ملهمو الثورة وشهود على التغيير.. مكانة "استثنائية" للشعراء في نيكاراغوا

غدير أبو سنينة-نيكاراغوا

كان قدره أن يصبح شاعرا، إذ تربى في عائلة مثقفة لأب مخرج وشاعر يعجّ بيته بالكُتّاب والشعراء والمثقفين. ثمّ إنه ابن غرناطة بنيكاراغوا المدينة التي ما زالت تحتفظ بهندستها الكولونيالية (الاستعمارية)، من بيوت وكاتدرائيات وقلاع مبنية منذ أكثر من 400 عام عندما رست سفن الإسبان عند مرافئ المدينة.

ومرّت المدينة بأحداث عظمى، احتلال وقمع وبناء وازدهار وتزاوج ما بين شعبين مختلفين من العالمين الجديد والقديم، واحترقت أكثر من مرة، وفي كل مرة تنفض الرماد عنها مثل طائر العنقاء الأسطوري.

كل ذلك، إضافة إلى موهبة جعلت منه أحد أبرز الشعراء في نيكاراغوا، ومدير "مهرجان غرناطة العالمي للشعر" مهرجانها الشعري الذي أسسه في مدينته المحبوبة. وتوقف المهرجان منذ سنوات بسبب الأزمة السياسية الأخيرة في هذه البلاد الواقعة بأميركا الوسطى. 

فرانسيسكو دي أسيس فرنانديز (مواليد 1945)، الشاعر الذي اتخذ من الشعر ملجأ بعد إصابته بسكتة دماغية تسببت بشلل في الطرف الأيمن من جسده. 

ففي حجرة بيته -التي لا يغادرها إلا نادرا- يجلس على مقعد يمكّنه من مدّ ساقيه، على جانبيه مناضد يضع فيها حاجياته، وجهاز آيباد يستخدمه في كتابة الشعر. 

فرنانديز، مثال صارخٌ على تمكّن الشعر من السيطرة تماما على حياة محبّيه، وكما كان رفيقا له في شبابه، فهو سلوته في شيخوخته.

وبعد تمكّن المرض من جسده منذ ثماني سنوات، يُصدر فرنانديز ديوانا كل عام، فلا يخرج من بيته إلا لزيارة الطبيب أو حضور الأمسيات الشعرية. 

الشاعر فرانسيسكو دي أسيس فرنانديز مؤسس مهرجان غرناطة العالمي للشعر (الجزيرة)

الشاعر النجم
ولا بدّ للمقيم أو الزائر لنيكاراغوا، أن يلحظ التبجيل الذي يحظى به شعراؤها، فصورة كبيرة للشاعر النيكاراغوي الأشهر "روبن داريو" (1867-1916) تستقبل وتودع القادمين والمغادرين، بينما تعج محلات البقالة بدواوين الشعراء، تجدها مثلا في المكان المخصص لبيع الشوكلاته في بلادنا. 

ويعلّق على ذلك الشاعر المحلي  بيذرو هافيير سوليس أنه "بسبب روبن داريو، حظي الشعر بمكانة خاصة لدى شعب نيكاراغوا، لأن الحكومات على اختلاف توجّهاتها تعاملت مع داريو وكلماته بتقدير". 

وواصل الشعراء تطوير الأساليب الشعرية بعد داريو، وظهرت حركة الطليعيين، ثم دفعت التغيرات السياسية الشعراء والفنانين إلى إنتاج أعمال قريبة من واقعهم، فظهرت أصوات جديدة ارتبطت بالثورة الساندينية، فالثورة -بحسب سوليس- "لم تنجز بالسلاح فقط، بل بالشعر والفن". 

ويفسر سوليس ارتباط الثورة بالشعر في نيكاراغوا، باعتماد الثورة على الأفكار، و"الأفكار لها بناء شعري"، ويقول إن "الأفكار منفتحة، والأيدولوجيا منغلقة".

وفي مهرجانها الشعري، تُعلَّق لافتات عليها صور شعرائهم الراحلين والأحياء. أبعد من هذا، تصمّم أقنعة على هيئة الشعراء ويرتديها أفراد الفرق الموسيقية، في دلالة على أهمية وتأثير هؤلاء الشعراء.

طالبة تلتقط صورة مع أحد الشعراء المدعوين لمهرجان غرناطة للشعر (الجزيرة)

شعراء الحداثة والثورة
ويعود الشاعر الهندوراسي من أصل فلسطيني رولاندو قطان الذي يعد من أهم شعراء الحداثة في أميركا الوسطى وأهم مجددي اللغة الإسبانية، إلى الفترة الطليعية ثم إلى دور الثورة الساندينية النيكاراغوية في التأثير على الموضوعات والأصوات الشعرية الحديثة، فقد كانت ثورة اجتماعية، حالمة بتحقيق العدالة، وكان الشعراء شهود عيان على التغيير.

وكانت العائلات في تجمعاتها تردد تلك القصائد المرافقة للثورة والأغاني الثورية، فالشعب والشعراء -برأي قطان- اشتركوا في تهيئة أرض خصبة لنمو الشعر في بلادهم، حتى إن جلوس شاعر مع عائلة من نيكاراغوا كان مبعث سعادة وفخر لها.. أمر لا يحدث في الهندوراس -مسقط رأس قطان- ولا في غواتيمالا أو السلفادور، إذ معروف أن العنف يزداد في تلك البلدان أكثر رغم أنها على حدود نيكاراغوا.. "الكره موجود حيث لا يوجد الشعر".

أما الشاعرة جيوكوندا بيلي فقد شبّهت الشعر في هذه البلاد بالرياضة القومية. وتحيل بيلي ذلك الوضع المميز للشعر في نيكاراغوا إلى جغرافيا البلاد من بحيرات وأنهار وبراكين التي تستفز المخيلة، إضافة إلى التقلبات السياسية الدرامية في البلاد.

الشاعر خالد الريسوني يلقي قصيدته في المهرجان (الجزيرة)

تربية الآذان
في كل دورة من دورات المهرجان، شارك شعراء عرب في قراءة قصائدهم، ومن بينهم الشاعر المغربي خالد الريسوني الذي شارك في الدورة 14 للمهرجان، وهو مطّلع على الثقافتين العربية والهسبانية (ثقافة إسبانيا وأميركا اللاتينية) بحكم إتقانه للإسبانية. 

وفي حديثه للجزيرة نت، أبدى الريسوني حسرة على ما وصل إليه حال الشعر في الثقافة العربية التي اعتمدت أساسا على الشعر في نقل تاريخها وملاحمها قديما، ويقول "إن الشعر يُكتب بصور وعلى القارئ أن يبذل مجهودا استثنائيا في فهم الصور"، فـ"الشعر منفلت واستثنائي لأنه يعتمد على الاستعارة، ويفترض أن نربي الجمهور والطلاب والأطفال كي يلتقطوا هذه الإشارات".

لكن التهميش الدائم -برأيه- للشعراء والكتاب يصعّب على الجمهور المغربي خصوصا والعربي عموما التقاط الإشارات والاهتمام بالشعر.

ومع هذا، يذكر الريسوني بعض التجارب الفردية لدعم الشعر والشعراء وتحسين الذائقة، خصوصا لطلبة المدارس والجامعات في المغرب، وإن بتمويل ضعيف لا يفي بالاحتياجات، إذ إن "ميزانية وزارة الثقافة في المغرب هي أقل ميزانية، ويفترض إعادة النظر فيها".

ويقارن الريسوني بين مكانة الشعراء في العالمين العربي واللاتيني وخصوصا نيكاراغوا، قائلا "وجدت صور روبن داريو في كل مكان، في المطار وفي الشوارع والساحات العامة".

وسمي أحد الفنادق والمسرح الوطني في نيكارغوا باسم روبن داريو، بينما يصعب أن توجد في العالم العربي صورة بدر شاكر السياب معلقة في المطار مثلا، ويفسر الريسوني ذلك بأن السياسي لا يدع مجالا للشاعر لمنافسته إعلاميا. 

ويشير إلى أن التعامل الرسمي مع الشعر في بلادنا العربية مختلف، إذ بعد أن كان الشعر ديوان العرب، ها هو يعيش على الهامش حاليا، والشاعر ليس صانعا للحدث كما في نيكاراغوا وكثير من دول أميركا اللاتينية، بل صوته منخفض ولا يُلتفت إليه. 

وعن تجربته في مهرجان غرناطة الدولي للشعر في نيكاراغوا، يقول إنه شهد كيف يُصغي الحضور للشعر، كبار السن والأطفال، المثقفون والعمال والباعة الجوالون، يقول إن "الأذن في نيكاراغوا تربّت على الشعر، بينما نحتاج في عالمنا العربي إلى تربية الأذن على الإصغاء لهذا الكائن الجميل"، ويقصد به، الشعر.

المصدر : الجزيرة