عزاءات الشعر والمواجهة مع الذات.. أدباء عرب يكتبون عذاباتهم من الحجر المنزلي

لوحة للروائي الروسي والكاتب المسرحي إيفنجيني شيريكوف يكتب نصا أدبيا في عزلته (ويكي كومنز)
لوحة للروائي الروسي والكاتب المسرحي إيفنجيني شيريكوف يكتب نصا أدبيا في عزلته (ويكي كومنز)

صدام أبو مازن-صنعاء

بينما يستمر العالم في مواجهة وباء كورونا، الذي يجتاح بلدانا كثيرة مقتربا من تسجيل مليون حالة إصابة ووفاة حتى الآن، لم يجد الأدباء والكتاب العرب بُدًّا من البقاء في منازلهم، لكنهم ينفذون من الحجر المنزلي بمنشوراتهم وقصائدهم وتدوينات يومياتهم، عندما يواجهون كابوسا مرعبا بالكلمات. ولا سلاح لهم سوى الكتابة.

الجزيرة نت، رصدت قصائد وقصصا وعذابات ومفارقات، تخطّت الحجر المنزلي إلى الفضاء التفاعلي.

كُرسيّ من الإسمنت
بسبب الحجر المنزلي، تضاعفت حالة القلق لدى الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار، مما دفعه لتشبيه القلق بـ"كرسيّ من الإسمنت"، بينما يجلس لأيام يعد الساعات في البيت، كما لو أنه في شارع مهجور لا نديم فيه سوى الصمت. 

قُم أيها البطل
الشاعر العراقي والباحث في علم الأديان خزعل الماجدي نشر صورة لأحد الأطباء ممن يواجهون كورونا في الميدان، يأخذ استراحة قصيرة في ممر بمستشفى محنيا رأسه من التعب والإرهاق، وكتب معلقا: الآن وقد مضى الجميع إلى بيوتهم.. أغلقت المساجد والكنائس والمعابد أبوابها.. وهرب السحرة بأبخرتهم.. وهرب المعوّذون بطاساتهم، ولم تعد هناك خطب جمعةٍ ولا فتاوى.. وضع الشاعر رأسه في دخان سيجارته.. وانزوى الفنان في مرسمه.. وحسب الصيرفي أرباحه وخساراته.. وأغلق السياسي مكتب لصوصيته وكذبه.. بقيت وحدكّ يا صاحبي.. أيها الطبيب والممرض والمسعف، لا تخفض رأسك هكذا أيها العظيم".

رحلة في شوارع خالية
من منعزله في الحجر المنزلي، يواصل الشاعر والمترجم العراقي المقيم بلندن عبد الكريم كاصد تدوين كتابات ونصوص من بينها نص بعنوان "رحلة اضطرارية في شوارع خالية":

من اليمن إلى ايطاليا
الشاعر اليمني المقيم بالمغرب أحمد الفلاحي يكتب عن بلده اليمن، تحت وطأة حرب دخلت عامها السادس، ويقول "لقد تأخرت كثيرا أيها الفيروس/ دعنا نكون أصدقاء وننخر الحرب/ ومعها نلعق أطراف الموت/ دعنا نمر في الفيافي وعلى طريق البخور/ نهدهد المهد/ ونستل الروابي/ ثم نؤوي إلى بلاد لا تخاف العطس/ تخاف فقط من لهيب الجوع". وهنا تعبير عن حالة الجوع والمرض والبؤس التي يعيشها اليمنيون منذ سنوات.

بروح شاعر كونيّ، يكتب أحمد الفلاحي، في سياق نص آخر له نشره على فيسبوك، بعنوان "إيطاليا.. تضامني القلبي معك": أسافر كالآخرين لكني أحملك معي/ الليلة التي قضيتها في (أكي تيرمي)/ ظلك على الساعةِ الكبيرة في الجوار/ وأطيافك تترامى على الكنيسة/ المقابلة لنافذتي/ أُمازح نومي قليلاً بأنفاسك/ وأخبر أشجار الزينة بمدى توجسي من سهرك الليلي/ في الصباح أتركُ الناقوس يرددها ثلاثاً:/ أشتاقك../ ونرحل باتجاه الشمال/ تلك المدينة التي تحبها تماما كما سأفعل/ ولأني أعرف شغفك بالفن/ أذهب مباشرة إلى (ساحة مايكل أنجلو)/ أُريك المدينة كما لو أنك معي/ نرسمُ تلك القُبلات الضاحكة كلما التقطنا (سيلفي) معًا".

مواجهة مع الذات
يكتب الشاعر المغربي صالح لبريني حزمة منشورات على فيسبوك، يدون فيها الكثير مما لم يكن في حسبانه أنه سيكتبه قبل مجيء كورونا. يذهب لبريني إلى القول إن أمورا شتى ستتغيّر في الكائن البشري، بعد العودة إلى الذات التي كان بعيدا عنها بعِلّة الحياة المعاصرة، عندما هيمنت على حياة الناس الاهتمام بالكماليات، وبالتالي "ذيوع ثقافة وقيم الضحالة". كما يحذر لبريني من أن "كوفيد-19 سيكون بمثابة الصعقة الكهربائية التي تربك كل الحسابات لدى الدول العظمى على وجه الخصوص".

‪‬ يرى الشاعر المغربي صالح لبريني أن جائحة كورونا ستربك حسابات الدول الكبرى(مواقع التواصل الاجتماعي)

وختم لبريني قائلا: وباء كورونا يقدم درسا عظيما جليلا لا يمكن نكرانه للإنسان، يتمثل في عودة الإنسان إلى رشده، وإلى طبيعته الأولى، بإعادة الدفء المفتقد في العلاقات الإنسانية قاطبة والأسرية خاصة. اليوم وجد الكائن البشري نفسه في مواجهة مع ذاته.

"تناصّ منزلي"
غير بعيد، الشاعرة والصحافية العراقية رجاء الشجيري، وتعبيرا عن ملل البقاء لأيام في حبس منزلي فرضته تداعيات كورونا، كتبت، بروح تهكمية بلاغية في صفحتها على فيسبوك "بدأت أشعر بمرحلة التناص مع البيت، عسى ألا أصل لسرقته تماما".

حبس مدى الحياة
الروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري (الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية العام المنصرم 2019)، وجد نفسه هو الآخر في الحجر المنزلي، وبوصفه بروفيسورا، كان لا بد من أن يقدم محاضراته لطلابه عبر الإنترنت. تحت عنوان "يوميات محبوس"، يكتب سروري سلسلة منشورات فيسبوكية، نقتطف من بينها: "بعد يوم اثنين قضيته كاملا بالبيجاما، أنجزتُ فيه كل عمل الجامعة، للأسبوع كله، لاحظتُ خلاله: لم يكن التفاعلُ والإنتاج مع الطلاب، منذ عرفت نفسي، مثمرًا مثلما هو في أيام الحجر الصحي (تمنيت لذلك أن يستمر هذا الحبس مدى الحياة).

الشاعرة والمترجمة المصرية عبير الفقي أنشدت شعرا على صفحتها على فيسبوك، وقالت: العالم يرتّب مشهدية أخرى/ وأنا في هذه العزلة جائعة./ ألتهم صامتة الكثير من الكتب/ أستمع في سكون لكثير من الموسيقى/ وأظل جائعة/ وغارقة في دوائر الذنب/ وأحمال الوزن الزائد/ آه يا إلهي/ أهكذا سينتهي الجمال!/ أهكذا سينتهي العالم؛/ دون دهشة أفغر لها فاهي/ دون قبلة أغمض لها عيني/ دون موجة من الحب تغمرني/ حين تلمس أنامله وجهي/ ودون كلمة تشعرني بالامتلاء/ أو حتى تجعلني أنسى../ أنسى إلى الأبد!".

الخوف العالمي
"في ذروة الحيرة والحزن أدخل حسابي على فيسبوك، لأقتفي أثر الخوف في هذا العالم المريض، فأجد عشرات الرسائل من أصدقائي الذين يرتعدون انشغالاً عليّ في جزيرة جربة بعد أن أُعلِنَت بؤرة وباء".

هكذا كتبت الشاعرة التونسية سونيا الفرجاني. ويأتي هذا التفاعل من الفرجاني استمرارا لحزمة قصائد فاضت من بين أناملها محمومة ووجدت طريقها إلى فيسبوك. لكن الرعب اليومي وحالة التأهب والعزل المنزلي التي تقضيها سونيا مع زوجها وابنيها، تكاد تُنسى، بمجرد أن تعود إلى فيسبوك مجددا "أنا أشعر بالقوة لأنكم تصنعون لي جدارا من الياسمين يحميني"، موجهة كلامها إلى الأصدقاء والصديقات على فيسبوك.

‪‬ تكتب الشاعرة التونسية سونيا الفرجاني عن حالة التأهب والعزل المنزلي مع عائلتها(مواقع التواصل الاجتماعي)

حزينة وأخفي دمعًا
الشاعرة المغربية إيمان الخطابي لا تخفي حالة الخوف والحزن التي سيطرت عليها وهي تتابع الأخبار المتسارعة عن تسارع وباء كورونا وحصاده للأرواح.

تكتب الخطّابي هذا الاعتراف على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي "أعترف أنني خائفة وحزينة على الأرواح التي تسقط يوميا بسبب الوباء. لا أستطيع التركيز ولا القراءة ولا مشاهدة فيلم حتى آخره. أنام ساعات قليلة ولا آكل إلا القليل. أستيقظ قبل أولادي، أعجن وأخبز وأطبخ حتى أزجي الوقت.. اليوم حلقت شعر معتز الذي صار كثيفا أكثر مما ينبغي. ضحكنا كثيرا وأنا أحاول جاهدة أن أرضيه ولا أخيب ظنه. نظر في المرآة وقال لي: أتعرفين، لو أنك حلاق يا أمي، ما دفعت لك سنتا واحدا، لكني أشكرك على المحاولة". وبنبرة أكثر حزنا تختم الخطّابي "ضحكنا معا (الأم وابنها) وأخفيت دمعا يتحين أية فرصة لينزل".

بعد فوات الأوان
فاطمة بُرجي شاعرة عربية تعمل في الترجمة، وتقيم في "أوسلو"، لها حكاية، لم يكن لها أن تؤول إلى نهاية مؤسفة، لو أن كورونا لم يغزو العالم على هذا النحو المرعب والمميت.

بأسف وانكسار، تسرد فاطمة حكايتها مع حلم الحصول على عضوية نادي الترجمة، مشيرة إلى أنها على مدى سبعة أعوام، كل عام تسجل اسمها لتتقدم لامتحان يمنحها شهادة تخوّلها الدخول إلى نادي المترجمات والمترجمين، وبناء عليه سيزيد معاشها وستتحسن ظروف عملها، إذ إنه بدخولها نقابة المترجمين ستحصل على عمل ثابت بأجر شهري وبالتالي تتمتع بكامل حقوقها التي يكفلها قانون العمل.

تضيف فاطمة: كل عام أسجل اسمي وكل عام أحصل على رفض، دون ذكر الأسباب. لا شيء سوى رسالة ديجيتالية: لا مكان لكِ… نتمنى لكِ حظا أفضل في العام القادم! هذا العام سجلت اسمي وحصلت أخيرا على قبول، في الثاني من شهر (مارس) آذار تقدمت للامتحان. من يومين تفقدت بريدي فوجدت رسالة من الجامعة التي أجرت لي الامتحان: النتيجة 89,91 من 100، يعني عمليا 90 علامة من 100. فرحت وابتهجت وهللت وهنأت نفسي وشربت نخب النجاح قهوة وشايا وكولا… فرحت أولا وحدي ثم أخبرت أولادي وفرحنا وابتهجنا جميعاً. ثم… ثم ماذا؟ ماذا أفعل في الحقيقة بهذه النتيجة الباهرة… وقد أغلق مركز الترجمة أبوابه.. وفقدت عملي بسبب فيروس لعين!!".

جواز سفر هولندي
ماجدولين الرفاعي، كاتبة وصحافية سورية تقيم بهولندا، لها حكاية مشابهة لحكاية فاطمة بُرجي، تكتب الرفاعي: بعد استلامي قرار الجنسية الهولندية، استلمت اليوم الجواز الهولندي الأحمر الذي يدخلني (171) دولة من غير فيزا أو تأشيرة مرور، ولكن مع كورونا هذا الجواز لن يدخلني إلا إلى بيتي. وعلى رأي ابني مهند: في هذه الأحوال لا فرق بين الجواز الهولندي والسوري".

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

يتساءل الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين: لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخا من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة