عام الخيال السياسي الراديكالي.. هل غيّر 2020 نظرتنا للعدالة الاجتماعية؟

متظاهرون في ألمانيا ضد إجراءات مكافحة كورونا في مطلع الشهر الجاري (الأوروبية)
متظاهرون في ألمانيا ضد إجراءات مكافحة كورونا في مطلع الشهر الجاري (الأوروبية)

غيّرت حركات الاحتجاج الجماهيرية نظرة العالم لقضايا العدالة الاجتماعية، وساهمت في انبثاق فكر جديد يتحدى الأنماط السائدة، وكثيرا ما ترتبط هذه التغيرات بأحداث عالمية مثل الأوبئة، كما حدث من قبل في تاريخ البشرية ويحدث بشكل أو بآخر في زمن الجائحة التي غيّرت الكثير من أنماط حياة الشعوب المعاصرة.

في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times)‏ الأميركية، تصف الكاتبة الروسية ناديا تولوكنو عام 2020 الذي كان حافلا بالأحداث المأساوية، على غرار جائحة كورونا، والاحتجاجات الجماهيرية المنددة بالقمع الذي تتعرض له الأقليات العرقية، بـ"عام الخيال السياسي الراديكالي" الذي يمكن أن يدفعنا إلى التعامل بجدية مع أحلامنا ويلهمنا التفكير في مستقبل أفضل.

تقول الكاتبة في هذا السياق "لقد شاهدنا المتظاهرين في جميع أنحاء العالم يختنقون بالغاز المدمع، ويفقدون بصرهم جراء الرصاص المطاطي، ويتعرضون للتعذيب، وفي بعض الحالات، يموتون. لقد حاولنا يائسين العثور على أحبائنا في صفوف المعتقلين والمسجونين بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات السلمية"، وتلفت النظر لانخراط فنانين وموسيقيين في السياسة.

أسئلة ملحّة

وترى الكاتبة من واقع تجربتها أن التغيير لا يحدث بين عشية وضحاها، لكنه يأتي في الوقت المناسب عبر خطوات صغيرة تؤدي في النهاية إلى تغييرات مستدامة وعميقة، مثلما حدث عقب وفاة المواطن الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد في 25 مايو/أيار الماضي.

وأطلقت وفاة فلويد واحدة من أكبر الحركات الاجتماعية في تاريخ الولايات المتحدة. وأشارت استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 15 إلى 26 مليون شخص في الولايات المتحدة شاركوا في مظاهرات "حياة السود مهمة" في الأسابيع التي أعقبت وفاة فلويد.

وتعتقد الكاتبة أن حركة "حياة السود مهمة" سيكون لها تأثير عميق على الطريقة التي ننظر من خلالها إلى العدالة في عام 2021 والأعوام المقبلة، ويشمل ذلك العدالة العرقية والاقتصادية والبيئية، ناهيك عن العدالة بين الجنسين.

وحسب رأيها، فإن "الحركات الاجتماعية الجماهيرية التي انطلقت عام 2020، علمتنا أن نفكر على نحو شامل ومتعدد الجوانب، وأن نطرح أسئلة مهمة ونتخيل مستقبلا مشرقا".

ومن المسائل المهمة التي يجب أن تُطرح وفقا للكاتبة، إعادة التفكير بشكل جذري في الأمن العام، والطرق الكفيلة بتخفيف القبضة الأمنية وتحكُّم السلطات في حياة الأفراد، وإمكانية توجيه جزء من ميزانيات الشرطة والأمن نحو دعم البرامج الموجهة للفئات المهمشة، وإسناد بعض المسؤوليات الأمنية للاختصاصيين الاجتماعيين.

وتتساءل الكاتبة عما إذا كان الوقت قد حان لتفكيك سلك الشرطة وإلغاء السجون التي تستغل المساجين في أعمال مجانية كشكل من أشكال العبودية.

وترى أن الحكومات، وخاصة الأنظمة الاستبدادية، تعاملت بقدر كبير من الريبة مع موجات الاحتجاج الاجتماعي و"الخيال السياسي الراديكالي الشجاع". وقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحتجين المطالبين بالعدالة بأنهم "إرهابيون"، وأكد أنه يجب السيطرة عليهم. وفي روسيا، يعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أن أي انتقاد توجهه إليه، يجعل منك عدوا للدولة.

وتؤكد الكاتبة أن تعامل الحكومات مع هذه الاحتجاجات بقوة مفرطة مع عدم توفير أي حماية للمتظاهرين السلميين، دفع المحتجين في الشوارع إلى الإصرار على المقاومة. وأبرز الأمثلة على ذلك خلال العام الجاري، الاحتجاجات والحركات الجماهيرية المناهضة للعنف الذي تمارسه الشرطة في هونغ كونغ ولبنان وبريطانيا وفرنسا.

كورونا والواقع الافتراضي

رغم أن فيروس كورونا قلّص كثيرا من قدرة النشطاء على التحرك في الشارع، فإنه علّمنا -كما تقول الكاتبة- طرقًا جديدة في التعبير عن قضايانا وبأشكال أكثر فعالية.

وتشير الكاتبة في هذا السياق إلى أنها تعمل حاليا على ما يُطلق عليه "صحة الإنترنت"، لنشر الوعي بين النشطاء حول أفضل السبل لاستخدام الأدوات الرقمية والوقاية من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية.

وتعتبر هذه الأدوات في غاية الأهمية حسب رأيها، لأن الصور ومقاطع الفيديو عبر الإنترنت تتمتع بقدرة استثنائية على مواجهة الدعاية والأخبار الكاذبة التي تنشرها السلطات لمواجهة الحركات الاحتجاجية.

وتختم الكاتبة بأن النشاط المنظم والسلمي هو الطريق الأمثل الذي يمكن أن يقربنا من تحقيق عالم ديمقراطي في عام 2021 وفي السنوات المقبلة.

سلطة الدولة

وفتحت أحداث الجائحة الباب واسعا أمام جملة من القضايا المرتبطة بتدخل الدول في الحياة الخاصة لمواطنيها، عندما يكون الهدف حمايتهم من المرض، وتقول أليخاندرا مانسيلا -الأستاذة المشاركة في الفلسفة السياسية بجامعة أوسلو- إن هذه الأسئلة تنبني على تصور المرء لدور الحكومة.

وتتابع "حتى إذا تم اتخاذ إجراءات استثنائية، فسيتم اتخاذها لأن الناس قد سمحوا لهم بهذا النوع من المواقف، ومع ذلك، يتألف "الشعب" من عدد لا يحصى من الأفراد ذوي الآراء المختلفة، لذا فإن التقليد الليبرالي سرعان ما سيواجه مشاكل في أزمات كهذه، حيث لن تفي السلطة أبدا بإرادة الجميع، وحيث يمكن للمعارضين تحييد وحتى العمل ضد إجراءات الحكومة".

في المقابل، يرى التقليد الكونفوشيوسي أن الحاكم شخصية شبيهة بالأب، والمحكومين أشبه بالأطفال الذين يدينون له بالطاعة والاحترام، وهو ما يسهل اتخاذ قرارات استثنائية، بحسب تقرير مجلة علوم النرويج بالشراكة مع جامعة أوسلو.

وفقا لمانسيلا، تصبح الفلسفة ذات صلة وثيقة بحالات الأزمات لأن العلاقة بين الناس وقوة الدولة تخضع للاختبار، وترى أنها تسلط الضوء على المشكلات التي لم يتم اعتبارها مشكلات من قبل، أو يمكن أن تقوم بتذكيرنا بالمشكلات الجديدة "التي لا تعد جديدة حقا".

وكان فيلسوف القرن التاسع عشر جون ستيوارت ميل قد كتب مدافعا عن مبدأ الضرر باعتباره المبرر الوحيد لتدخل الدولة في الحياة الخاصة للمواطنين، لكن تعريفه للضرر كان غامضا ومتقادما، ويبدو غير فعال في زمن كورونا.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية + نيويورك تايمز

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة