في الذكرى الـ55 لاغتياله.. مالكوم إكس وموسيقى جاز المسلمين الأفارقة في أميركا

عمران عبد الله

في أغنية "رحل مالكوم"، كرّم مطرب موسيقى الجاز الأميركي ليون توماس عام 1969 واحدا من أهم رموز المسلمين السود في الولايات المتحدة الأميركية، وهو مالكوم ليتل الذي عرف لاحقا باسم "الحاج مالك الشباز" أو "مالكوم إكس"، واغتيل يوم 21 فبراير/شباط 1965.

وكان الموسيقي الأميركي الأسود توماس واحدا من أشهر فناني الجاز والهيب هوب الأميركيين من أصول أفريقية الذين دافعوا عن الحقوق المدنية للأميركيين السود، وتحول بعضهم إلى الإسلام في سياق البحث عن الحقيقة والهرب من الاضطهاد العنصري وإيجاد هوية بديلة ومجتمع مختلف عن الثقافة المسيحية البيضاء السائدة آنذاك.

وبحلول أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، قام الموسيقيون: تشارلي باركر وتشارلز مينغوس وجون كولتران وغيرهم، بتضمين النضال السياسي بوضوح في موسيقى الجاز، بالتزامن مع اكتساب حركة الحقوق المدنية زخما كبيرا في الولايات المتحدة. وشرح الموسيقار والمؤلف والروائي غيلاد أتزمون ذلك في مقاله عام 2004، قائلا "كان الأميركيون السود يطالبون بالحرية، وعبّرت موسيقى الجاز عن ذلك بطريقة أفضل من الكلمات".

واستمر هذا الاتجاه وتكثف خلال العقود التالية، وخاصة في موسيقى الجاز "الحرة" و"الروحية" التي حملت على عاتقها عبء النضال وخوض معركة أكثر غضبا من أجل الحرية السياسية، بحسب تعبير الأكاديمي مايكل شكيب بهاتش المحاضر في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة ويسترن كيب بجنوب أفريقيا.

جمال الغناء وجلال الصمت
في أغنيته "رحل مالكوم"، يرثي مطرب الجاز توماس مع عملاق موسيقى الجاز الروحية فاروا ساندرز ذكرى مالكوم إكس بطريقة مؤثرة للغاية، ويهدي الأغنية في البداية لروح مالكوم إكس ذاكرا اسمه المسلم "إلى الحاج مالك الشباز"، ثم يصمت قرابة دقيقتين ويكمل:
 

أعلم أنه رحل … لكنه لم ينسَ.

أعلم أنه مات ليجعلني حرا… نعم ذهب مالكولم، لكنه لم ينسَ، لقد مات لينقذني، ويعيد لي كرامتي

وبعد ذلك يأخذ توماس المستمعين في مجموعة مذهلة من الإيقاعات والأنغام ذات الطبقات الجميلة، لتنتهي بتصفيق من الجمهور تكريما لذكرى "الحاج مالك الشباز".

ويقول الأكاديمي مايكل شكيب بهاتش إن الأغنية القديمة تستحضر الحداد على مالكوم وفي نفس الوقت تخلق جوا من الابتهاج، إنها تعتمد صوتيا على تقاليد روحية للسود في التعبير عن المشاعر، وتعبر أصواتها عن فقدان عضو محبوب ومحترم في "الأمة والمجتمع المسلم".

موسيقى الجاز المسلمة
وإذ يعاني تاريخ المسلمين الأفارقة في أميركا من التجاهل والإهمال، يلقى تاريخ موسيقيي الجاز والهيب هوب الذين اعتنقوا الإسلام في الخمسينيات من القرن العشرين المزيد من التجاهل الأكاديمي والإعلامي، رغم إسهامهم الموسيقي الذي تجاوز الطرق الفنية التقليدية آنذاك، وبدا وكأنه تأثر بتحولهم الديني وأفكارهم السياسية. 

وفي كتابه "موسيقى المتمردين: العرق والإمبراطورية وثقافة الشباب المسلم الجديد"، يتعرض المؤلف هشام عيدي لمجموعة من الموسيقيين الكبار الذين تحولوا للإسلام (وانتمى بعضهم للطائفة الأحمدية) وتسمى بعضهم بأسماء عربية، مثل عازف البيانو أحمد جمال (واسمه القديم فريديريك روسل جونس)، ويوسف لطيف الذي مزج موسيقى الجاز مع الموسيقى الشرقية وفاز بجائزة غرامي الأميركية عام 1987.

بينما استخدم آخرون -مثل عازف الطبول آرت بليك (عبد الله بن بوهينة)، والعازف والملحن والمغني كيني دورهام (عبد الحميد)- أسماء عربية، لكنهم فضلوا أن يظهروا في الوسط الفني بأسمائهم المسيحية الأصلية.

ويشرح عيدي كيف أن بعض أنواع الموسيقى -مثل الهيب هوب والجاز والألحان الأندلسية و"الكناوة" المغربية- أصبحت تتقاطع معا لتمثل هوية، ووسيلة احتجاج على سياسات "الحرب على الإرهاب" الغربية.

وفي مقابلة أجريت معه عام 1963، شرح آرت بليك اهتمام الأفارقة الأميركيين بالدين الإسلامي آنذاك بالقول إن الإسلام جلب للرجل الأسود ما يبحث عنه ومثّل طريقة للتمرد على السائد.

فترة متقلبة
وكانت أواخر الستينيات -وهي الفترة التي أصدر فيها توماس أغنيته- فترة متقلبة للغاية بالنسبة للأميركيين الأفارقة، وارتبطت بنهاية حقبة النضال من أجل الحقوق المدنية في أميركا بطريقة غير عنيفة نسبيا، وبدايات حركات النضال الأسود العنيف.

شعر الكثير من السود في ذلك الوقت أن المقاومة السلبية لعهد الحقوق المدنية لم تعد خيارا قابلا للتطبيق في سعيهم لتحقيق المساواة، وحدث تحول أيديولوجي نحو الأفكار القومية السوداء، والأفريقية، والاشتراكية التي قدمتها حركة "القوة السوداء" التي دعت للفخر بالعرق الأسود والتمكين الاقتصادي للأفارقة الأميركيين، وصممت على حماية نفسها بكل الوسائل اللازمة ضد الدولة القمعية.

وعرفت هذه المرحلة إسكات العديد من الشخصيات البارزة في النضال الأسود، بالسجن أو الاغتيال، وتفاقم الوضع أكثر بسبب حرب فيتنام، والسياسة المحافظة في عهد نيكسون، بحسب مقال بهاتش في موقع كونفيرزيشن.

ولا تكتفي أغنية "رحل مالكوم" بالإشادة بواحد من أهم مقاتلي الحرية للسود في أميركا (وهو في حد ذاته عمل ثوري)، لكنها كذلك تتجرأ على تشبيهه بالمسيح عليه السلام الذي تصلي "أميركا البيضاء القومية العنصرية" آنذاك له، وكان هذا عملا استفزازيا جدا للمؤسسات المسيحية الأميركية، بالنظر لكون مالكوم إكس -وهو مسلم أسود- يُعتبر عدوا للدولة، بحسب تعبير بهاتش.

وعكست كلمات الأغنية شعور المتضامنين السود مع حركة الحقوق المدنية والكفاح من أجل الحرية والمساواة للأميركيين الأفارقة، وكذلك تكريم مناضل راحل، وعبرت ألحانها عن مزيج من الألم والتفاؤل بمستقبل أفضل، وشملت مزيجا من أفكار حركة الحقوق المدنية السلمية (عبر التشبيه بالسيد المسيح) وكذلك حركة القوى السوداء المسلحة (في شكل أدوات موسيقية ذات نغم يشبه التحطيم والنحيب).

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

ربما لم يكن هناك شاعر من جيل ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بأميركا براديكالية الراحل “إفريت ليروي جونز” الذي أصبح “إمام أميري بركة” بعد لقائه مالكوم إكس (الداعية الإسلامي والمدافع عن حقوق الإنسان) وإعلان إسلامه، ليخوض لاحقا نضالا مستميتا جعله في فوهة الغضب.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة