"الحديقة المحرمة" لمعز زيود.. حين تفيض الرواية بانكسارات الذات ومآسي الوطن

تروي رواية "الحديقة المحرمة" للصحفي والكاتب التونسي معز زيود وقائع حول الصحافة والتجسس والفساد (الجزيرة)
تروي رواية "الحديقة المحرمة" للصحفي والكاتب التونسي معز زيود وقائع حول الصحافة والتجسس والفساد (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس 

حين تتصفح رواية "الحديقة المحرمة" للكاتب والإعلامي التونسي معز زيود، تندفع إلى التساؤل عن خفايا البوابات السرية لأشجار متهافتة تأبى الانفصال عن تربتها، لكنها تروي حكايات الذات المغتربة والوطن المستباح خلال سنوات ما بعد ثورة يناير 2011 في تونس. 

بين "أشجار" هذه الحديقة المفعمة بالمتناقضات، تنصهر ذاكرة المكان وتظل أسئلة القلق والانكسار معلقة على امتداد فصول الرواية. تلاحق الأسئلة بطل الرواية الخمسيني عبد النبي يوسف، وكأن التحولات التي شهدتها البلاد قد عبثت بذاته التائهة بين إحساس عميق بالغربة وجري وراء طيف الحب المفقود وتوجس من مستقبل بلاده المجهول.

يخوض بطل الرواية (الصادرة في بداية عام 2020 عن دار مسكيلياني للنشر) رحلة متعددة الأبعاد في بلد أنهكته لوبيات الفساد ونهشت بنيانه، واستبدت بأهله الجماعات المصادرة للحق في الاختلاف، وتجاسرت عليه أجهزة المخابرات.

بين الصحافة والأدب
يمضي الروائي في نسج عوالمه الروائية، موغلا في توصيف العواصف العاتية التي هبت على تونس خلال الأعوام الأخيرة. ويحكم بطل الرواية التمسك بأطياف "شجرات رمزية" في حديقة محرمة بدت بمثابة وطن حرمت خيراته على أهله.

وانطلق الكاتب من مجال مهني خبر تفاصيله على امتداد ربع قرن، ألا وهو قطاع الإعلام الذي "بات أكثر هشاشة، وأضحى رهينة لتنازع مراكز القوى الصاعدة واختراق العملاء"، حسب تصريحه للجزيرة نت. 

يقول معز زيود "يمكن وصف الأدب بفن إطالة اللحظة التاريخية، على خلاف الصحافة التي تركز على النقل الفوري للأحداث الآنية"، مشيرا إلى أن العديد من كبار الروائيين في العالم أمضوا جل مسيرتهم المهنية في العمل الصحفي، مثل الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والصحفي الأميركي إرنست همنغواي اللذين منحا جائزة نوبل للآداب". 

ويذهب زيود إلى أن العمل الصحفي يكتنفه وعي عميق بخصوصيات الجمهور القارئ، لكنه يحتاج إلى ريشة الكاتب لتجويده وتطعيمه بجمالية اللغة. كما أن الأدب في أمس الحاجة إلى فنيات الصحافة مثل "الريبورتاج" الذي ينبغي أن يتيح للقارئ النظر بأعين الصحفي والتذوق بلسانه والسمع بأذنيه والشم بأنفه. 

وعن تجربته، يوضح أن الرواية حررته من الضوابط المهنية الصارمة، غير أن الصحافة أتاحت له استخدام فنياتها لمقاربة الواقع عبر التخييل الروائي، مضيفا أنه استخدم فنيات "الاستقصاء" في بعض الفصول التي غلب عليها أسلوب الرواية البوليسية.

يقول مؤلف "الحدائق المحرمة" إن الرواية حررته من ضوابط الصحافة (الجزيرة)

رسائل مشفرة
تضج "الحديقة المحرمة" برسائل مشفرة عديدة، يفكك رموزها بطل الرواية عبر ما كابده من انكسارات عاطفية ومهنية ووطنية. فينتقل متعثرا في وهاد حديقته المحرمة، من شجرة إلى أخرى، كطائر مكسور الجناح. ويبدو كأنه يحفر سرديا في الواقع التونسي ما بعد الثورة، حيث تتفتت الأزمنة والأمكنة لتبوح بما لا تدونه كتب التاريخ. 

اختيار أسماء الشخصيات لم يكن عفويا، فاسم "عبد النبي يوسف" يخفي رمزيته، ولاسم ابنته "هاجر" وزوجته "سارة" وقعهما الأسطوري، وكذلك لاسم حبيبته "ياسمين" نصيبه من الخذلان في بلد ثورة الياسمين. 

خيوط الرواية وألغازها يكاد يختزلها الدخان المنبعث من سجائر بطل الرواية الذي داهمته أحداث الثورة، فقرر أن يضع حدا لحالة سبات كانت تغالبه قبل عام 2011. وفي خضم ما خاضه من مغامرات ومعارك، اصطدم بواقع مرير وغاص في شراك جواسيس تقاطروا حوله من حيث لا يدري. 

يقول الروائي والناقد محمد عيسى المؤدب في تشريحه للرواية "يمضي معز زيود في توصيف رحلة الجسد والروح، منفلتا إلى كل الأمكنة المتاحة، وكأن السكون والضيق زنازين موصدة للروح المغتربة والجسد المهتاج. فلا تستعرض الرحلة فتوحات العشق واللذة بقدر ما توغل في امتصاص إحساس ثخين بالضياع، ضياع النفس وضياع الوطن الذي تأكله أفواه أبنائه، كما يأكله سوس الفساد وسطوة المتطرفين والجواسيس".

أسلوب متفرد
على مستوى أساليب السرد التخييلي، عزز الكاتب روايته بفنيات كتابة القصة القصيرة. فهو لا يرى تنازعا بين هذين الشكلين الأدبيين. يوضح للجزيرة نت "الرواية حملتني نحوها بقوة. ففي البداية لم أكن أنوي كتابة نص روائي، بل انطلقت بصياغة بضع قصص قصيرة، ثم ارتأيت تحويلها إلى رواية بالنظر إلى الخيط الرابط بينها. ومن ثمة نسجت على المنوال ذاته عند صياغة سائر فصولها. ولذلك بدا كل فصل مكثفا ومحافظا على وحدة المعنى، دون تفريط في الترابط الوثيق بين مختلف مكونات الرواية".

لجأ الكاتب إلى تقنية "الفلاش باك" لاستدعاء أحداث من الذاكرة التونسية ضمن سرد الرواية (الجزيرة)

حال تكثيف المعنى في "الحديقة المحرمة" (261 صفحة) دون منح القارئ حيزا للراحة أو الفكاك من أطوارها المتسارعة ومما تضمره من تشويق متصاعد. وأسوة بالقصة القصيرة، غالبا ما بدت نهاية كل فصل مبهرة ومفاجئة.

اعتمد معز زيود إذن حبكة مركبة تخلخل الزمن الروائي، إذ ينطلق التخييل السردي لأحداث الرواية من نقطة مفصلية في منتصف تسلسل أحداثها، لكنها لا تخضع لمنطق التدرج التاريخي. فكثيرا ما التجأ الكاتب إلى تقنية "الفلاش باك" لتغذيتها بأحداث جديدة. وهو ما يحيط محاملها الزمنية بنوع من الغموض، مما يغذي النص الروائي بشعرية تعبق بها مختلف عتباته كالعنوان وأسماء الشخصيات والأمكنة وغيرها. 

اصطبغت العناصر المختلفة للرواية إذن بشعرية عميقة، بدءا بتكثيف اللغة المفعمة بالإيحاءات ومرورا بالزمن الروائي غير الخطي، ووصولا إلى ذاكرة الأمكنة المتغيرة من أقاصي شمال تونس إلى جنوبها. 

هكذا تأبى رواية "الحديقة المحرمة"، أسلوبا ومضمونا، حصرها في قراءة أحادية، فقد جسدت جمالية لغتها ما تنضح به من تفاعل بين كل مكوناتها، وما تكتنز به من متعة مفعمة بالمعرفة تنفتح على تأويلات متعددة.

المصدر : الجزيرة