زمن الحجر الصحي في أوروبا.. كيف تأثرت "الطقوس الدينية" بفيروس كورونا؟

كنيسة شبه فارغة في مدينة ميلانو بمنطقة لومبارديا التي كانت أولى بؤر تفشي فيروس كورونا بإيطاليا (غيتي)
كنيسة شبه فارغة في مدينة ميلانو بمنطقة لومبارديا التي كانت أولى بؤر تفشي فيروس كورونا بإيطاليا (غيتي)

في أوقات المعاناة الإنسانية والمحن الكبرى يكون الدين مصدرا للسكينة والطمأنينة، لكن رغم تزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا في أوروبا فإن الناس لم يهرعوا إلى الكنائس، وألغت الحكومة الإيطالية الخدمات الدينية في كاتدرائية ميلانو وجميع دور العبادة الأخرى في البلاد التي تعد أكبر مركز لتفشي الفيروس في العالم الغربي. 

وفي شمال إيطاليا ألغيت جميع التجمعات والخدمات الدينية في الكنائس والمساجد والمعابد اليهودية على حد سواء حتى مطلع أبريل/نيسان المقبل، وألغيت أيضا الاحتفالات الدينية، بما فيها تلك التي كان يفترض أن تقام في بناية "بازيليك" القديسة مريم، وهي تحفة معمارية من عصر الباروك وقد بنيت في روما كنذر بمناسبة نهاية الطاعون الذي أهلك سكان المدينة في القرن الـ17.

ذاكرة متوترة
وفي إيطاليا أيضا، طلب من الجمهور مشاهدة برنامج تلفزيوني لقداس يوم الأحد بدلا من الذهاب إلى الكنيسة.

ومع ذلك، قال رئيس أساقفة ميلانو إن الفارق بين الاثنين يشبه الجلوس بجوار موقد تدفئة والتأمل في صورة له، بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية. 

واتخذت إجراءات مماثلة في اليابان وكوريا الجنوبية وإيران، حيث حرم عدة ملايين من المصلين من السكينة التي يجلبها حضور اللقاءات الدينية والصلوات، خاصة في أوقات المحن والارتباك، وفي خطوة غير مسبوقة علقت السلطات السعودية العمرة.

وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية قال الصحفي الإيطالي ماتيا فيراريسي إن الكنائس الأوروبية وفي إيطاليا -البلد الكاثوليكي التقليدي حيث يحضر حوالي 20% فقط من السكان القداس الأسبوعي- تعامل على قدم المساواة مع مقدمي خدمات أخرى، مثل دور السينما وقاعات الحفلات الموسيقية.

ومع ذلك، فإن التوتر بين السلطات الحكومية "العلمانية" والدين لا يزال قائما بحسب الصحفي الإيطالي الذي أشار إلى بعض المنتقدين الذين اعترضوا على قرار السلطات منع الأنشطة والتجمعات الدينية، وبالغ بعضهم ليشبه الأمر بمنع الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس المسيحيين من التجمع للعبادة في القرن الثالث قبل الميلاد.

تفسيرات يهودية
وفي إسرائيل -حيث ارتفعت أعداد المصابين بالفيروس- تعددت نصائح الحاخامات اليهود لأتباعهم بشأن كيفية مواجهتهم الفيروس، فمنهم من قدموا نصائح بدت غريبة، في حين استند آخرون إلى العلم. 

ووزع أحد الحاخامات اليهود المشروب الكحولي "كورونا" على المؤمنين، طالبا منهم احتساءه والدعاء إلى الله أن يحد من انتشار الوباء. 

ودعا الحاخامات أيضا لتجنب الذهاب إلى الكنيس، والاستماع إلى الصلاة وتحديدا لقصة الملكة إستير التي عادة ما تقرأ خلال احتفالات عيد "المساخر" عبر الإذاعات. 

وألغيت في إسرائيل معظم الاحتفالات العامة للعيد الذي يبدأ مساء الاثنين، وحاول بعض الحاخامات إيجاد تفسيرات دينية للفيروس الجديد في مقاطع فيديو نشروها عبر الشبكة العنكبوتية. 

وقال الحاخام زامير كوهين -الذي يخضع للحجر الصحي- إن "الفيروس نتيجة طبيعية لأن غير اليهود يأكلون أي شيء". 

وطرح الحاخام مئير معزوز تفسيرا آخر يتعلق بالشذوذ الجنسي، إذ يرى "أن الله ينتقم من الشخص الذي يقدم على أفعال غير طبيعية". 

وذهب الحاخام الناطق بالفرنسية المتشدد رون تشابا بعيدا، معتبرا الوباء علامة على ظهور السيد المسيح. 

وقال في شريط فيديو نشر على موقع يوتيوب وحصد أكثر من 50 ألف مشاهدة "جميع العلامات التي تحذر من مجيء المسيح أصبحت ظاهرة للعيان الآن ومتوفرة، من المأساة أن نبقى غير مبالين".

فلسطين والقدس
وفي الأراضي الفلسطينية أعلنت حالة الطوارئ لمدة 30 يوما، وسجلت الأراضي الفلسطينية 26 حالة، معظمها في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية المحتلة.

وأغلقت كنيسة المهد -وهي الوجهة السياحية الأهم لمسيحيي العالم- أبوابها عصر أمس الخميس، في حين وجهت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تعليماتها إلى أئمة المساجد لإغلاقها.

ويقتصر إغلاق المساجد بالكامل على بيت لحم، في حين بقيت مساجد الضفة الغربية مفتوحة وفق ضوابط محددة. 

وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية في بيان انه "يحظر على الإسرائيليين والفلسطينيين دخول المدينة والخروج منها".

ودعت بطريركية القدس للاتين في بيان وزعته جميع كهنة الرعايا إلى تنظيم القداسات المباشرة لرعاياهم من خلال وسائل الإعلام، ووضعت البطريركية مجموعة من القواعد التي يجب اتباعها. 

وأعفى البيان المؤمنين من المشاركة الجماعية في قداس الأحد، مع إمكانية الاحتفال بالقداسات ضمن مجموعات لا تزيد على 15 شخصا فقط، مع وجود مسافة لا تقل عن متر واحد بين الشخص والآخر، أما القربان فطالبت البطريركية بأن يقدم باليد لا بالفم كما هو متبع.

وختمت البطريركية تعاليمها بتشجيع الجميع على الصلاة في المنزل وقراءة الكتاب المقدس والاستمرار في الصوم. 

وبدأت الطوائف المسيحية في الأراضي المقدسة الصوم الأربعيني الذي يسبق احتفالات عيد الفصح، ومن المتوقع أن تتأثر هذه الاحتفالات بالمخاوف السائدة بسبب الفيروس. 

واجب شرعي
وفي القدس، شرعت طواقم دائرة الأوقاف الإسلامية في عملية تنظيف شاملة لباحات المسجد الأقصى والمصليات الداخلية.

واعتبر مفتي القدس والديار الفلسطينية محمد حسين الاحتياط وتجنب نقل عدوى المرض الوبائي من خلال الحجر الصحي "واجبا شرعيا". 

وأهاب حسين في مقابلة بثتها إذاعة محلية بالمواطنين اتخاذ الإجراءات واتباع تعليمات وزارة الصحة. 

وقال إن "المحافظة على الأبدان من الضرورات الخمس في الشريعة".

واستعان حسين بالقول المأثور "سلامة الأبدان مقدمة على صحة الأديان"، في إشارة إلى أوامر الدين الإسلامي لأتباعه بأخذ سبل الحيطة والحذر عند انتشار مثل هذه الأوبئة. 

وأعلنت السلطة الفلسطينية إغلاق المؤسسات التعليمية والمواقع السياحية، كما منعت التنقل بين المحافظات ليقتصر على الحالات الطارئة، وأعلنت وزارة السياحة التوقف عن استقبال المجموعات السياحية في مختلف مدن الضفة الغربية المحتلة. 

وفي بلدة بيتونيا قرب مدينة رام الله التقت وكالة الصحافة الفرنسية مدير معهد إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف الفلسطينية الشيخ ماجد صقر الذي يرى أن نقل العدوى إلى الآخرين "إثم" يحاسب عليه الشخص المصاب إذا تعمد ذلك، خاصة أن الإسلام حث على النظافة. 

وأكد صقر على أن الحجر الصحي ضرورة دينية وشرعية ووطنية في حال أصيب الإنسان، مشيرا إلى أن جميع الأديان اتفقت على ذلك.

المصدر : الصحافة الأميركية + الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة