المركز الثقافي بجبل سمامة التونسي.. حين تراقص أنغام الموسيقى الجبلية إيقاع صوت الرصاص

محمد علي لطيفي - جبل سمامة لمشروع يهدف الى تأصيل الهوية الثقافية.
المركز الثقافي بجبل سمامة يهدف لتأصيل الهوية الثقافية ومقاومة النزوح الثقافي (الجزيرة)
محمد علي لطيفي-القصرين

يرتجف كأس القهوة بين يديك على وقع صوت قذائف المدافع ووابل رصاص الرشاشات، لتتعالى أعمدة الدخان إلى السماء، هذا المشهد بات اعتياديا لسكان أهالي مدينة القصرين (وسط غرب تونس) الذين لجؤوا للثقافة، في مرتفعات جبال سمامة الخطرة.

في هذه السفوح التي تم إعلانها منطقة عسكرية محظورة بعد ثورة 2011، والتي تهاجرها العصافير قسرا، ويجمع سكانها حقائبهم للهجرة إلى المناطق الأكثر أمنا، اختار الشاب عدنان الهلالي أن ينشئ مشروعه المتمثل في مركز ثقافي بمنطقة جبل سمّامة، للقيام بالعديد من البرامج الترفيهية والثقافية الموجهة للشباب والنساء الريفيات في محاولة لكسر سلاسل التهميش الثقافي الذي عانته محافظته منذ سنوات.

نشاط متنوع
بين أحضان هذه الربوع الخصبة، تعترضك نسائم الإكليل من كل صوب وفي كل اتجاه، وتجتمع ابتسامات تملأ وجوه الشيوخ المجعدة، بقهقهة الصغار التي امتزجت بزقزقة العصافير. يعود الحنين بالهلالي لذكريات طفولته التي قضاها في ريف "الوساعية" حيث رَعَى الأغنام مع أترابه واختفى بين أشجار الصّنوبر والبلوط.

يشد انتباهك في هذه السفوح الجبلية امرأة ذات "ملية بدوية" عليها تدلت أساور من الفضة، وهي تجمع سلاسل تحف الحلفاء، التي تختلف أشكالها بين الدائري والمربع، وتنهمك مجموعات أخرى من النساء في تنظيم مفروشات المرقوم الصوفي اللواتي صنعنه بإتقان.

الهلالي مؤسس المشروع الثقافي في عيد الرعاة (الجزيرة)الهلالي مؤسس المشروع الثقافي في عيد الرعاة (الجزيرة)

تمضي قليلا، فتشاهد أنامل نسوة زينت خدودهن وشوم أمازيغية، وهن يفترشن باحة بيت صغير، يطحنّ الحبوب بواسطة آلة يدوية للرحى، وهي عبارة عن حجرين دائريين وضعا فوق بعضهما البعض، يدوران حول بعضهما بواسطة قطعة خشبية تثبت في زاوية، وتوضع الحبوب في فتحة موجودة منتصف الآلة لتطحن مع حركة الحجر.

يبعث رنين أساورهن الفضية التي تملأ معاصم أيديهن وقرطهن الكبيرة في آذانهن لحنا فريدا مع كل حركة دورانية لعصا آلة الرحي، إذ تمسك كل واحدة منهن بيد، ثم تديرها شيئاً فشيئاً بعد أن تضع الحبوب لتملأ الثقب أو الفتحة الذي في وسطها، وهن يتناوبن على الرحى، فينسيهن تعاونهن صعوبة المهمة ومشقتها.

الهوية الثقافية
تدير وجهك ثانية، فترى معلبات متراصفة للعسل ومربى التين الشوكي، أبدعت أنامل ذهبية في إعدادها، يراقبها مسن، يلبس "قشابية" (لباس تونسي تقليدي) وهو يمسك عكازا لا يفارقه، وكأنه يتشبث بجذور الأرض رغم كل التهميش الذي لحقها، هي تفاصيل تراث بعمر سكان تلك السفوح كما يحلو للهلالي أن يصفها في حديثه للجزيرة نت.

ويضيف الهلالي أن ميلاد المركز الجبلي للثقافة بجبل سمامة للفنون جاء من رحم قصص الرعاة وأفراح سكانه وأحزانهم، مشيرا إلى أن فكرة مشروعه جاءت من أجل التأصيل الفني ضد النزوح الثقافي، لأن النزوح الجسدي الجغرافي قد يكون لصالح انتشار الهوية الثقافية إذا كان "النازح" وفيا لخصوصيته وفخورا بهويته.

يسخر من التهميش الثقافي الذي عانته محافظة القصرين طوال عقود من الزمن، ويقول إن الموروث الثقافي بعمر شجيرة الإكليل لا يموت، ويبقى ساجدا على سفوح مرتفعات هذه الجبال كعنصر مقاومة يروي الشجاعة الخالدة التي يتميز بها سكان سفوحها.

على أنغام موسيقية الطرق يرقص رعاة جبل سمامة (الجزيرة)على أنغام موسيقية الطرق يرقص رعاة جبل سمامة (الجزيرة)

عيد الرعاة
فضلا عن هذه المنتجات الغذائية والمفروشات الصوفية، يقوم المركز الثقافي بجبل سمامة باستضافة الرعاة من كل أصقاع العالم، حيث يرتفع صوت إيقاع نشيد النايات الجبلية الحزينة أو ما يعرف بموسيقى" الطّرق" على مآدب جز الأغنام، ليراقص الهلالي مأساة الرعاة السكان الأصليين للجبل.

فالقشبية الصوفية، والبرنس الأبيض الذي يميز الرعاة بهذه الربوع المنسية، التي ثارت في ثورة يناير/كانون الثاني 2011 ضد الظلم والتهميش، تروي تاريخا كاملا من الصمود انطلاقا من الاستعمار الفرنسي وصولا إلى المواجهة المسلحة مع الجماعات الإرهابية في جبال سمامة.

فعيد الرعاة في جبل سمامة أصبح عرسا سنويا يستقبل عديد الفنانين العالميين، فضلا عن مشاركات دولية في هذه المعارض الدولية -التي يقول عنها الهلالي إنها تجربة جديدة- وبات الرعاة وزراءها والوافدين إليها للاحتفال.

على أمل أن ينمو الإكليل الذي يحرسه الرعاة، وعلى مزيج القهوة الهادئة يطمح الهلالي أن يرى قطبه الثقافي مزيدا من الانتشار والنور والسكينة، وتعود العصافير إلى أعشاشها بعيدا عن صوت الرصاص.

المصدر : الجزيرة