المصالحة الثقافية ممكنة في قره باغ.. هل ستقدم أذربيجان نموذجا جديدا في حماية التراث؟

كنيسة ودير غانجاسار في قره باغ عُدّت مركزا لألبان القوقاز قبل أن تسعى الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية للهيمنة عليها (الفرنسية)
كنيسة ودير غانجاسار في قره باغ عُدّت مركزا لألبان القوقاز قبل أن تسعى الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية للهيمنة عليها (الفرنسية)

منذ العصور القديمة كانت قره باغ مثل مجمل مناطق نهري كورا وآراس في القوقاز مركزا للحضارة والثقافة، ولا تزال العديد من الآثار القديمة التي تعود إلى حقبة ألبان القوقاز (أران) من القرن الرابع قبل الميلاد حتى بداية القرن الثامن، وما تلاها من حقب أذرية وأرمنية ومغولية وتركية حتى العصر الحديث باقية في المنطقة التي توصف بأنها كانت أشبه بمتحف مفتوح يضم العديد من الأديرة والكنائس والأضرحة والمساجد والبيوت العريقة.

وفي تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) الأميركية، يقول الكاتب هيو إيكن إن القوات الأرمينية دمّرت مدينة آغدام الأذربيجانية في التسعينيات، في حين تؤكد الحكومة الأذرية أن المساجد والمواقع الإسلامية التي كانت تحت السيطرة الأرمينية أُهملت أو دُنّست، ويرى الكاتب -في المقابل- أن الحكومة الأذرية شنت بين عامي 1997 و2006 حملة مدمرة ضد التراث الأرميني في نخجوان.

وفي الوقت الحالي الذي استعادت فيه أذربيجان الأراضي التي فقدتها سابقا، يقول الكاتب إن هناك مشكلة من نوع خاص تفرض نفسها: كيف يمكن إقناع حكومة برعاية تراث شعب آخر لا يشاطرها المعتقدات ذاتها؟

اتفاقية لاهاي

يرى الكاتب في هذا الإطار أنه في أي حرب أو صراع بين طوائف مختلفة ينبغي أن يكون الحفاظ على الآثار ضرورة ملحة، وأن يأتي في سلّم الأولويات مباشرة بعد إنقاذ الأرواح وحماية رفاهية البشر، إذ إن مصير المواقع ذات البعد الثقافي مهم لدعم جهود السلام على المدى البعيد.

وقد تركزت الجهود الدولية منذ مدة طويلة على حماية الآثار خلال الحروب والنزاعات المسلحة. وبعد الدمار الواسع الذي حلّ بالمتاحف والمكتبات والأعمال الفنية خلال الحرب العالمية الثانية، وُقّعت اتفاقية لاهاي عام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح، وصادقت عليها أكثر من 130 دولة.

وقد دفعت الهجمات المتعمدة على المعالم الأثرية، مثل القصف الكرواتي لجسر موستار القديم في البوسنة عام 1993، وقيام طالبان بتفجير تمثال بوذا بالديناميت في أفغانستان عام 2001، قادة العالم والمنظمات الدولية إلى العمل على تعزيز الإطار القانوني لحماية الإرث الثقافي.

وفي عام 2002 أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وتم تصنيف التدمير المتعمد للتراث الثقافي ضمن جرائم الحرب.

وفي عام 2008 بعد الغضب الواسع جراء عمليات النهب والتدمير في المواقع الأثرية العراقية عقب الغزو الأميركي، صادق مجلس الشيوخ على انضمام الولايات المتحدة لاتفاقية لاهاي.

ويضيف الكاتب أن منظمة اليونسكو أطلقت في الآونة الأخيرة حملة رفيعة المستوى لمواجهة ما وصفته إيرينا بوكوفا، المديرة العامة السابقة للمنظمة، "بالتطهير الثقافي" من قبل المتطرفين. وفي عام 2016 أدانت المحكمة الجنائية الدولية جهاديا من مالي بارتكاب جرائم حرب بسبب هجمات على مسجد دجينغاربير الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ14، ومواقع أخرى في تمبكتو شمالي مالي.

وقد دعت حكومات عدة في العام ذاته إلى إنشاء "شبكة دولية من الملاذات الآمنة" لحماية الممتلكات الثقافية المعرضة لخطر هجمات وشيكة. وأثار تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير/ كانون الثاني الماضي باستهداف مواقع ثقافية في إيران ضجة كبيرة وردود فعل من داخل البنتاغون.

الحكومات متورطة أيضا

وحسب الكاتب، فإن تدمير المواقع الثقافية ليس حكرا على الجماعات المتطرفة أو القوات العسكرية أثناء النزاعات المسلحة، بل إن بعض الحكومات قامت بدورها بمثل هذه الممارسات بشكل منهجي.

ومن ذلك ما قامت به الصين ضد الأديرة التبتية في الحقبة التي تلت سيطرتها على الإقليم. كما قام جيش ميانمار منذ 2012 بهدم مئات المساجد والمدارس الإسلامية في منطقة راخين، في إطار حملته الوحشية ضد مسلمي الروهينغا. وقبل بضعة أشهر وضع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المعروف بتوجهاته الهندوسية حجر الأساس لمعبد هندوسي في موقع مسجد بابري الذي يعود تاريخه إلى القرن الـ16، والذي دمرته مجموعة من الهندوس عام 1992.

وفي عام 1992 دمرت القوات الجورجية العديد من المواقع الثقافية الأبخازية، بما في ذلك الأرشيف الذي يوثق جزءا مهما من تاريخ المنطقة. وفي خضم كل ذلك، يقول الكاتب إن الأمم المتحدة والولايات المتحدة والدول الأوروبية تكتفي بالصمت، كما أن منظمة اليونسكو لا تتدخل، خاصة أن جانبا من تمويلها يأتي من حكومات تقوم بهذه الممارسات.

أمثلة تاريخية على حماية المواقع الأثرية

يرى الكاتب أن الكنوز التاريخية والمواقع الأثرية في ناغورني قره باغ لا ينبغي أن تكون عرضة للتدمير بعد انتهاء الحرب الأخيرة، وينبغي أن تنتقل دون مشكلات من السيطرة الأرمينية إلى سيطرة الحكومة الأذرية مثلما حدث سابقا لمعالم تاريخية بارزة.

ويذكر الكاتب في هذا السياق معبد البانثيون في روما الذي يعد من بين أهم المعابد الوثنية في العصور القديمة، والذي بقي صامدا إلى يومنا هذا بفضل الكنيسة الكاثوليكية التي تبنّته في القرن السابع الميلادي. وبعد فتح القسطنطينية حافظ السلطان العثماني محمد الفاتح على آيا صوفيا مسجدا. وأثناء فترة "الإصلاح البروتستانتي" عارض مارتن لوثر تدمير معالم الفن الكاثوليكي في ألمانيا، رغم جهوده في القضاء على العقيدة الكاثوليكية.

ويؤكد الكاتب أن سكان محافظة إدلب السورية التي تسيطر عليها المعارضة قاموا خلال سنوات الحرب الحالية بحماية لوحات الفسيفساء التي تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، والمباني الأثرية، وعدّوها جزءا لا يتجزأ من هويتهم.

وفي قبرص أُنشئت عام 2012 لجنة مشتركة بين شطري الجزيرة لرعاية الآثار المهددة. وبتمويل من الاتحاد الأوروبي وبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة اشترك الطرفان في ترميم الكنائس والمساجد والحمامات والقنوات والتحصينات القديمة. كما سارعت الطائفة الأرثوذكسية اليونانية إلى إدانة الهجمات التي استهدفت عددا من المساجد في أراضي قبرص اليونانية.

وفي ناغورني قره باغ لا تزال المصالحة الثقافية ممكنة -وفقا للكاتب- رغم الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث أظهر الجانبان وعيهما بقيمة المواقع الثقافية والإرث الحضاري. ففي عام 2019 أعاد الأرمن ترميم مسجد شهير يعود إلى القرن الـ19 في مدينة شوشة. وفي خطابه الأخير، أقر علييف بأهمية الكنائس الموجودة في المنطقة، حتى وإن نفى أصلها الأرمني (مؤكدا أن الكنائس تنتمي إلى أسلاف الأذريين القدامى).

وفي سبيل تأمين المواقع الثقافية في المنطقة، قامت روسيا بنشر قوات حفظ سلام في دير داديفانك، وتضغط على أذربيجان لحماية الآثار الأرمينية الأخرى الخاضعة لسيطرتها بموجب الاتفاق الأخير، حسب مقال الكاتب.

أصول النزاع

يعود أصل الصراع الأذربيجاني الأرميني إلى بداية القرن الـ20، فخلال حقبة الاتحاد السوفياتي قرر جوزيف ستالين إنشاء منطقة حكم ذاتي أرمنية في "قره باغ"، داخل حدود جمهورية أذربيجان السوفياتية.

وعمد ستالين حينها إلى توطين العديد من الأرمن في مناطق مختلفة من "قره باغ"، لتبدأ سياسة الروس هذه تؤتي ثمارها الدموية في التسعينيات.

وعندما بدأ الضعف يسري في بنية الاتحاد السوفياتي طالب الأرمن بنقل "قره باغ" من سيادة أذربيجان السوفياتية إلى أرمينيا السوفياتية، فتحول الصراع بين الجانبين إلى حرب واسعة النطاق في أوائل التسعينيات.

واحتل الأرمن بدعم من موسكو مدينة خانكندي الأذربيجانية (ستيباناكيرت) (أكبر مدن قره باغ) عام 1991، ثم مدينتي شوشة وخوجالي عام 1992.

وبعدها استولى الأرمن على لاجين، وخوجه وند، وكلبجار، وآغدره، ودخلوا آغدام عام 1993، تبع ذلك احتلال محافظات جبرائيل وفوزولي وقوبادلي وزنكيلان، قبل أن تعيد الحرب الأخيرة رسم خريطة الإقليم وسكانه.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية + نيويورك تايمز

حول هذه القصة

توصف عمارة قره باغ بأذربيجان بالاستثنائية فقد تطورت هندستها المعمارية المميزة ذات القيمة الفنية والتاريخية المهمة منذ آلاف السنين، ما يجعلها أشبه بمتحف تاريخي ومعماري مفتوح يضم آثارا إسلامية ومسيحية.

26/11/2020

سنة 1918 وُلدت “الجمهورية الترانسقوقازية الديمقراطية الاتحادية” التي لم تعمر طويلا، إذ انحلت لمكوناتها الجورجية والأذرية والأرمنية، وتشكل هذه الشعوب فسيفساء القوقاز المعقدة.

13/11/2020

في رحلة وتجوال استمرا 10 سنوات رصد المهندس المعماري محمد أمين يلماز قيام 18 بلدا كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية بتحويل 329 معلما أثريا -معظمها جوامع ومساجد بالإضافة لتكايا وأضرحة- إلى كنائس.

18/7/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة