بالفيديو- إحياء للحضارات.. عراقي يحول واجهة بيته لمعالم تاريخية

تجد الحضارات وتاريخها محبيها من أبناء شعوبها اعتزازا بالماضي وتفاخرا بها، وهو الأمر ذاته الذي برز في موهبة نحات عراقي حفزه شغفه بحضارات العراق إلى تحويل منزله لقلاع ونحوت حملت حقبا من ماضي البلاد.

وحبا لحضارات البلاد كرّسته الموهبة فأينعت جمالا يحاكي عمق التاريخ وسفر الحضارات بجهد لا يحتاج أكثر من العزيمة والإصرار لتحقيقه.

أول التبلور
"منذ بداية دخولي المرحلة المتوسطة دراسيا، شُغفت بالتاريخ العراقي، وأعجبت بطبيعة التطور الذي سبق معظم حضارات العالم، وكنت أجسد صور تلك الحقب على شكل رسوم أو نحوت صغيرة، وأشارك بها في المعارض المدرسية".

هكذا روى بداياته للجزيرة نت النحات سالم جاسم حتحوت عن حب الحضارات العراقية.

ويواصل حتحوت حديثه بأنه عندما أصبح محترفا للنحت قرر تغيير واجهة بيته ليكون لوحة فنية لأبرز المعالم التاريخية، لتجسد الحضارتين البابلية المتمثلة في بوابة عشتار والآشورية المتمثلة في الثور المجنح، وباشر العمل عام 2011، وخلال 24 شهرا كان من أبرز الأعمال بناحية الزوية بقضاء بيجي التابع لمحافظة صلاح الدين. 

النحات اعتمد على تمويله الشخصي في نحت منزله (الجزيرة)

اختلاف عقائدي
يقول حتحوت إن صور الثور المجنح على جدران واجهة المنزل أثار حفيظة تنظيم الدولة الإسلامية منذ بداية سيطرته على المحافظة مطلع 2014، معتبرين إياه تماثيل محرمة حسب منهجهم العقائدي، ليكون في نظرهم سببا كافيا لتدمير النحوت وأجزاء أخرى من شبيهة بوابة عشتار.

وهو ما أكده عمر حجاب جاسم أحد سكنة الزوية للجزيرة نت قائلا إنه حاول وبعض سكنة الناحية إقناع عناصر التنظيم بالعدول عن قرارهم، ومحاولة إظهار الاهتمام بالحضارات، وأن المسألة اعتزاز بالتاريخ لا تغيير لعبادة أو تجاوز على الحدود الإسلامية؛ إلا أن الرد كان بالإصرار على أن النحوت الحيوانية أمر وثني وطمرها وإخفاء معالمها أمر تشريعي لا حياد عنه.

ويضيف جاسم أن قوة السلاح أخذت مجراها وتم هدم الكثير من واجهة المنزل في مشهد لازمه صمت أهالي المنطقة من دون رضاهم.

عودة الروح
بعد السنوات العجاف الأربع للنزوح، لم يستسلم حتحوت للواقع، وعند عودته لناحية الزوية مقر سكنه، قرر تأهيل ما يسميه متحف الحضارات على واجهة منزله من جديد؛ وحسب رواية حتحوت "استعنت بزميلي النقاش رياض بهدف الإسراع في ترميم واجهة المنزل، وفي مدة لا تتجاوز الشهرين استطعنا إعادة ما تم تدميره، بل وأضفنا لمسات أخرى جعلت المنزل أكثر فنية".

وهو ما أيده النقاش رياض حسن قائلا: "يستحق أن يسمى الآن صرحا؛ فقد أصبح أجمل من ذي قبل، وأنا فخور لأنني وضعت بصمتي بعمل أصبح اليوم واجهة فنية ومقصدا للسياح في محافظة صلاح الدين".

منزل حتحوت أصبح وجهة للسياح والزوار بما فيهم الأجانب (الجزيرة)

التاريخ والشهادات
الحضارات التي دفعت النحات سالم حتحوت للعيش داخلها كمنزل تستحق ما فعله، هي ذاتها الفترات التي أبدع بها البابليون والآشوريون في الإعمار، هكذا استهل أستاذ التاريخ بجامعة صلاح الدين الدكتور منير عويد شهادته على العمل.

وأضاف أن دليل ازدهار العمران آنذاك هو بقاء سحره وجماله منذ آلاف السنين قبل الميلاد، والذي أضاف بتقليده اليوم إطلالة غيرت واجهة منزل من بيت عادي إلى صرح فني.

ويعتبر عويد أن حتحوت مؤرخ من دون قلم، وأن اختيار النحات قلعة بابل جاء عن دراية باستحقاق لأكبر آثار العالم بقاء حتى يومنا هذا، فهي تعادل أربعة أمثال آثار أثينا في اليونان.

وقال أستاذ التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بجامعة كركوك الدكتور صلاح عريبي عباس "عمرانية وإتقان حتحوت أعادا للأذهان التساؤل عن الإبداع في عمق تاريخ الحضارات العراقية، والتعرف على ما كان غائبا عن الكثير من العوام الذين لم يطلعوا على تاريخ العراق عن كثب، فكانت درسا للمطالعة".

وبعيدا عن أصحاب الشأن والمختصين بالتاريخ، أصبح النحات بطلا في نظر أهالي ناحيته، كما صرح بذلك خطاب محمد الشعبان (أحد وجهاء الزوية)؛ مؤكدا أن المنزل أصبح وجهة للكثير من السياح، بما فيهم الأجانب، ورغم أنه العمل الفني الوحيد بالناحية، فإنه أعطاها رونقا ورفع تداول اسمها، وأصبحت دافعا لكل من يملك المواهب في الزوية لتقديم الأفضل.

رسالة
ويقول حتحوت إنه اعتمد على تمويله الذاتي، وبعد إكمال واجهة بيته أصبح مستعدا للعمل في مثل هذه الإنجازات للراغبين في حال توفير المواد الأولية كاملة؛ وبدل أن تصرف المبالغ على تصاميم قد تكون كلاسيكية نوعا ما أو متكررة، فمن الممكن توظيفها في أعمال فنية حضارية، وإن تكررت فلها رونقها وذائقتها التاريخية.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحتضن محافظة نينوى شمال العراق أقدم الحضارات التاريخية وأهمها الآشورية، فضلا عن آثار النمرود. وبعد سيطرة تنظيم الدولة، تعرضت للتدمير، كما دمر متحف الموصل وسرقت أهم القطع الأثرية.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة