن على البلاد أن تجهز نفسها لـ"اقتصاد حرب"، واعتبر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أن معركة مواطنيه مع الجائحة "تم فيها تجنيد كل مواطن". وفي الولايات المتحدة وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بكونه "رئيسا في زمن الحرب"، وفي مصر أطلق الإعلام تعبير "جيش مصر الأبيض" لوصف الأطباء الذين يتعاملون مع المرض.

لغة الحرب

ويرى بعض الكتّاب أن استعارة "الحرب" في وصف سياسات التعامل مع جائحة كورونا، يمكن أن يتسبب في وصم المرضى الذين لا يستطيعون محاربة هذه الجائحة، وتوجيه لوم ضمني لهم، كما أنها تؤثر على طريقة تفكيرنا وتجعل وفيات الجائحة مجرد أضرار جانبية للحرب القتالية، كما أن لفظة الحرب توحي بالعدوان وتغوّل السلطة ولا تعبر عن مفاهيم الرعاية التي ينبغي أن تشيع في زمن الجائحة.

وفي مقالها بصحيفة ذا أتلانتك الأميركية، اعتبرت الكاتبة ياسمين سرحان أن استدعاء المفاهيم العسكرية للتعبير عن الحاجة لتدخل الدولة والتضحية الشخصية غير المعتادة في زمن السلم، يشكل خطورة إضافية تفاقم من أزمة الصحة العامة.

وترى ياسمين أن ذلك قد يسبب الخوف والذعر أيضا، ويمكن أن يتسبب في سلوكيات من قبيل إخلاء رفوف المتاجر وتخزين المنتجات الغذائية والزيادة الكبيرة في مبيعات الأسلحة النارية للمواطنين.

وتعتبر أنه إذا كان الهدف من مثل هذه الاستعارة إجبار الجمهور على التصرف من أجل المصلحة الوطنية، فإن تأطير هذه الأزمة من منظور الحرب قد يحقق عكس ذلك تماما، ففي هذه "الحرب" -بعد كل شيء- لا يُطلب من معظم الناس التعبئة، بل يطلب منهم البقاء في المنزل.

وتلاحظ الكاتبة أن آخر مرة واجه فيها العالم جائحة بهذا الحجم كان ذلك في منتصف حرب فعلية، إذ ظهرت الإنفلونزا الإسبانية خلال الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، قبل أن تنتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم، مما أصاب ثلث سكان العالم وقتل عشرات الملايين من الناس.

وعلى عكس الوباء الحالي، لم يكن استدعاء استعارات زمن الحرب ضروريا لتحفيز العمل ضد الإنفلونزا الإسبانية. وتنقل ياسمين عن المؤرخ الطبي مارك هونيغسباوم مؤلف كتاب "جائحة القرن"، أنه في تلك المرحلة من الحرب "كان الجميع بالفعل يقدمون كل هذه التضحيات"، مشيرا إلى أن العديد من البلدان قد توحدت بالفعل ضد عدو مشترك، هو ألمانيا، "قبل أن يأتي هذا العدو غير المرئي، أي الإنفلونزا الإسبانية".

كما أن الحرب بطبيعتها تسبب الخلاف والنزاع، وهذا ليس مفيدا بشكل خاص في خضم أزمة تتطلب تعاونا عالميا، وقد بدأت هذه الانقسامات تؤثر بالفعل على الناس، وعلى الأخص مع ارتفاع الكراهية ضد مجتمعات شرق آسيا والذين يُعتقد أنهم حاملون للفيروس.

استعارات بديلة

وفي مقالها "الأوبئة ليست حروبا"، تنقل الناقدة والصحفية أليسا ويلكنسون عن الكاتبة سوزان سونتاغ ملاحظتها للاستعارات المقتبسة من الحرب العسكرية في التعامل مع مرض السرطان في السبعينيات من القرن الماضي، وتدلل بأمثلة من قبيل "غزو" الخلايا السرطانية، و"استعمار" و"اختراق" و"بؤر استيطانية"، وحتى تعبير "النصر الوشيك على السرطان" وغيرها؛ وتلاحظ أن الأطباء يستخدمون لغة الضباط العسكريين في التعامل مع هذه الأمراض.

ورغم أن من غير المتوقع ان يتوقف الناس عن استخدام استعارات الحرب لوصف الجائحة في الوقت القريب، فإن الكاتبة الأميركية تحاول التفكير في استعارات أخرى بديلة بعيدا عن لغة الحرب والقتال، مثل التفكير في تقديم الشفاء كرحلة أو مجرى نهر، وهو ما يذكرنا بمرور الوقت وتشابه تجارب كل من يشرع في نفس الرحلة أو يتبع نفس المسار، كما أن الرحلات تنطوي على رسم خرائط الطريق، وتبقى الأنهار عادة في مجاريها ومساراتها، مما يعني أنه يمكن توقع مسارها رغم العقبات ودون وصم المرضى.

وتفكر الكاتبة أيضا في استعارة بديلة تدور حول أوركسترا أو سيمفونية مبنية على فكرة أن الاستجابة للوباء تتطلب من كل شخص أن يكون جاهزا للقيام بدوره وتنسيق الاستجابة الجماعية، بدلا من النظر إلى الذات والآخر فقط كما توحي استعارة الحرب التي تقول الكاتبة إنها تقلل من تعقيد المشكلة وتركز فقط على "ضربات الفيروس"، من دون النظر في العوامل التي سهلت انتشار الجائحة مثل قضايا البيئة وغياب العدالة الاجتماعية.

وتتابع "بدلا من التفكير في هذا الوباء على أنه حرب: البشر مقابل الفيروس، ماذا لو أعدنا التفكير في تخيل هدفنا على أنه إيجاد التوازن ليس فقط في العالم الطبيعي، ولكن في عالمنا الاجتماعي والثقافي أيضا".

وفي الحقيقة، لا مفر من الاستعارات البلاغية، وسيستمر البشر في استخدامها لتخيل العالم، لأن أدمغتنا تميل لهذه الطريقة في العمل، لكن الخيال البشري يجدر به التفكير بمجازات واستعارات جديدة بغض النظر عما يفضله القادة السياسيون.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

بالنظر لأحداث القرن الماضي وأحداث تفشي الطاعون والأوبئة في أماكن وأزمنة مختلفة، يبدو الترابط بين الوباء والتغيرات الاجتماعية الكبرى ظاهرة متكررة، ولا يتوقع أن تكون جائحة كورونا الحالية استثناءً.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة