"العودة لطبيعتنا" والعلوم السريعة وجدل الحرية والسلطة.. مراجعات أخلاقية غربية في عصر كورونا

يشعر كثير من الأوروبيين بالحنين لعالم ما قبل كورونا بينما يقول آخرون إن "الحالة الطبيعية" لم تكن صالحة للاستمرار (غيتي)
يشعر كثير من الأوروبيين بالحنين لعالم ما قبل كورونا بينما يقول آخرون إن "الحالة الطبيعية" لم تكن صالحة للاستمرار (غيتي)

يعيش سكان العالم في زمن جائحة كورونا أوقاتا غير معتادة من عدم اليقين بالمستقبل. وبينما يشعر كثيرون بالحنين لحياتهم "الطبيعية" السابقة، يقول آخرون إن المشكلة كانت في الحياة المعتادة ذاتها التي حملت معها معضلات أخلاقية بينها الظلم الهيكلي والاستهلاك غير المسؤول. 

وأمضى فلاسفة ومفكرون غربيون فترات الحجر المنزلي في كتابة مراجعات فكرية ونقد ذاتي لأنماط الحياة السائدة في العالم الحديث، وقالت رئيسة الأكاديمية البريطانية أونورا أونيل إن ما يجري حاليا يذكرها بأحاديث الكبار القديمة في بريطانيا وأيرلندا عن عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث كان كل شيء أفضل وأرخص؛ لكن في الحقيقة كانت ثلاثينيات القرن الماضي فترة من التوتر والخوف والفقر بالنسبة لعديد من البلدان. 

العودة لطبيعتنا
وتعتبر أنويل -الأستاذة الفلسفة الفخرية بجامعة كامبريدج- أن الحنين للماضي القريب يجعلنا نفكر في أحوالنا "الطبيعية" ذاتها، فمنذ نهاية الحرب الباردة تغير بشكل كبير ما أصبح ينظر إليه على أنه طبيعي، وغيرت العولمة والتقنيات الرقمية حياتنا.

وشهدت العقود الثلاث الماضية زيادات كبيرة في عدد السكان، واقترن الرخاء مع عدم المساواة الاقتصادية الشديدة، ودعمت انبعاثات الكربون المتزايدة أساليب الحياة غير المستدامة، واعتمد العالم المتقدم على سلاسل التوريد التي تشتمل على موردين بعيدين.

ووجد الناس أنفسهم قادرين على التنقل بسرعة ولمسافات بعيدة، وجلبت التقنيات الرقمية تواصلا فوريا مع الأحداث البعيدة، ومعها الاعتماد على الموردين البعيدين والمجهولين غالبا، والتعرض لمعلومات مضللة غير قابلة للتقييم و"مؤثرين" مجهولين.

وتقول أنويل إن الحياة التي اعتدناها قبل الجائحة مبهجة من بعض النواحي، "لكنها -كما نعلم الآن- هشة في جوانب أخرى"، وأثبتت الجائحة أن الهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي اعتمد عليها سكان البلدان المتقدمة، ضعيفة ويمكن أن تفشل مرة أخرى، بحسب مقالها لصحيفة إيريش تايمز الأيرلندية.

معضلات أخلاقية
وفي مقابل رؤية الأكاديمية البريطانية، يرى ثلاثة من فلاسفة جامعة روتشستر بنيويورك أن الأزمة الحالية بمثابة جرس إنذار للمستقبل، ويستكشفون المعضلات الأخلاقية التي تطرحها من عدم المساواة الطويل الأمد وإخفاق العدالة الاجتماعية.

ويرى راندال كورين -وهو أحد الأكاديميين الثلاثة- أن أول واجب على الحكومات هو الاستعداد لحماية الحقوق والمصالح من التهديدات المعروفة، وهذا يشمل توفير شبكة أمان اجتماعي كافية.

ويعتبر كورين أنه بينما كان خطر الوباء الذي يمكن أن يقتل الملايين من البشر قائما لسنوات عديدة، ظل النظام الفدرالي الأميركي يركز بشكل مهووس على التهديدات الإرهابية، بحسب موقع الجامعة الأميركية.

ويناقش كورين فكرة سلاسل الإمداد من منظور أنثروبولوجي، ويقول "أنشأنا نظاما اجتماعيا معقدا ومترابطا للغاية. لقد حققنا مستوى غير مسبوق من الثراء الجماعي من خلال التخصص، وأصبحنا جيدين جدا في مهام محددة وأن نكون أنواعا محددة (متخصصة) من العمال".

ويستدرك كورين بأن المثير للدهشة في هذا النظام المعقد هو أن الأشخاص الأكثر استفادة من نظام التخصص والاعتماد المتبادل المعقد هذا، يتصورون أنهم مكتفون ذاتيا ولا يدينون بأي شيء لنظام اجتماعي يبدو ضعيفا، لكنهم بحاجة للمساعدة في الوقت الحالي، متسائلا "مَن أكثر ضعفا في هذا المجتمع من العمال الزراعيين الذين تعتمد عليهم حياتنا؟".

العلم السريع
وفي جانب آخر من التحليل الفلسفي لعالم الجائحة، كتب جاكوب ستيجينجا -وهو أكاديمي في قسم التاريخ وفلسفة العلوم في جامعة كامبريدج- مقالا عن "العلوم السريعة" التي تنتشر في زمن الجائحة على هيئة قصاصات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

وينتقد ستيجينجا الثقة المفرطة بين صانعي السياسات وعلماء الأوبئة، ويشير إلى أن المواقف العلمية من الجائحة يتم تسييسها بينما تنشر العديد من الخلاصات العلمية دون مراجعة الأقران، لتؤثر على التفكير الشعبي والسياسات العامة، بحسب مقاله في مجلة الجمعية البريطانية للفلسفة والعلوم.

ويقول الأكاديمي البريطاني إن الطب حاليا تحول إلى ما يشبه الفلسفة (وليس ممارسة طبية)، مذكرا بأنه يمكن استخدام المبادئ الاحترازية والإجراءات الاحتياطية لتبرير أفعال غير إنسانية، مثلما حدث في سياق الحرب على الإرهاب.

ويلاحظ الباحث البريطاني أنه يجري استغلال الخطاب العلمي لإسكات الناقدين وللدفاع عن مواقف منافية للمنطق، مثلما جرى مع الترويج لعقار هيدروكسي كلوروكين لعلاج كورونا بطريقة شعبية غير مدروسة، وهو مثال مهم على "العلوم السريعة" كما يسميها.

سلطة الدولة
وفتحت أحداث الجائحة الباب واسعا أمام جملة من القضايا المرتبطة بتدخل الدول في الحياة الخاصة لمواطنيها، عندما يكون الهدف حمايتهم من المرض، وتقول أليخاندرا مانسيلا -الأستاذة المشاركة في الفلسفة السياسية بجامعة أوسلو- إن هذه الأسئلة تنبني على تصور المرء لدور الحكومة.

وتقول: "حتى إذا تم اتخاذ إجراءات استثنائية، فسيتم اتخاذها لأن الناس قد سمحوا لهم بهذا النوع من المواقف"، ومع ذلك، يتألف "الشعب" من عدد لا يحصى من الأفراد ذوي الآراء المختلفة؛ لذا فإن التقليد الليبرالي سرعان ما سيواجه مشاكل في أزمات كهذه، حيث لن تفي السلطة أبدا بإرادة الجميع، وحيث يمكن للمعارضين تحييد وحتى العمل ضد إجراءات الحكومة".

في المقابل، يرى التقليد الكونفوشيوسي أن الحاكم شخصية شبيهة بالأب، والمحكومين أشبه بالأطفال الذين يدينون له بالطاعة والاحترام، وهو ما يسهل اتخاذ قرارات استثنائية، بحسب تقرير مجلة علوم النرويج بالشراكة مع جامعة أوسلو. 

وأثار نقاش في الجامعة النرويجية الجدل حول ما يسمى "حكم الخبراء"، وانتقد أكاديميون الفكرة بالقول إن تعليق الحريات الأساسية -مثل حرية الحركة- جرى استنادا لمشورة الخبراء، وكذلك حدثت تغييرات سياسية ضخمة من دون عملية صنع القرار الديمقراطية المعتادة.

وتساءل سيباستيان واتزل مدير مركز الفلسفة والعلوم بالجامعة: "ماذا لو اختلف الخبراء؟ من هم الخبراء ذوو الصلة؟ علماء الأوبئة فقط، أم الاقتصاديون أم الأشخاص الذين يعملون في مجال التعليم أم مواضيع أخرى؟ وماذا لو لم يتفق معظم الناس مع الخبراء؟".

ويستشهد واتزل بمثال حي هو قرار إعادة فتح المدارس، ويقول "في مرحلة ما، توصل الخبراء الألمان والنرويجيون إلى استنتاجات مختلفة حول دور الأطفال في نشر الفيروس"، وكان لمجموعتين من الخبراء من البلدين أدلة مختلفة تماما.

وفقا لأليخاندرا مانسيلا، تصبح الفلسفة ذات صلة وثيقة بحالات الأزمات لأن العلاقة بين الناس وقوة الدولة تخضع للاختبار، وترى أنها تسلط الضوء على المشكلات التي لم يتم اعتبارها مشكلات من قبل، أو يمكن أن تقوم بتذكيرنا بالمشكلات الجديدة "التي لا تعد جديدة حقا".

وكتب فيلسوف القرن التاسع عشر جون ستيوارت ميل مدافعا عن مبدأ الضرر باعتباره المبرر الوحيد لتدخل الدولة في الحياة الخاصة للمواطنين، لكن تعريفه للضرر كان غامضا ومتقادما، ويبدو غير فعال في زمن كورونا.

وفي السبعينيات، طوّر الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو نظريته حول الحكومة، حيث يكون حكم أجساد وصحة المواطن أمرا محوريا، ويقول واتزل إن ما كتبه فوكو عن السياسة الحيوية "يتحدث عن الوضع الذي نحن فيه اليوم".

ويختم واتزل بقوله "تقوم الحكومات باستخدام تكنولوجيات المراقبة والسيطرة على جميع السكان مع التذرع بالصالح العام. إن سلطة السيطرة على أجسام المواطنين شيء لا نميل إلى التفكير فيه في ظل الظروف العادية، ولكنه ظهر مرة أخرى بفضل الجائحة".

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة