تتناول حياة خمسة جزائريين زمن الحملة الفرنسية.. "الديوان الإسبرطي" تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية 2020

غلاف رواية “الديوان الإسبرطي”
يشير غلاف رواية "الديوان الإسبرطي" إلى حادثة المروحة الشهيرة التي اتخذت ذريعة لغزو الجزائر (الجزيرة)

فازت رواية "الديوان الإسبرطي" للكاتب الجزائري الشاب عبد الوهاب عيساوي بالجائزة العالمية للرواية العربية 2020 في دورتها 13، وتحكي الرواية قصص خمس شخصيات في بداية القرن الـ19 بالجزائر، وتتقاطع حيواتهم مع الوجود العثماني والفرنسي.

وأعلنت لجنة تحكيم الجائزة فوز رواية الأديب الجزائري الشاب بالجائزة النقدية البالغة قيمتها 50 ألف دولار، بالإضافة إلى ترجمة روايته إلى اللغة الإنجليزية.

واعتبر محسن الموسوي، رئيس لجنة التحكيم، أن "الديوان الإسبرطي" تتميز بجودة أسلوبية عالية وتعددية صوتية تتيح للقارئ أن يتمعن في تاريخ احتلال الجزائر روائيا ومن خلاله تاريخ صراعات منطقة المتوسط كاملة "كل ذلك برؤى متقاطعة ومصالح متباينة تجسدها الشخصيات الروائية".

وأضاف الموسوي أن الرواية دعوة للقارئ إلى فهم ملابسات الاحتلال وكيف تتشكل المقاومة بأشكال مختلفة ومتنامية لمواجهته، مثنيا على نظامها السردي التاريخي العميق، وبالرواية التي "لا تسكن الماضي بل تجعل القارئ يطل على الراهن القائم ويسائله".

والشخصيات الخمس في الرواية هي الصحفي ديبون الذي رافق الحملة الفرنسية لغزو الجزائر لكنه يصطدم مع القادة العسكريين، وكافيار الجندي المقاتل مع جيش نابليون الذي أسره العثمانيون في البحر قبل أن يصبح مهندس الحملة على الجزائر.

ومن شخصيات الرواية كذلك التاجر والسياسي المحنك ابن ميار الجزائري الذي تحول من الدفاع عن العثمانيين إلى عضوية المجلس الذي شكله الاستعمار الفرنسي، ويصطدم مع كافيار الذي يحاول هدم المساجد وسلب أموال الأوقاف، قبل أن ينتهي به المطاف منفيا في إسطنبول، وكذلك حمة السلاوي الثائر المتمرد وبائع الدمى المهرج الذي يعشق وطنه أيضا، والفتاة الصغيرة دوجة التي تحب حمة وتنتظره وتراقب الأحداث دون أن تساهم فيها.  

ديوان جزائري شاب
تقول الرواية التاريخية الشائعة إن الباشا العثماني "الداي حسين" حاكم الجزائر رمى مروحته على القنصل الفرنسي وهي الحادثة التي اتخذت ذريعة غزا على إثرها الفرنسيون الجزائر، لكن التاريخ لم يحفظ لنا الكثير من القصص الإنسانية لهذه الحقبة، وهنا بالتحديد يملأ الأدب فراغ ما تركه المؤرخون الذين يكتفون بالحوادث الكبرى. 

وبسرد أنيق متعدد الأصوات والشخصيات وبناء روائي بارع متكامل الأركان، ينقل الأديب الجزائري الشاب أحداثا محلية في الجزائر العاصمة المضطربة بين الفرنسيين والعثمانيين في الحقبة بين عامي 1815 و1833 إلى مستوى عالمي، حيث يعرض الاحتلال الفرنسي للعاصمة الجزائرية "المحروسة" في ثلاثة أقسام (ما قبل الحملة، توجه الأسطول للجزائر، الاستسلام) ومن منظور خمس شخصيات أساسية تتشارك مكان وزمان الرواية.

عيساوي أنشأ بناء مكتمل الأركان في روايته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (مواقع التواصل)عيساوي أنشأ بناء مكتمل الأركان في روايته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (مواقع التواصل)

وفيما يعد نوعا من استخدام تقنية "الرواية داخل الرواية" اقتبس المؤلف اسم الرواية من كتاب "الديوان الإسبرطي" الذي يقرأه كافيار في أحداث الرواية التي يغلب السرد فيها على الوصف، وتتلاحق أحداثها التي تتكرر مشاهدها وتتعدد زواياها بحسب الصوت الراوي.

ولكونه يكتب عن مجتمع صوفي بامتياز، استخدم الأديب الجزائري رمزيات عدة في الرواية بينها دوجة التي استباح الرجال جسدها في المبغى كرمزية للجزائر التي اغتصبها الجنود الغزاة، وطائر اللقلق الأبيض الذي يرمز للثورة بينما يشير اختفاؤه إلى إقصاء الثوار عن عاصمة البلاد، ويقول العيساوي في أحد مقاطع الرواية "بعض الهزائم تبدو انتصارات في القلوب التي أظلمت بالخطيئة، وبعض الانتصارات تجلب الخيبة لحاملها".

وفي مقطع آخر يتحدث المؤلف على لسان إحدى شخصيات الرواية قائلا "نحن الرجال هكذا دائما، حين يضطهدنا الحكام نبحث عن أقرب امرأة لنثبت لأنفسنا أننا أقوياء، مع أن البغاء الحقيقي هو ما يمارسه هؤلاء الحكام علينا، كل يوم يضاجعوننا بالضرائب والإتاوات وكنا نرضخ لهم، حتى في الطرقات كان العربي حينما يمر بالتركي ينتحي مكانا أقصى الطريق، يخشى تلامس الأكتاف ببعضها، وإن حدث فسيكون مصيره مئة فلقة".

والكاتب عبد الوهاب عيساوي مواليد 1985 بالجلفة، الجزائر، ودرس وعمل بالهندسة، وفازت روايته الأولى "سينما جاكوب" بالجائزة الأولى للرواية في مسابقة رئيس الجمهورية عام 2012، وفي العام 2015، حصل على جائزة آسيا جبار للرواية التي تعتبر أكبر جائزة للرواية في الجزائر عن رواية "سييرا دي مويرتي"، أبطالها من الشيوعيين الإسبان الذين خسروا الحرب الأهلية وسيقوا إلى معتقلات في شمال إفريقيا.

وفي حوار أجرته الجزيرة مع رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي أبدى محسن جاسم الموسوي أسفه لتسرب اسم الفائز في الدورة الماضية، مؤكدا أن أول الشروط وأهمها في عمل اللجان هو سريته.

وأوضح الناقد وأستاذ الدراسات العربية والمقارنة بجامعة كولومبيا بنيويورك أن الجائزة مستقلة بدرجة كبيرة عن جائزة بوكر، لكن ثمة تنسيقات منذ التأسيس، وأشار إلى أن الحضور الواسع للرواية التاريخية في القائمة الطويلة للجائزة يستحق الثناء، لأنه يحتم مراجعة واسعة لموضوع الرواية العربية في هذه المرحلة، مبرزا أن التاريخ هنا لا يعني التخلي عن المعاصرة. 

وأبرز أن موضوع النهضة الأدبية المغاربية أمر واقع، لأن سنوات التحرر من التبعية الاستعمارية على الصعيد الجغرافي السياسي حديث نسبيا مقارنة بالمشرق العربي ومصر، موضحا "نحن نتحدث عن عقود من الافتراق الزمني".

المصدر : الجزيرة