"القوى المرجحة".. دور أبناء البادية والقرى والغاصة في تاريخ الكويت

الباحث في التاريخ الكويتي د. عبد الرحمن الإبراهيم مؤلف كتاب القوى المرجحة (الجزيرة)
الباحث في التاريخ الكويتي د. عبد الرحمن الإبراهيم مؤلف كتاب القوى المرجحة (الجزيرة)

 الكويت-الجزيرة نت 

دارت كتابة التاريخ في الكويت طوال القرن الماضي في فلك ثنائية الأسرة الحاكمة "الشيوخ" والتجار، لكن تلك الرؤية يشوبها القصور، إذ يقدم الباحث في التاريخ الكويتي د.عبد الرحمن الإبراهيم قراءة جديدة تستند إلى وجود قوى أخرى في المجتمع لعبت دورا مؤثرا في أحداثه التاريخية.

ويرى الإبراهيم الحاصل على الدكتوراه من معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إكستر، في كتابه "السياسة في كويت ما قبل الاستقلال ودور القوى المرجحة" الصادر باللغة الإنجليزية في سبتمبر/أيلول الماضي، أنه من غير المعقول حصر تاريخ البلاد في تلك الثنائية ملقيا باللوم على أغلب المؤرخين لتجنبهم التطرق لبعض الوقائع الحساسة التي تظهر دور تلك القوى خلال الفترة من بداية القرن العشرين وحتى عام 1962.

ويستند الكاتب -كما يقول للجزيرة نت- في تسميته تلك إلى أن قوى مثل رجال القبائل أو أبناء البادية والقرى والغاصة (غواصي استخراج اللؤلؤ) وعلماء الدين وأبناء الطائفة الشيعية والعجم والمثقفين والقوميين العرب من أبناء الكويت لعبوا دورا كبيرا في ترجيح كفة إحدى القوتين الرئيسيتين على مدار تاريخ الكويت وأن وقوف بعض هذه القوى أو جميعها مع أحد الطرفين كان ضمانة لبسط نفوذه.

ويستعرض الكتاب المتاح حاليا في مكتبات نحو ثمانين جامعة حول العالم، من خلال فصوله السبعة تطور القوى المرجحة في الكويت، ويخلص إلى نتيجة مفادها أن نحو 60 إلى 70% من أعضاء مجلس الأمة منذ ستينيات القرن الماضي وحتى الآن وكذلك أغلب رموز المعارضة حاليا، هم من أبناء تلك القوى وأنه إن لم تكن للقوى المرجحة سلطة كاملة في وقت من الأوقات إلا أنها لعبت دورا لا ينكر.

دراسات وتوثيق
ينبه الكاتب إلى أن التاريخ الاجتماعي للكويت يفتقد لدراسات موثقة تتيح وضع إطار محكم لكل فئة وأن هناك ما يمكن وصفه بتداخل الفئات أحيانا، إذ إن المثقفين أو علماء الدين على سبيل المثال كان من بينهم من تنتمي أسرته إلى طبقة التجار لكن شهرة الشخص وتأثيره في الحياة السياسية جاءا من كونه مثقفا أو عالما، ولا ينسى الكاتب أن ينوه إلى أن فكرة القوى المرجحة نفسها فكرة وليدة تحتاج لمزيد من الجهد والتأطير لإحكام المفاهيم المرتبطة بها.

يقدم الفصل الأول شرحا لمفهوم القوى المرجحة وأهميتها، ويستعرض الفصل الثاني نشأة المؤسسات السياسية والثقافية في الكويت وتأثيرها في الحياة السياسة وأبرزها المدرسة المباركية ومجلس الشورى ومجلس المعارف والمكتبة الأهلية.

غلاف كتاب "السياسة في كويت ما قبل الاستقلال ودور القوى المرجحة" (الجزيرة)

ويركز فصله الثالث على وضع المؤسسات السياسية، فيما يخصص فصله الرابع مساحة كبيرة لمجلس 1938 الذي يعد حجر الزاوية في تأسيس دستور 1962. أما الفصل الخامس فيتناول أحداث ما بعد 1938 والدور البريطاني في السياسة الكويتية، فيما يتعلق الفصل السادس بدور القوى المرجحة في فترة النفط وأخيرا يناقش الفصل السابع دورها منذ 1957 وحتى 1962.

وبحسب الوثائق البريطانية، فإن الغاصة عقدوا العزم على الالتحاق بالتجار، مما هدد اقتصاد البلاد القائم على صيد اللؤلؤ وقتها.

وقطف أبناء "القوى المرجحة" ثمار نضالهم من خلال وجود تمثيل لهم في مجلس شورى 1921 في عهد الشيخ أحمد الجابر من خلال عضوية اثنين من العلماء وهم عبد العزيز الرشيد ويوسف بن عيسى القناعي إلا أن هذا المجلس لم يستمر سوى ستة أشهر فقط.

وفي عشرينيات القرن الماضي بدأ تغير اقتصادي تمثل في ظهور اللؤلؤ الصناعي وتأثيره على تجارة اللؤلؤ ومن ثم الأزمة الاقتصادية في ثلاثينيات القرن الماضي، مما أضعف تأثير طبقة الغواصين وفي تلك الأثناء بدأ ظهور المؤسسات في المجتمع ومنها المكتبة الأهلية والنادي الأدبي، وشهد عام 1924 خروج أول بعثة تعليمية إلى العراق، مما شكل بداية ظهور الطبقة المثقفة.

ويستعرض الكاتب تعاظم دور القوى المرجحة بل ووجود تقسيمات لها فمنهم من يقف مع الحاكم وكذلك من يقف مع التجار بعدما كانت مساندتهم قاصرة على التجار في السابق، إما لسبب ديني أو لآخر اقتصادي مرتبط بالعمل لدى التجار.

بحلول عام 1930، أنشأ حاكم الكويت دائرة البلدية وشهد عام 1936 إنشاء مجلس المعارف وبدأ وصول البعثات التعليمية إلى الكويت وتعاظم تأثير العراق الثقافي، فطالب التجار في 1938 بوجود مجلس تشريعي وهو ما حدث بالفعل وتم وضع دستور جديد مكتوب وافق عليه الحاكم في العام نفسه.

ويتبين هنا تأثير القوى المرجحة إذ بالرغم من عدم تمثيلها في المجلس وانحصار التمثيل في 320 فردا يمثلون الطبقة التجارية فإن القوى المرجحة ممثلة في طبقة المثقفين ساندت المجلس حين تردد حاكم الكويت وقتها في التوقيع على الدستور فلجأ شباب المثقفين إلى كتابة الشعارات الداعمة على جدران المنازل والأبنية ومنها "أخلص للأمة يخلص لك" وكذلك "عاش النواب المطالبون بحقوق الوطن" .

حقبة النفط
مع اكتشاف النفط وأوائل الأربعينيات، بدأ خروج بعثات تعليمية إلى مصر ولبنان والبحرين، وشكل هؤلاء عصب القومين العرب خلال خمسينيات القرن الماضى الذي شهد زيادة  الوعي وارتفاع مستوى التعليم، وفي تلك الأثناء ساهمت أموال النفط في التعمير والتطوير وبدأ تعيين أبناء الغاصة في المؤسسات وشركات النفط مقابل حصولهم على أجر يومي من الحاكم ما ساهم في تغيير الولاء من التجار إلى الحاكم.

لم يكن انتقال الولاء قاصرا على الغاصة بل بدأ كثير من الأهالي يعملون في الشركات والمؤسسات وبدأ الكويتيون مهام جلب العمال إلى الشركات النفطية نفسها، فتغير ولاء الطبقة العاملة عموما من التجار إلى الحكومة بفعل الدولة الريعية.

ساهمت أموال النفط في بناء المدارس والمؤسسات وتزايد نفوذ القوميين العرب في الكويت ونمو الوعي بعدما تتلمذ أبناء الكويت على يد عدد من رموز التيار وهو ما انعكس كذلك على القضية الفلسطينية، إذ شهدت فترة الخمسينيات قيام مظاهرات مساندة للقضية وشهدت البلاد حراكا سياسيا، فإلى جانب دعم فلسطين دعمت الكويت الجزائر ومصر وغيرها من البلدان وهو ما يمكن وصفه بمرحلة نمو القوى المرجحة.

صورة وثيقة قديمة تضمنها الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية في سبتمبر/أيلول الماضي (الجزيرة)

ومنذ 1957 وحتى عام 1962، كانت مرحلة التمكين فكان للقوميين العرب تأثير في السياسة الخارجية الكويتية إذ جرى تأسيس وزارة الخارجية على يد كل من الدكتور أحمد الخطيب وجاسم القطامي وجاسم السداح وهم أبرز رموز التيار، وقد ساهم ازدياد تأثير القوميين في دخولهم كثير من المجالس حتى إن الدكتور أحمد الخطيب (طبيب كويتي يعد أحد أبرز رموز القومية) انتخب في مجلس 1958 إلا أن المجلس لم ينعقد بسبب اعتراض بعض المتنفذين من أبناء الأسرة الحاكمة على وجود الخطيب وتمسك أبناء القوى المرجحة به.

ويشير الكتاب إلى أنه خلال تلك الفترة تعاظم تأثير الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر حتى إن البعض طالب بالانتقال إلى دولة حديثة وكان خطاب جاسم القطامي الشهير في أحداث ثانوية الشويخ واحدا من أبرز الأمثلة، وشهدت البلاد أحداثا سياسية عديدة وعقب استقلال الكويت شكلت اللجنة العليا وأعطي الحق لجميع الكويتيين للمرة الأولى للتصويت في انتخابات عام 1961 بعدما كان التصويت قاصرا على مجاميع محدودة من الطبقة التجارية.

المشاركة السياسية
عقب الاستقلال، كانت هناك تهديدات للكويت من رئيس العراق وقتها عبد الكريم قاسم فخرج الكويتيون حاملين السلاح وتظاهروا أمام قصر الحكم دعما لأمير الكويت حينها الشيخ عبد الله السالم المعروف بأبو الدستور، مرددين شعار "يا أبو سالم عطنا سلاح" وكان لذلك وقعه في نفس الشيخ عبد الله السالم وفق ما يذكر الدكتور أحمد الخطيب في مذكراته التي استند إليها الكاتب، وتوج نضال القوى المرجحة بخوضها الانتخابات لأول مرة.

وعندما شكل المجلس التأسيسي الذي أقر دستور 1962، سيطرت القوى المرجحة على أغلبيته بواقع 35% للتجار و35% للقبائل والقرويين و30% من المثقفين أي أن 65% من تشكيلته كانوا من تلك القوى، وهؤلاء هم من أقروا الدستور الحالي للكويت وقد انتخب الخطيب وهو من كبار القوميين العرب نائبا لرئيس المجلس عبد اللطيف ثنيان الغانم الذي كان عضوا في مجلس 1938 وأحد من سجنوا وقتها.

ويذكر الكتاب أن الأمر الوحيد الذي لم تتمكن القوى المرجحة من تحقيقه، هو الدخول في لجنة صياغة الدستور إذ فشل الدكتور الخطيب في ذلك لكن بعد صياغته صوت عليه المجلس بأغلبية من أبناء القوى المرجحة، لدرجة أن أبناء القرى في ذلك الوقت اعترضوا على نص الشريعة مصدر من مصادر التشريع وأصروا على أن تكون المصدر الرئيسي للتشريع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة