عـاجـل: الخارجية الليبية: الخطة المقترحة من الاتحاد الأوروبي لحظر تدفق الأسلحة لليبيا ستفشل خاصة بالمنطقة الشرقية

مدينة آبل الفاضلة.. الدين والفلسفة والتكنولوجيا في مخيلة ستيف جوبز

ستيف جوبز يتحدث في مؤتمر صحفي عام 2007 (ويكي كومنز)
ستيف جوبز يتحدث في مؤتمر صحفي عام 2007 (ويكي كومنز)

في كتابه "مدينة آبل الفاضلة.. الإعلام والمخيلة الدينية لستيف جوبز"، يستجلي المؤلف بريت تي روبنسون النفوذ الديني على المخترع الأميركي ستيف جونز، ومدى تأثير ذلك في تشكيل بنية شركة آبل التي كان أحد مؤسسيها. 

أغرت شخصية ستيف جوبز الكثيرين بعقد العديد من المقارنات خلال مسيرته المهنية، وشبهته صحيفة "نيويورك تايمز" بمخترع المصباح الكهربائي توماس إديسون، بينما وصفه آخرون بليوناردو دافنشي المعاصر.

ويرى روبنسون -وهو أستاذ مادة التسويق الزائر بجامعة نوتردام- أن ثمة قواسم كثيرة مشتركة بين جوبز (توفي في أكتوبر/تشرين الأول 2011) والفيلسوف والمخترع بنجامين فرانكلين الذي اشتهر كأحد أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

وورث جوبز -حسب مقال "لوس أنجلوس تايمز" في ملحقها الخاص بعرض الكتب- من فرانكلين الروح البروتستانتية التي تمزج بين الأخلاق الدينية وأفكار الرأسمالية، ويتجلى ذلك في دمج التكنولوجيا بفلسفة "التسامي". ومثل فرانكلين، رأى جوبز في عمله رسالة ذات مغزى أخلاقي.

مئات من الأتباع المخلصين لمنتجات آبل يصطفون في طوابير طويلة لشراء هاتف آيفون جديد (الأناضول)

 خطاب ديني
ويرى المؤلف أن عملاق التكنولوجيا انشغل ببناء نمط سردي قصصي لشعار شركة آبل للحواسيب ربما يكون مستوحى من الخطاب الديني، وأنتج صورا أيقونية مثيرة للعواطف، وأسس ما يشبه "طائفة من ملايين الأتباع المخلصين"، بحسب تعبير روبنسون.

وزاوج جوبز -مثلما فعل فرانكلين- بين الأسلوب الشاعري في الترويج والدعاية وبين مهارة التصميم من أجل وضع تصور جديد لتكنولوجيا ظلت لعقود ميدانا خاصا بعلماء حاسوب يتسمون بالصرامة. ومنذ تلك اللحظة، شكلت شركة آبل طريقة تواصل الناس مع بعضهم بعضا.

لقد كانت الحواسيب صنعة جوبز، إلا أن أثر الدين عليه اختلف كثيرا عن تأثيره على سلفه فرانكلين. فقد كان جوبز في بادئ الأمر بروتستانتيا في الظاهر فقط، قبل أن يتخلى عن الديانة المسيحية في بواكير شبابه.

وما لبث مؤسس آبل أن التمس الاستنارة في أديرة الهند الدينية ومن معلمي ديانة الزن البوذية (ديانة يابانية معروفة بممارسة التأمل) في شمال كاليفورنيا، وكذلك في رحلته للبحث عن معنى سيشكل فيما بعد شخصيته ويصوغ روح تقنية آبل لسنوات قادمة.

غلاف كتاب "مدينة آبل الفاضلة.. الإعلام والمخيلة الدينية لستيف جوبز" (مواقع التواصل)

روح التقنية
لم تكن روح تقنية آبل بروتستانتية بل كاثوليكية بالمعنى الإغريقي للمصطلح، أي أنها روح عالمية الطابع تروق للجميع. ويرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جاك إلول أن "التكنولوجيا كاثوليكية لأنها بدأت تصبح لغة عالمية مفهومة لكل البشر".

وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي، ردد الناقد الأدبي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو وجهة نظر إلول الفلسفية، بأن قارن بين أنظمة تشغيل الحواسيب والنظم العقائدية.

حرب دينية
يقول الكتاب إن الصراع من أجل التفوق التقني "لم يكن يقلّ عن حرب دينية خفية جديدة غيّرت العالم الحديث". وتوفر قراءة إيكو السيميائية (دراسة العلامات والرموز) لأنظمة تشغيل آبل ومايكروسوفت لمحة عن التأثيرات الدينية الكامنة في "ماكينات التفكير الذكية"، ويعني بها أجهزة الحاسوب.

بيد أن جوبز رأى أن واجبه يقوم على مساعدة العالم لكي "يفكر بشكل مختلف"، مستخدما التكنولوجيا وسيلة لإعادة تدريب العقل البشري، ومن ثم كان شعار حملته الدعائية "فكِّر بشكل مختلف" بمثابة طلقة موجهة إلى عملاق الحواسيب شركة "آي.بي.أم" التي كان شعارها من كلمة واحدة هي "فكِّر".

وكانت "آي.بي.أم" تمثل عند جوبز كل ما هو خاطئ في العقلية التراتبية الغربية. وبعد زيارته الهند وهو في العشرينيات من عمره، أصيب بخيبة أمل في ميل الغرب نحو تفضيل العقل على الحدس أو البديهة.

"فكر بشكل مختلف"
وقف جوبز على أسلوب التعامل الفطري للقرويين والمعلمين الروحيين الهندوس في الشرق، وتوصل إلى قناعة بأن الغرب يفتقر إلى الاستنارة رغم كل ادعاءاته الفلسفية.

واعتبر أن الحاسوب يشبه إلى حد كبير عقل الإنسان، ومن ثم بالإمكان تصميمه بطريقة ترجح كفة الحدس والإبداع.

وفي 1985، أي بعد عام من طرح جهاز "ماكينتوش"، التقى جوبز بفنان البوب الأميركي آندي وارهول في حفل عيد ميلاد سين ابن المغني في فرقة البيتلز الشهيرة جون لينون.

وكان هناك توافق بين جوبز ووارهول بحسب الكتاب، إذ مال الاثنان إلى الجمع بين جماليات الطقوس الدينية وأشكال التعبير الفني. ومضى وارهول قدما في مزجه الفريد بين جماليات المذهب الأرثوذكسي وفن البوب، كما مزج بين ميوله الروحية والثقافية جامعا حوله طائفة من الأتباع، شأنه في ذلك شأن جوبز.

إلهام ديني
وتتجلى العلاقة بين الجماليات والتصور الأخلاقي أكثر ما تتجلى في الفلسفة، كما أنها وجدت طريقها إلى الأدب والفن والشعر والدراما والسينما، فلماذا إذن لا تُطبق أيضا في الإعلانات على المنتجات التكنولوجية؟

يكشف التأمل في حملة "آبل" الإعلانية عن حزمة من المعتقدات الشعبية، ويقول خبير التسويق دوغلاس هولت إن العلامات التجارية يكون لها فعل السحر عندما تستخدم الخيال والمجاز، وعبر لغة الإعلان المجازية والاستعارات تستطيع العلامات التجارية صياغة رؤية شائعة حول المنتج.

وبهذه الطريقة، تجعل العلامة التجارية من المنتجات العادية نماذج يندفع نحوها المستهلكون بتلقائية، بحسب الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة بايلور عام 2013.

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت سوق التكنولوجيا بحاجة إلى لغة مجازية جديدة، إذ كان هناك التباس حول ما إذا كانت النظرة المستقبلية للتكنولوجيا الشخصية ستعني انعتاقا خلاّقا أم استرقاقا إلكترونيا.

وبالنسبة للمستخدم غير الخبير فإن الحاسوب لا يعدو أن يكون صندوقا سحريا غامضا، فقدرته على إجراء العمليات الحسابية كانت كافية لإثارة الدهشة. ولكن مع بزوغ حقبة الحاسوب الشخصي، استطاع علماء الحواسيب حل المعادلات المعقدة في زمن قياسي، إلا أنهم افتقروا إلى اللغة البيانية اللازمة لتوصيل فوائد تلك الآلة الثورية إلى الجمهور الذي ما يزال أغلبه يجهلها.

ثورة الحواسيب
لقد مثل إعلان شركة "آبل" للترويج لجهاز "ماكنتوش" الجديد -الذي عُرض يوم 22 يناير/كانون الثاني 1984 أثناء المباراة النهائية في دوري كرة القدم الأميركية المعروفة باسم "السوبر بول"- بداية عصر ثورة الحاسوب.

ويُعتبر ذلك الإعلان نقطة فارقة في مهنة الدعاية، وواحدا من أنجح الإعلانات المحفوظة في التلفاز الأميركي على الإطلاق.

ويبدو أن وعد "آبل" بتقديم المعرفة الشاملة والحرية الخلاّقة يمكن تفسيره أيضا بأنه "نمط جديد من الرق يولِّد شرهًا لا حكمة"، حسب تعبير مقال "لوس أنجلوس تايمز" في ملحقها الخاص بعرض الكتاب.

المصدر : الجزيرة,الصحافة الأميركية