جدل نسوي في زمن الجائحة.. هل تعد كورونا "كارثة على النساء" حقا؟

في زمن الحجر المنزلي الإجباري يدور الجدل حول الحنين للأزمنة القديمة والأدوار التقليدية (ويكي كومنز)
في زمن الحجر المنزلي الإجباري يدور الجدل حول الحنين للأزمنة القديمة والأدوار التقليدية (ويكي كومنز)

مع تفشي جائحة كورونا عالميا، بدا أن الفيروس لا يؤثر على صحة البشر فحسب وإنما تتجاوز آثاره الإصابة الرئوية لتشكل موجة من المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك حزمة من السياسات العامة البديلة. 

وفي مقالها بمجلة "ذي أتلانتك" الأميركية، قالت الكاتبة هيلين لويس إنه بالنسبة للذين لديهم مسؤوليات رعاية فإن الحجر المنزلي سيكون أكثر صعوبة، وستعزز الجائحة أشكال عدم المساواة القائمة بين من يستطيعون العمل بالمنزل ولديهم تأمينات ورواتب ومن لا يملكون هذه الرفاهية.

وأضافت أن أحد التأثيرات الأكثر لفتا للانتباه بخصوص فيروس كورونا هو أن "استقلال المرأة سيكون ضحية صامتة للوباء".

ورغم أن الفيروس نفسه يصيب النساء بمعدلات أقل من الرجال الأكثر عرضة للإصابة، ترى الكاتبة أن إغلاق المدارس وعزل الأسرة ينقلان عمل رعاية الأطفال من الاقتصاد المدفوع -الحضانات والمدارس والمربيات- إلى العمل غير المدفوع الأجر.

وتتابع لويس أن الفيروس سيقوم "بتحطيم الصفقة التي حققها العديد من الأزواج ذوي الدخل المزدوج في العالم المتقدم، وهي أنه يمكننا العمل معا، لأن شخصا آخر يعتني بأطفالنا. بدلاً من ذلك، سيتعين على الأزواج تحديد من منهما سيتلقى الضربة" بحسب تعبيرها. 

جدل نسوي
وأثار مقال الصحفية البريطانية وتركيزها على ما تعتبره صعوبة توفيق النساء بين وظائف الكسب والعناية جملة من ردود الفعل النسائية المتباينة، وعبرت الأكاديمية بجامعة وينيبغ الكندية مارلين سيمون عن خيبة أملها من مقال لويس، وقالت إن الأخيرة "تقلل من قيمة عمل المرأة لمجرد أنه دون أجر".

وأشارت سيمون إلى كون التقليل من قيمة العمل غير مدفوع الأجر هو إعادة تأكيد أفكار الشركات التجارية في تعريفها لما يشكل عملا قيما. 

واعتبرت الباحثة في الأدب الإنجليزي أنه لطالما كان تشويه سمعة الاقتصاد المنزلي نقطة سوداء داخل الحركة النسوية التي وصفتها بأنها "غالبا ما تدافع عن معايير الذكور والشركات الربحية للنجاح المهني، بدلا من الاحتفاء بالعمل النسائي التقليدي الذي لا ينتمي لطريقة عمل الشركات التجارية"، وأضافت أنها ليست متفاجئة من "هذا المنطق المعادي للإناث في هذا التاريخ المتأخر". 

وأضافت سيمون أن الحركة النسوية المعاصرة "الرأسمالية" تتطلب تشويه الاقتصاد المنزلي وتربية الأطفال، وأضافت "هذا غير ضروري، وفي وقت الأزمات بشكل خاص يعد ضيق أفق غير مفيد". 

زمن الأجداد
وبينما حذرت الكاتبة هيلين لويس من أن جائحة كورونا ستجعل الأزواج في الغرب من ذوي الدخل المزدوج يعيشون مثل أجدادهم في الخمسينيات، رفضت سيمون وصف هذه الفكرة بالسيئة وقالت إن مقال لويس يقوّض الترابط العائلي، وهو بالتحديد ما يجب أن نلجأ إليه في مثل هذه الأوقات، ووصفت سيمون هذه الرؤية بأنها "طفولية وغير أنثوية"، بحسب مقالها لمنصة "كويليت" المفتوحة للأفكار الحرة.

وتابعت "ربما بالفعل ستقدم النساء تضحيات مهنية من أجل رعاية أسرهن"، واستدركت "لماذا يجد شخص ما أن وجود وحدة عائلية تهتم بأفرادها يعد كارثة للنسوية"، واستنكرت سيمون الرؤية النسوية لتربية الأطفال ورعاية العائلة ووحدتها واعتبرت أن "النسويات غالبًا ما يستهِنّ بعمل الإناث ويثننّ بشدة على عالم الشركات والنجاح المهني".

وعبرت سيمون عن حنينها لمثل العائلة والحياة الأسرية "المثالية" في الخمسينيات من القرن الماضي، معتبرةً أنها كانت ناجحة، وأضافت "ليس الرجال هم الذين يعانون من دخولنا إلى عالم كان تقليديًا عالمهم ، بل الشركات التي تستفيد". 

عدمية صغيرة
وأشارت سيمون لمخاوفها -كأم وحيدة- على مستقبل ابنتيها اللتين ستعاني من إطعامهما إذا استمر إغلاق الجامعة التي تعمل بها، وقالت إنها فكرت طويلاً خلال الفترة الماضية في "الشبكات العائلية للرعاية والدعم المالي"، واستمتعت برؤية قصص إنستغرام التي نشرها أصدقاء أمها في الضواحي حيث يشاركون طرقًا مبتكرة لتعليم أطفالهم في المنزل والحفاظ على عمل أسرهم (نسبيا) بسلاسة.

واعتبرت سيمون أن الأمر يبدو بالنسبة إليها بديهيًا، إذ وجدت أن "العودة إلى الأدوار الأسرية التقليدية هو الشيء الذي يساعد الجميع في تجاوز هذه الأزمة"، وانتقدت فكرة لويس واعتبرتها نوعا من العدمية حين تصر على "تمزيق الشيء الوحيد الذي يدعمنا في وقت الشدة".

وترى سيمون التي تدرس أدب شكسبير أن العودة إلى الأدوار التقليدية ليس الأمر المقلق، وإنما "عدم التقدير غير المبرر لقدرة النساء على التصرف بشكل بطولي في أوقات الأزمات"، وتنتقد سيمون مقال لويس معتبرة أن الأخيرة ترى من غير المقبول أن يطلب من النساء تقديم تضحيات مهنية أو شخصية في وقت الأزمات الوطنية وكأنها ممنوعة من أداء الأعمال البطولية.

وتختم بالقول "يا لها من توقعات متواضعة ومخزية للمرأة.. من قدرة الأمهات بشكل خاص، على فعل الشيء النبيل، وقبول هذه التضحية دون شكوى". 

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

شهدت بيروت تظاهرة أدبية نسوية استضاف فيها "ديوان أهل القلم" حشدا من الأديبات العربيات المعاصرات. وتحول اللقاء إلى حوار موسع تناول أوضاع الأدب وواقع المرأة في العالم العربي.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة