رمضان في السودان.. "الحلومر" وإفطار الطريق تحت وطأة كورونا

السودانيون في رمضان يحيون عادة إفطار الطريق لكن في زمن جائحة كورونا يخشى كثيرون من عدم استمرارها (الفرنسية)
السودانيون في رمضان يحيون عادة إفطار الطريق لكن في زمن جائحة كورونا يخشى كثيرون من عدم استمرارها (الفرنسية)

عماد محمد بابكر-الخرطوم

رغم كونه شهرًا للتعبد، فإن شهر رمضان الكريم عامر بالعادات والتقاليد والموروثات الثقافية التي تختلف باختلاف الشعوب الإسلامية.

لكن رمضان هذا العام تحت ظلال كورونا سيختلف دون شك عما قبله، لكن إلى أي مدى أثرت كورونا وما الملامح الأبرز لرمضان في السودان؟

إعداد مبكر
إن سألت سودانيًّا عن أشهر ما يميز المائدة الرمضانية في السودان فسيهنئك بدخول الشهر قائلًا رمضان كريم، ثم يُجيب "الحلومر".

الاسم ذو المقطعين لا يتذوق من يشربه المقطع الثاني فهو مشروب حلو يستمتع به الصائمون، لكن السيدات اللائي يقمن بإعداده وأرباب الأسر الذين يجلبون مكوناته يشعرون بمرارته مع ارتفاع الأسعار وضغط الواقع المحلي.

والحلومر أو (الآبري الأحمر) رقائق من الذرة الحمراء ذات سماكة متوسطة يتطلب إعدادها أيامًا وقد يصل إلى أسبوع، وتخضع لعمليات كثيرة إذ يضاف إلى الذرة بعد إنباتها (الزرِّيعة) عدد من التوابل والثمار (تمر، زنجبيل، قرفة، كركدي، عرديب، كمُّون، وحبة البركة) وتختلف مقاديرها، وأنواعها من سيدة لأخرى، وتنشط الأسر في إعدادها قبل أربعة أشهر إلى شهرين.

يقول البروفيسور محمد المهدي بشرى أستاذ الفلكلور بجامعة الخرطوم للجزيرة نت، إن المشروب السوداني الفريد هو أول مظاهر الاستعداد للشهر الكريم، وهو من أهم ما يميز شهر رمضان في السودان.

ويضيف أن ارتباط السودانيين بهذا المشروب اتخذ منحى وجدانيا، لافتا إلى وجود مشروبات أخرى مثل (الآبري الأبيض) و(الرقاق) الذي يُتسحَّر به بعد أن يضاف له الحليب، فضلا عن المشروبات التي لا تقتصر على السُّودانيين، مثل العرديب والكركدي والتبلدي، كما أن هناك أطعمة تشكل المائدة الرمضانية مثل العصيدة والمديدة، لكنها لا تقتصر على رمضان.

والحلومر على كونه مشروبًا رمضانيًّا إلا أن له استعمالًا آخر في الموروث السُّوداني ففي كتاب (كرري) الذي وثَّق فيه المؤرخ الرائد عصمت حسن زلفو لمعركة كرري بين قوات المهدية والقوات البريطانية الغازية، تحدث زلفو عن مؤونة جيش المهدي فقال "العنصر الغالب المكون للطعام كان الذرة، وقد تفاوتت طرق تقديمه. بين تقديمه مسلوقًا كبليلة أو كعصيدة أو (كآبري) والآبري كان يستخدم بكثرة لسهولة حمله، ويقدم مع الشطة والملح مبلولًا كأكل وليس كمشروب".

ويستطرد بشرى موافقا ويقول "كان الآبري الأحمر مما يتزود به السُّودانيون في أسفارهم، وبشكل أخص في رحلة الحج أيام القوافل، إذ كانت الرحلة تتعدى الثلاثة أشهر". 

وبسؤاله عن بداية صناعة الحلومر (الآبري الأحمر) يستأنس بشرى برأي أستاذه ضرار صالح ضرار الذي يربط بين المشروب الشعبي ودخول الإسلام للسودان، إذ استفاد السودانيون الذي أسلموا حينها من معرفتهم بالتخمير في صناعة مشروبات محلية بعد مرحلة استزراع الذرة في صناعة الحلومر. 

ومهما يكن من تاريخ البداية فالحلومر مشروب حرمت الكورونا السُّودانيين في المهاجر منه إذ كانت العائلات ترسله لبنيها في العواصم المختلفة، ولكنه صار غير متاح مع توقف حركة الطيران بفعل الفيروس المستجد.

الإفطار خارج الدار
يكاد أغلب السُّودانيين يتناولون إفطار رمضان خارج الدار في الأزقة والطرق والميادين، وربما يشكل سكان بعض الأحياء في العاصمة وكبريات المدن استثناءً في ذلك، لكن نسبتهم لا تكاد تذكر.

ويفعل السودانيون ذلك تعميقا للصِّلات بين الجيران وتصيدًا لعابري السبيل، ومن وقف الوقت عائقا بينه وبين الوصول إلى منزله. كما تنتشر مجموعات في التقاطعات والدوارات لتوزيع التمر والمياه لأصحاب المركبات.

وتتجاوز الجلساتُ الإفطارَ أنسًا وتواصلًا بين الجيران في المكان ذاته (البِرِشْ) ويتساقون القهوة والشاي ويتناولون الحلويات.. والبِرِشْ كما جاء في المعجم الوسيط (حَصيرٌ صَغيرٌ من سعف النَّخْل، يُجلَس عليه) وقد ينسج من سعف الدوم أيضًا، غير أن استعماله صار مجازيًا بعد أن حل السجاد البلاستيكي مكانه. لكن قانون الطوارئ الصحية، والاحترازات القاضية بمنع التجمعات ستقضي بطي البرش السُّوداني هذا العام حفاظًا على صحة أهله. 

ويرى مهتمون أن عادة الإفطار أمام المنازل وفي الساحات هي السمة الأبرز لرمضان السُّوداني، ما جعل عددًا من الأجانب المقيمين بالسُّودان يتشاركونها مع المواطنين في دلالة على تفاعلهم مع الموروث الثقافي للمجتمع.

نزاع على الضيوف
يستغل أهل المدن والقرى التي تطل على الطرق السَّفرية موقعهم الجغرافي في إقامة المآدب الكبيرة، فعند اقتراب موعد الإفطار يتجه المواطنون إلى الطريق العام طالبين التوقف من السَّائقين بالتلويح بالأيدي وأحيانًا قطع الطريق أمام المسافرين بالتوقف أمامهم وسط الطريق، أو ربط العمائم لجلعها أشبه بالحاجز المروري.

لكن الأمر هذا العام في طريقه للتغير، ففي قرية (أم دَقَرْسِي) (حوالي 100 كلم جنوب الخرطوم)  الواقعة على الطريق الواصل بين العاصمة الخرطوم ومدينة ود مدني، يصف الصّحفي محمد العبيد، موجة من الحزن تعتري مواطنيها، بعد قرار الطوارئ القاضي بإغلاق ولاية الخرطوم، وما يترتب عليه من قلة حركة المركبات.

ويقول العبيد للجزيرة نت "غابت مظاهر النفير والاستعداد القَبْلي لإعداد الموائد الرمضانية لوفادة المارين، والتي كان أهل القرية يستعدون لها منذ وقت مبكر، بوضع التجهيزات العينية من سكر ودقيق في منزل الحاجة (إلهام) القريب من الطريق، فيما يجلب البعض موائدهم من بيوتهم".

ويواصل محمد وصفه للمشهد وكيفية توزيع المهام وما يعنيه الأمر لسكان القرية، مستشهدًا بقصة دونت في محاضر الشرطة "في عام 2017، تنازع حيَّان من القرية في ضيوف الطريق، ذلك أن أحد الحيين أقرب للطريق ما يجعلهم يستحوذون على النصيب الأكبر من الضيوف، وبعد نقاش حاد كاد يتطور لغير ذلك دون بلاغ في الشرطة. ثم حلَّ الأمر أهليًّا باشتراك أهل الحيين في مائدة واحدة".

ويختم العبيد إفادته بالقول "رغم معرفتهم بالظرف الراهن وبمنع السفر بين الولايات، فإن أهالي المنطقة لا يستطيعون التوقف عن هذه العادة".

التراويح والمسحراتي
مع اقتراب الشهر الفضيل تنظف المساجد وتهيأ للموسم، ويكثر فاعلو الخير الذين يتبرعون بعمارتها، لكن الأمر القاضي بتعليق الجمع والجماعات بالمساجد حرم الصائمين من فضل صلاة التراويح في جماعة، فيما يأمل المواطنون أن يرفع الله عنهم البلاء، وأن يعودوا للجمع والجماعات، خاصة أن الإغلاق في الخرطوم يطال الأسبوعين الأولين فقط من رمضان إن لم يمدد.

وقد برز في الأعوام الأخيرة قَصد بعض المساجد بعينها للصَّلاة فيها من غير أهل الحي، ويعلق الباحث في "السُّودانيات" الدكتور خالد محمد فرح على ذلك قائلًا "هذا من فولكلور المدينة. التوجه لصلاة التراويح في مسجد معين لاستعذاب تلاوة إمامه، ويكون الأمر ملحوظًا في صلاة التهجد في العشر الأواخر".

وتختتم ليلة رمضان السَّاهرة بأصوات المسحِّراتية (جمع مسحراتي) والذين هم في الغالب شباب الحي وصبيانه، ورغم قلة الحاجة لهم باختلاف نظام الحياة والنزوع للسَّهر، فإنهم ما زالوا يجوبون أحياءهم. 

ويصف البروفيسور بشرى المسحراتية بالتنوع قائلا "يختلفون من حي لآخر، فبعضهم يقرع الصَّفيح، أو الطبول الصغيرة، وبعضهم بالطبل الكبير(النّوبة)، مرددين أهازيج معروفة. وقد يدخل بعض الظرفاء اسم صاحب الدار التي يمرون بها في أهزوجتهم".

الرَّحْمَتَات
"الرحمتات وليمة تقام خلال رمضان للموتى، وهي عادة سودانية قديمة، بدأت في الاضمحلال خاصة في المدن الكبرى".

يواصل الدكتور خالد فرح إفادته للجزيرة نت قائلاً إن الرحمتات "تكون في الجمعة اليتيمة من رمضان، أي الأخيرة منه، وهي عبارة عن طعام يقدم صدقة على أرواح من مات خلال العام المعني، وغالبًا ما تكون من الفتة والرز (الأرز) واللحم (الثريد)" وما يميز الرحمتات ما يتغنى به الأطفال وهم يطوفون البيوت لتناول الوجبة (الحارة) الساخنة المعدة لهم ومن ذلك:

الحارَّة ما مَرَقتْ

سِتَّ الدّوكة ما وقعَتْ

قشَّاية قشَّاية

سِتَّ الدّوكة نسَّاية

كِبريتة كِبريتة

سِتَّ الدّوكة عِفْريتة

ليمُونة ليمُونة

سِتَّ الدّوكة مجنُونة

و(الدّوكة) صاج يصنع عليه أصناف من الطعام. و(القشَّاية تصغير قشة) هذه الأهزوجة وغيرها كان يرددها الأطفال، مصحوبة بإيقاع من علب الحديد الصغيرة التي يوضع في داخلها صغير الحصى، أو نوى التمر.

على أن هذه الأهازيج بدأت تنحسر شيئًا فشيئًا، لكن تقديم الطعام تصدقًا على أرواح الموتى ما زال باقيًا. ويبقى السؤال ما الذي سيظل صامدا من كل تلك الملامح في عصر الكورونا؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة