في عصر الإنترنت والربح والإثارة.. هل بالإمكان انتشال الصحافة الأميركية والعالمية من أزمتها؟

صحف عالمية مختلفة في متجر صحف بريطاني (مواقع إلكترونية)
صحف عالمية مختلفة في متجر صحف بريطاني (مواقع إلكترونية)

تبدو الصحافة في أنحاء العالم وكأنها تعيش حقبة انحدار بعد عصرها الذهبي الذي شهدت فيه نموا وازدهارا، وتظهر الصحافة الأميركية في قلب هذا التأزم العالمي.

هذا هو السؤال الذي حاول الصحفي المخضرم أستاذ الإعلام نيكولاس ليمان الإجابة عنه، من خلال عرض بعض الكتب التي تناولت برؤية نقدية التطور التاريخي للصحافة الأميركية والتغيرات التي طرأت على رسالتها.

ففي مستهل مقاله في نيويورك بوك ريفيو، ردد ليمان أسئلة سبق أن طرحها الصحفي الأميركي الشهير هوراس وايت أوائل القرن الماضي، من قبيل: لماذا تعج الصحافة بعدد كبير من الأشخاص السيئي السمعة والمخادعين؟ وما السبب وراء رواج وباء الصحافة الصفراء؟

ويقتبس نيكولاس ليمان عبارة لهوراس وايت جاء فيها أن تلك الأسئلة تنطبق على الصحف التي تروق لها الإثارة والجريمة والفضائح والبذاءات، والصور المضحكة والكاريكاتيرات والنميمة البغيضة أو التافهة عن أشخاص أو أشياء لا تهم الجمهور.

العصر الذهبي
وفي عام 1904، كتب وايت -الذي كان من رجالات الصحافة الأميركية في القرن الماضي- مقالا وصف فيه حال الصحافة آنذاك، عندما ولج دهاليزها عاملا فيها أول مرة، حيث قال إنها كانت "نظيفة ومحترمة ورصينة".

كان للصحافة حينها -بحسب هوراس وايت- العديد من الأهداف: سياسية وأدبية وعلمية واجتماعية ودينية وإصلاحية ومزيج من هذا وذاك، وكان القائمون على الصحف الورقية يرونها مفيدة للمصلحة العامة.

لم يكن واردا من أجل كسب المال أن تنساق الصحافة في ذلك الوقت وراء رذائل المجتمع وحماقاته، حتى لا تزيد طين الخطايا بلة.

فالصحفيون -بحسب مقال نيكولاس ليمان- يحملون بين جوانحهم حنينا أبديا لتلك القيم، ويزعجهم ما آلت إليه أحوال مهنتهم اليوم.

ويستعرض كاتب المقال بعد ذلك بعض الأفكار التي وردت في مؤلفات عدد من المهتمين بشأن الصحافة والإعلام، مثل كتاب الصحفية جيل أبرامسون بعنوان "تجار الحقيقة" الصادر في العام المنصرم.

ويتناول كتاب أبرامسون ما تسميه "العصر الذهبي" للصحافة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وقد كانت تلك القيم سمة مميزة لجيل تجاوز عمر أبنائه اليوم الخمسين عاما، جيل من الصحفيين يشده الحنين إلى عقود مضت من الزمن.

وقد استخدم مصطلح "العصر الذهبي" لوصف المؤسسات الصحفية خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

صاحبة الجلالة
وفي المقابل، بدا ديفيد هالبرستام في كتابه "القوى التي كانت" المنشور عام 1979، أقل تفاؤلا بشأن صحافة الزمن الراهن، إذ يعتقد أن أصحاب المؤسسات الصحفية الكبرى انصرفوا إلى تعزيز أرباحهم الطائلة أصلا بدلا من الاهتمام أكثر بالوفاء بالتزاماتهم نحو الجمهور.

وقد درجت قنوات التلفزة على تقديم خدمة صحفية تهتم بالجنس والجريمة، مهووسة بتغطية أخبار المشاهير "بشكل غبي"، وهو ما نال من قدسية الصحافة بشدة، بحسب هالبرستام.

وبرأي نيكولاس ليمن، فإن هالبرستام لم يأت على ذكر الإنترنت في سياق حديثه عن قائمة طويلة من التهديدات التي تواجه الصحافة عام 2000، رغم أنها أصبحت التحدي الأبرز حاليا.

كارثة اقتصادية
ومنذ ذلك الحين، تعرضت مهنة الصحافة إلى دمار اقتصادي كالذي عانت منه كل القطاعات الأخرى في سوق العمل تقريبا، فقد تدنى التعيين في وظائف غرف الأخبار بنسبة 45% خلال الفترة من 2008 وحتى 2017، وبنسبة 60% ما بين عامي 1990 و2016.

ورغم ذلك، فإن الصحف الورقية في الولايات المتحدة لا يزال لديها من العاملين في غرف الأخبار أكثر بثلاثة أضعاف من نظيراتها في مواقع الصحافة الرقمية، أي 38 ألف موظف مقابل 13 ألفا على التوالي.

وقد تدنت معدلات توزيع تلك الصحف الورقية من 62.5 مليونا في عام 1968 إلى 34.7 مليونا في 2016، بينما زاد عدد السكان بنسبة 50%. وفي الفترة ما بين 2007 و2016، انخفضت إيرادات الصحف من الإعلانات -التي تعد مصدر دخلها الرئيسي- من 45 مليار دولار إلى 18.3 مليار دولار.

وبالمقارنة، جنت شركة غوغل الأميركية بحلول عام 2016 إيرادات من الإعلانات تفوق بأربع مرات تقريبا ما حققته صناعة الصحف الورقية الأميركية برمتها. ومنذ عام 2004، توقفت نحو 1800 صحيفة بأميركا -معظمها أسبوعية محلية- عن الصدور. ويكتسب هذا الانهيار أهمية خاصة، وذلك أن الصحف الورقية لطالما كانت المكان الذي عمل فيه أغلب الصحفيين الأميركيين.

تهاوي الحصون
ولقد بدت مؤسسات إعلامية -مثل: واشنطن بوست، ولوس أنجلوس تايمز، وشبكة سي بي سي نيوز، ومجلة تايم- قبل أربعين عاما حصنا منيعا، أما اليوم فكل تلك المؤسسات الأربع لديها مُلاّك مختلفون. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بيعت صحيفة واشنطن بوست للملياردير جيف بيزوس عام 2013 بسعر 250 مليون دولار، بينما استحوذ رجل الأعمال مارك بنيوف على مجلة تايم مقابل 190 مليون دولار عام 2018.

الآن وقد بات العصر الذهبي قطعا شيئا من الماضي -هذا إذا كان ذهبيا بحق كما يقول نيكولاس ليمان- فإن دواعي بروزه إلى حيز الوجود -كما يمكن فهمها- كانت أشبه بالقضاء والقدر ونتيجة ظروف لم تدم طويلا، ففي أواخر القرن الثامن عشر لم يكن هناك صحفيون بالتعريف الراهن للمصطلح.

ومع بزوغ فجر القرن العشرين، كانت الصحف هي وسيلة الإعلام الجماهيري الوحيدة، وكانت أغلب المدن الأميركية الكبرى تمتلك العديد منها، وتتنافس فيما بينها على نحو مزعج.

وأدى ظهور متنافسين في شتى وسائل الإعلام -من إذاعات ومجلات محلية وقنوات تلفزيونية في الولايات المتحدة- إلى اندثار حاد ومفاجئ وجماعي للصحف الورقية، فما بين عامي 1945 و1965، اندمجت 421 صحيفة يومية مع بعضها أو توقفت عن الصدور، معظمها في المدن.

أما صحف الظهيرة بالذات التي تُباع في الشوارع ويقرؤها الناس أثناء عودتهم إلى منازلهم من العمل، فلم تكن لديها الحصانة الكافية بسبب زيادة أعداد من يتنقلون بالسيارات، ووفرة القنوات التلفزيونية التي تذيع نشرات أخبار مسائية.

تقاليد الصحافة العريقة
في كتابه "لماذا لا تزال الصحافة مهمة"، يصف عالم الاجتماع مايكل سكودسون العصر الذهبي للصحافة في الولايات المتحدة بأنه "كان لمدة وجيزة نسبيا، ولم يكن جزءًا من تقليد متصل غير منقطع لتغطية صحفية عظيمة".

من جانبه، يؤرخ ماثيو برسمان في كتابه "عن الصحافة" للصحف الأميركية خلال الفترة من 1960 حتى 1980، بالتركيز على صحيفتين رئيسيتين هما لوس أنجلوس تايمز ونيويورك تايمز.

ويتحدث برسمان عن عدد من القوى تضافرت لتنتج شكلا جديدا -اندثر الآن- من أشكال صحافة الجرائد، فقد أضحت الجرائد تعتمد اعتمادا كليا تقريبا على الإعلانات.

وينتقل نيكولاس ليمان في مقاله لاستعراض بعض ما ورد في كتاب "أخبار عاجلة" لرئيس تحرير صحيفة الغارديان البريطانية السابق آلان روسبريدجر، والذي جاء فيه أن "الصحف ظلت تبيع الأخبار بشكل متزايد للقراء، لكنها تبيع أيضا القراء للمعلنين".

ولعل الجانب غير الذهبي في ذلك العصر تمثل في أن الصحف القوية استهدفت القراء الذين يستطيعون الإنفاق بسخاء على شراء السلع الاستهلاكية، بغية إرضاء المعلنين لديها.

جدل الأهمية
ويعتبر كتاب "لم يعد ذا أهمية صحفية" لمؤلفه كريستوفر مارتن، بمثابة شكوى من موت الصحافة بالنسبة للطبقة العاملة. ويُكرس الكاتب فصلا كاملا للاقتباس من إعلانات نشرتها الصحف في مطبوعات تجارية لتتباهى بثراء جمهور قرائها.

وفي زماننا هذا، أصبح الصحفيون من ذوي الياقات البيض الذين يحصلون على أجور أكبر من ذي قبل، وتلقوا على الأرجح تعليما جامعيا حتى أنهم بدؤوا يعتبرون أنفسهم مهنيين يتمتعون باستقلالية مكّنتهم من مساءلة المسؤولين في الدولة.

إن الاعتقاد بأن العديد من القراء في الولايات المتحدة كانوا ينظرون إلى الصحيفة على أنها وعاء معلومات متنوعة، يستقون منها نتائج مباريات الجامعات والكليات وجداول البورصة ومواعيد عرض الأفلام وأخبار الطقس، أو أن البعض يتصفحها ليقرأ الإعلانات؛ بدا كأنه قول سخيف.

تحدي الإنترنت
وعندما ظهرت الإنترنت بشكلها الشعبي العام كوسيلة لتبادل المعلومات في تسعينيات القرن الماضي، اعتبرها كثير من الصحفيين بمثابة "هبة من الله"، وكان بإمكان أي صحيفة أن تتحول من نسخة مطبوعة إلى وسيلة رقمية تصل إلى أكبر عدد من القراء دون تكلفة تذكر، وتوفر عناء طباعة وتوزيع النسخة الورقية.

ولعل ما لم يدر في خلد الناس آنذاك أن محرك بحث جيد قد يمكنه جذب جمهور أكبر دون الحاجة لإنتاج أي مواد صحفية أصلية مطلقا، أو أن شبكة تواصل اجتماعي بمحتواها الذي أنتجه أساسا مستخدموها أنفسهم، يمكنها أن تعيد تكرار نفس العمل.

ولأن الإنترنت وسيط ديمقراطي (غير مركزي) وغير رسمي -بحسب كاتب المقال- فلا بد أن يكون لها مدونون إلى جانب المراسلين التقليديين، لكن هذا وحده ليس كافيا، إذ يتعين أن تُضخ فيها كميات وافرة من المواد بواسطة جيوش من مساهمين لا يتلقون أجورا.

حسابات الربح
وقد اهتدت شركتا غوغل وفيسبوك إلى وسيلة لربط المعلنين بزبائن محتملين على نحو أكثر فعالية وأرخص تكلفة مما كانت تضطلع به الصحف، واستشهد دان كنيدي في كتابه "عودة المغول" بمثل ساقه نيكو ميلي النائب السابق لناشر صحيفة لوس أنجلوس تايمز، أن نشر إعلان تجاري على صفحة كاملة كان يكلف نحو خمسين ألف دولار، بينما الإعلان الرقمي الذي يخاطب جمهورا مماثلا لا تتجاوز تكلفته سبعة آلاف دولار، أما الإعلان المنتج وفق برامج غوغل للنشر في موقع صحيفة نيويورك تايمز الإلكتروني فقد يدر عليها مبلغ عشرين دولارا فقط.

وعندما ألغت إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغان معظم القيود القديمة على إصدار التراخيص الإذاعية -وهو الإجراء الذي أدى إلى ظهور وسائل إعلامية يمينية التوجه مثل شبكة فوكس نيوز وإذاعات أخرى- لم يثير ذلك شكاوى كثيرة.

وكان أن أتاحت الإنترنت فرصة أخرى أمام أصوات متعددة للتعامل مع وسائط تواصل جماهيرية، كما منحت المستهلكين مزيدا من الخيارات.

ثورة المعلومات
ثم إن ثورة المعلومات التي تلت ذلك بما أفرزته من مواد أُنتجت طوعا، مكّنت غوغل وفيسبوك من استقطاب جمهور أكبر بكثير مما استطاعت شركات الإعلام التقليدي تحقيقه، وذلك دون استحداث أي محتوى من جانبها سوى برمجيات تضع المستخدمين في طريق المواد التي يرونها مفيدة أو مسلية، والبعض منها في شكل أخبار.

ويخلص نيكولاس ليمان في مقاله إلى أن الصحافة استفادت من شتى أشكال الإعانات المالية والدعم والهبات. ولعله ليس من قبيل الصدفة أن صحفا مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست وول ستريت جورنال، كانت تحت ملكية وإدارة عائلات بعينها تحكمها دوافع ومهام وليس الرغبة في جني أقصى الأرباح.

غير أن ملكيات تلك الصحف تحولت إلى جيل جديد من المليارديرات، من أمثال جيف بيزوس وباتريك سون شيونغ ومارك بنيوف الذين آثروا على ما يبدو الاضطلاع بنفس دور ملاكها السابقين.

على أن ليمان يحذر من أن أولئك الرعاة الأثرياء لا يمكن التنبؤ بما سيفعلونه، إذ إن جلّ همهم ينصب على اقتناء ممتلكات ذات قيمة عالية ثم لا يكونون مع مرور الأيام بكرم سابقيهم وقد لا يلتزمون باستقلالية السياسة التحريرية على نحو ما يأمله منهم العاملون في مؤسساتهم الصحفية.

إن ما حدث للصحافة في القرن الحادي والعشرين هو نسخة -ربما أكثر تطرفا- مما وقع في العديد من الميادين، ثم إن الثقة العمياء في أن قوى السوق والتقنيات الحديثة ستنتج دوما مجتمعا أفضل، نجم عنها مزيد من الظلم وتهور في تفكيك التقاليد القائمة ذات القيمة العالية وفجوة متزايدة في مقدار التأثير والازدهار والسعادة بين المدن المهيمنة والأقاليم في الولايات المتحدة.

إن الآثار السياسية المترتبة على ذلك تبدو جلية بشكل مؤلم في مجال الصحافة في الولايات المتحدة ومناطق أخرى.

ويختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الصحافة حالة تستدعي الأخذ بحزمة جديدة كاملة من التدابير، وطريقة أخرى في التفكير بغية إيجاد حل للأزمة الراهنة.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

ما هو مستقبل الصحافة المكتوبة؟ وما طبيعة التطور الذي أنتجته التقنيات الحديثة خاصة الإنترنت على جمهورها؟ ثم ما مدى تأثر استقلاليتها ورواجها بالأجواء السياسية؟ تلك الأسئلة وغيرها حاول الإجابة عليها حشد من الإعلاميين في مؤتمر تطوير الإعلام بالقاهرة أمس.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة