من "وباء الوحدة" إلى المسافة الاجتماعية.. تاريخ عزلة الإنسان المعاصر

يتزايد الشعور بالوحدة في العالم المعاصر بسبب نمط الحياة الحديثة وإجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كورونا (غيتي)
يتزايد الشعور بالوحدة في العالم المعاصر بسبب نمط الحياة الحديثة وإجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضتها جائحة كورونا (غيتي)

عندما كان الأكاديمي البريطاني وأستاذ التاريخ الاجتماعي ديفيد فنسنت يؤلف كتابه "تاريخ العزلة" لم يكن لديه أي فكرة أنه سينشر في العام 2020 بالتزامن مع تفشي جائحة كورونا التي فرضت على مئات الملايين من البشر ما يشبه العزلة الذاتية، ضمن إجراءات الوقاية ومنع تفشي الفيروس المستجد.

ومدفوعا بمخاوفه من تنامي "وباء الوحدة"، كان فنسنت يسعى لتأريخ تطور العزلة على مدى القرون الثلاثة الماضية من منزله الريفي قرب ويلز البريطانية، مستكشفا كيف تصرف الناس في غياب الصحبة والرفقة الاجتماعية. 

وفي كتابه الذي يعد سردا كاملا لتاريخ العزلة المعاصرة، قال فنسنت إن المثقفين في العصر الرومانسي الأوروبي -الذي تميز بالعناية بالمشاعر والعواطف والخيال- كانوا يرون الوحدة فترة راحة للمواطنين الذين يعيشون في مجتمعات حديثة ومعقدة، وبينما كان ينظر للوحدة أنها من سمات الحياة الحديثة، اعتبرت أيضا مرضا خطيرا قد يؤدي للاضطراب النفسي والسلوك المعادي للمجتمع. 

وأصبحت هذه الطبيعة المتناقضة للعزلة مصدر قلق كبير في العصر الحديث مع ظهور ما يسمى بوباء الوحدة؛ ولهذا أصبحت دراسة تاريخ رغبة الإنسان في العزلة والانفصال عن العالم موضوعاً أكثر أهمية في الزمن الراهن أكثر من أي وقت مضى. 

الفزع من الوحدة
يتعرض فنسنت في كتابه لمفهوم الوحدة والهلع حول ما يسمى "وباء الوحدة" التي يرى أنها عزلة فاشلة، مستعرضا النمو السريع في عدد الأشخاص الذين يختارون العيش بمفردهم منذ الحرب العالمية الثانية لأنهم أرادوا التمتع بمزايا العزلة، وأصبح ذلك ممكناً بعد تحسن مستويات المعيشة وظروف السكن والاتصالات، مرجحاً أن تكون آلام الوحدة الحادة بسبب الحرمان ونقص الخدمات الاجتماعية والصحية وليس بسبب الوحدة ذاتها.

‪تزامن صدور كتاب "تاريخ العزلة" للأكاديمي البريطاني‬
تزامن صدور كتاب "تاريخ العزلة" للأكاديمي البريطاني ديفيد فنسنت مع انتشار جائحة كورونا عالميا (الجزيرة)

ويركز فنسنت على المجتمع البريطاني، ويلاحظ أن هوايات مثل الصيد والتطريز ورعاية البساتين والتسلية والكلمات المتقاطعة وحل الألغاز وجمع الطوابع واقتناء حيوان أليف وغيرها، تعبر عن اعتياد الناس على الحياة بمفردهم، بينما تمثل الثورة الرقمية ذروة البحث عن المؤانسة الاجتماعية والعزلة الجسدية. 

ويقول فنسنت إن كثيرين يختارون أن يكونوا متصلين مع الآخرين عبر الإنترنت بشكل اختياري وفوري مع بقائهم يعيشون منفردين، ويرى أن الهاتف الذكي سمح للفرد أن يكون غائباً وحاضراً مع رفقته في الوقت ذاته، ومثل ذلك تتويج لرحلة طويلة من التطور عبر المراسلات والطباعة والهاتف والأفلام والتلفزيون. 

وبالنسبة لعصر التنوير في القرن 18 كان وجود الإنسان منفرداً بمثابة انحراف عن الفطرة الطبيعية للبشر التي كان يفترض أن تكون اجتماعية في جوهرها، لكن في العصر الرومانسي تغيرت هذه الفكرة في العالم الغربي، وأصبح الشعور بالوحدة سمة للعصر الحديث، ومثلت نوعاً من التأمل الروحي ومعرفة الذات واستكشاف ما يغيب عن المجتمع المادي.

ومع ذلك لم يكن ذلك متاحاً بسهولة لأسباب اقتصادية، إذ كانت الغرفة الخاصة المنفردة نوعاً من الرفاهية لا يتمتع به كثيرون في المجتمع البريطاني آنذاك، ولكن مع زيادة التمدن وفقدان طابع العائلات الكبيرة الممتدة وتقسيم العمل أصبح ذلك ممكناً وأكثر توفراً.

ووفقا لدراسة أعدتها مجلة "جورنال أوف سيكولوجي" البريطانية، فإنه كلما كان الشخص ذكيا، يفضل العزلة، ليس لأنه يحتقر الآخرين، ولكن ببساطة لأنهم لا يثيرونه اجتماعيا.

ويرى الباحثون أن ما يجعل البشر اليوم سعداء، مثل الصداقة أو التفاعل الاجتماعي، يتعلق أساسا بعادات وجذور توارثوها عن أسلافهم.

في المقابل، تعتبر الشخصية التي تبحث عن التطور بعيدا عما توارثناه عن أسلافنا هي الأكثر ذكاء من غيرها.

كما يؤمن هؤلاء بأن البقاء ليس له علاقة بحضورنا الاجتماعي خاصة أن التنشئة الاجتماعية خيار وليست فرضا.

الدين والسجون
يدرس فنسنت علاقة الرهبانية المسيحية بتطور النظر للوحدة، ويحلل نمط السجون الإصلاحي والحبس الانفرادي في القرن 19 الذي اعتبر عقوبة تضمن إعادة التأهيل للسجين عبر إبقاء المحبوس وحيداً في زنزانة ومتابعته من قبل قسيس السجن.

ويرى أن التجربة فشلت بالنهاية، ومع ذلك بقي الحبس الانفرادي ليس بسبب السعي للإصلاح والتهذيب وإنما للفشل في توفير ظروف آمنة وإنسانية داخل السجون.

ويحلل فنسنت تقليد الرهبنة المسيحي والعزلة الروحية داخل مجتمعات مسوّرة، بينما تعيش المجتمعات خارج الأسوار حياة استهلاكية وحداثية، مقارنا بينها وبين التأمل الذهني "العلماني" الصامت الذي يجد جذوراً له في الرهبانية المسيحية والديانة البوذية.

ولم يكن فنسنت الكاتب الوحيد الذي درس تاريخ العزلة، فقد تزامن كتابه مع عمل المؤرخة البريطانية فاي باوند آلبرتي التي تناولت في كتابها الصادر حديثاً "سيرة العزلة: تاريخ العاطفة" نماذج من الأعمال الأدبية والبحثية التي تناولت الوحدة وتوابعها الجسدية والنفسية وعلاجاتها.

‪في كتابها"سيرة العزلة: تاريخ العاطفة"‬ (الجزيرة)

وتلقي آلبرتي باللوم على نمط الحياة الحديث لتسببه بهذه الوحدة المتزايدة، وتعتبر أن الغرق في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي لأشخاص لا نعرفهم في أغلب الأحيان يشكل نوعاً من الضياع في ظل عالم يتجه أكثر نحو الفردانية ويتجنب الشعور بمعاناة الآخرين أو يتظاهر بعدم رؤيتهم.

الملابس والأزياء
وفي القرن 19 كان الحفاظ على مسافة فاصلة -تشبه المسافة الاجتماعية التي ينصح بها لتجنب العدوى بفيروس كورونا المستجد- تقليداً أوروبياً خاصة بين الجنسين والطبقات والأعراق، وكانت التقاليد تتطلب الالتزام بها في التجمعات الاجتماعية والحياة العامة. 

‪لوحة ساخرة من التنورة الضخمة"الغرينول"‬  (ويكي كومنز) 

ولم يكن للإبعاد الاجتماعي أي علاقة بالعزلة أو الصحة؛ لكنه عبر عن قواعد الذوق والطبقة، وارتدت النساء "الغرينول" أو التنورة الضخمة كزي عصري في منتصف القرن 19 لإنشاء حاجز بين الجنسين في المناسبات الاجتماعية، بحسب الأكاديمية بجامعة ريزيرف الأميركية إيناف رابينوفيتش-فوكس.

ويمكن تتبع أصول هذا الاتجاه للبلاط الملكي الإسباني في القرن 15 قبل أن تتحول هذه التنانير الضخمة لعلامة على الطبقة العالية والذوق الرفيع في القرن 18، إذ ارتدتها فقط النساء اللاتي تمتعن بامتيازات كافية لتجنب الأعمال المنزلية، وكن يعشن في منازل أو قصور بمساحة كافية لتتمكن من الحركة بشكل مريح من غرفة لأخرى مع خادمة للمساعدة على ارتدائه، وكان كبر حجم التنورة يعكس الرقي الاجتماعي، بحسب مقال فوكس في موقع كونفيرزيشن.

لكن عزلة الإنسان في الزمن الراهن لا تبدو علامة على الطبقة والذوق، وإنما أثر من نمط الحياة الحديثة المتسارع بشكل متزايد، التي فاقمها إجراءات الحجر الصحي بسبب تفشي جائحة كورونا في العام الجاري حول العالم.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

أعلنت شركة نتفليكس حصولها على حقوق تحويل رواية "مئة عام من العزلة" للروائي الكولومبي، غابرييل غارثيا ماركيز إلى مسلسل سيجري كتابته وإنتاجه ويحمل اسم "ماكوندو" ليعرض عبر موقعها على الإنترنت.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة