جمهوريات وبابوات واستعمار.. جذور العلمانية الفرنسية وتفاعلاتها التاريخية مع الإسلام

متظاهر يرفع ورقة تحمل الشعار الفرنسي "الحرية والمساواة والأخوة" في تجمع ضد إسلاموفوبيا في الساحة الرئيسية في تولوز (غيتي)
متظاهر يرفع ورقة تحمل الشعار الفرنسي "الحرية والمساواة والأخوة" في تجمع ضد إسلاموفوبيا في الساحة الرئيسية في تولوز (غيتي)

طوال العصور الوسطى، كانت الكنيسة الكاثوليكية قوة اجتماعية وسياسية مهيمنة في أوروبا الغربية. كما كانت لفرنسا مكانة خاصة بحكم أنها كانت الابنة الكبرى للكنيسة بعد ذلك، أصبحت العلمانية هي الأيديولوجية المهيمنة داخلها.

ولدى مؤيدي العلمانية ومعارضيها وجهات نظر مختلفة تشرح مسار تطورها في فرنسا، وهو ما يشير إليه المؤرخ الفرنسي إميل بولات بقوله "علمانيتنا لها تاريخ واحد وذاكرتان"، وينظر مؤرخون لمسار العلمانية الفرنسية بأنه عملية متدرجة، معتبرين فترة ما بعد الثورة (1789-1806) بمثابة الخطوة الأولى في مسار علمنة السياسة، بينما تشكل الإصلاحات العلمانية للجمهورية الثالثة (1881-1905) الخطوة الثانية.

ويرى أحمد كورو أستاذ العلوم السياسية بجامعة سان دييغو في كتابه "العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا" أن الطرحين ليسا متعارضين، وأثناء دراسة الهيمنة الأيديولوجية للعلمانية الحازمة حسب تعبيره، يعتبر كورو أن مطلع الجمهورية الثالثة (1875-1905) شكل منعطفًا حاسمًا للعلمانية داخل فرنسا.

ويقول كورو للجزيرة نت إن النهج القائم على الاستمرارية مهم أيضًا لنقطتين، الأولى أن الثورة الفرنسية (1789-1801) شكلت البناء الأيديولوجي لبناء الدولة العلمانية في أوائل الجمهورية الثالثة، لما تحمله من أهمية، وهو ما يؤكده المؤرخ الأميركي مارشال هودسون في الجزء الثالث من موسوعته "مغامرة الإسلام" (Venture of Islam)، حيث يرى أن أوروبا عرفت تحولين ثقافيين مصيريين، هما الثورة الصناعية من جهة والثورة الفرنسية من جهة أخرى.

من الثورة إلى الكونكوردات (1789-1801)

في فرنسا قام النظام الملكي بتقديس الكنيسة الكاثوليكية، لكن الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 ألغت النظام الملكي لتنهي العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والدولة، إلا أنها لم تستطع تأسيس بديل مستقر، وبالتالي واجهت فرنسا الفوضى الداخلية جراء التوتر الذي كان بين الدولة والدين لأكثر من عقد.

في يوليو 1790، أقرت الجمعية الوطنية القانون المدني لرجال الدين، الذي سعى إلى إنشاء كنيسة وطنية مستقلة عن البابا.

تطلب الأمر انتخاب أعضاء الكنيسة الأساقفة والكهنة الذين يؤدون يمين الولاء للدولة، وهو ما أجبر الكهنة على الاختيار بين الولاء للدولة أو البابا. ورغم أن نصف رجال الدين أقسموا بالولاء لدولة، فإن آخرين رفضوا تسليم ولائهم للدولة ليتركوا فرنسا.

هذا العداء بين الجمهورية الفرنسية والكنيسة البابوية تجاوز الحدود الفرنسية، لتستولي القوات الفرنسية على الباباوية عام 1798، وتحدد إقامة البابا في الجنوب الفرنسي حتى وفاته.

واستمرت مناهضة رجال الدين في الدولة الفرنسية إلى حدود مرحلة كونكوردات عام 1801، ويشير مصطلح كونكوردات إلى الاتفاقات بين الكرسي الرسولي للبابوية والدولة.

من الكونكوردات إلى الجمهورية الثالثة (1801-1870)

وقع نابليون بونابرت في 15 يوليو/تموز 1801 على اتفاقية جمعته بالبابا بيوس السابع. ووفقاً للاتفاقية اعترفت الدولة الفرنسية بالكاثوليكية كدين لغالبية الشعب الفرنسي. كما أضفى الاتفاق الطابع المؤسسي على سلطة الدولة الفرنسية على رجال الدين، مما سيجعل الدولة تدفع رواتب رجال الدين وتقوم بتعيين الأساقفة.

علاوة على ذلك، سيقسم رجال الدين قسم الولاء للدولة. كما تنازلت الكنيسة عن المطالبة بأراضيها المصادرة، وأدى الاتفاق إلى تسوية مؤقتة بين المناهضين للإكليروس والكاثوليك المحافظين.

ورغم احتجاج البابا، أصدرت الدولة الفرنسية أيضًا قوانين من أجل تنظيم علاقاتها مع البروتستانت في عام 1802 ومع اليهود في عامي 1808 و1814.

في أعقاب ثورة 1848، ضمنت الكنيسة الكاثوليكية سيطرتها على التعليم. وبذلك أزال قانون فالوكس الصادر في 15 مارس/آذار 1850 القيود المفروضة على التعليم الخاص في عام 1806. وقد سمح للجماعات الدينية، وخاصة الكنيسة، بفتح مدارس خاصة.

في عام 1864، أعلن البابا بيوس التاسع قائمة تتضمن مراجعات للكنيسة شملت علاقتها بالدولة، وأكد وجوب فكرة الانفصال، وأن كل فرد يتمتع بحرية الاختيار الديني. خلال هذه الفترة، كان المناهضون للإكليروس (النظام الكهنوتي للكنيسة) مؤيدين لفكرة الجمهورية، بينما دافع الكاثوليك المحافظون عن فكرة الملكية.

ونظرًا لأن النظام الجمهوري لم يكن قائماً في فرنسا في ذلك الوقت، فقد احتفظت الكاثوليكية بمكانتها المتميزة في الحياة الاجتماعية السياسية الفرنسية.

من الجمهورية الثالثة إلى نظام فيشي (1870-1940)

شكلت هزيمة فرنسا أمام بروسيا في حرب 1870-1871 نهاية الإمبراطورية الفرنسية الثانية. وبالتالي، تم الإعلان عن الجمهورية الثالثة عام 1870.

وانطلاقاً من القوانين الصادرة عام 1875، بدأت العلمانية تتعزز داخل فرنسا. خلال هذه الفترة، استخدم الجمهوريون مصطلح العلمانية باعتباره جوهر طرحهم لمناهضة الإكليروس، ودعوا إلى ضرورة إبعاد الكاثوليكية، على وجه الخصوص، والدين بشكل عام عن المجال العام.

أصدرت فرنسا قانوناً مهماً في مسار العلمانية، وذلك يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 1905، ليعرف بـ "قانون 1905″، حيث تمت صياغة مشروع قانون استوعب جوانب عديدة من الحياة الدينية، ويولي أهمية لحرية الوجدان والعبادة (المادة 1).

وأحبط قانون 1905 الكنيسة بشكل كبير، لأنه أعطى الدولة ملكية جميع الكاتدرائيات الـ87، بالإضافة إلى 40 ألفا و197 كنيسة.

وفي هذا الصدد يرى الأنثروبولوجي طلال أسد في "قوى العلمانية الحديثة: طلال أسد ومحاوروه" (Powers of the Secular Modern: Talal Asad and His Interlocutors) أن امتلاك الدولة لممتلكات الكنيسة يجعل من الدولة تستجيب بشكل مختلف تمامًا للمؤسسات والأعراف الدينية، رغم أنه لا يوجد فصل كامل بين الدولة والدين.

رغم غياب كلمة "العلمانية" في قانون 1905، فإن فيليب غاينوا الباحث الفرنسي في الفكر السياسي يرى في كتابه "اللائكية تاريخ تفرد فرنسي" (La laïcité: Histoire d’une singularité française) أنه نقطة تحول مهمة جعلت فرنسا الجمهورية العلمانية التي نعرفها اليوم.

تأسيس الجمهورية الخامسة (1940- 1958)

وجد الكاثوليك المحافظون فرصة لتحدي العلمانيين خلال نظام فيشي في أعقاب الغزو الألماني عام 1940. حيث كانت ترى حكومة فيشي أنها كاثوليكية، لذلك سعت للقضاء على المنافسين للكاثوليكية، بما في ذلك الشيوعيون وحتى اليهود.

اتبع المارشال فيليب بيتان رئيس فرنسا في حقبة فيشي، سياسات مؤيدة للكاثوليكية، كحفاظه على تمويل المدارس الكاثوليكية، كما أعاد الصلبان في المدارس العامة، وهو ما نال ترحيباً من الصحف الكاثوليكية مثل لاكروا La Croix، في المقابل دانت الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية الجنرال شارل ديغول لمقاومته نظام فيشي.

مع هزيمة ألمانيا عام 1944 انهار نظام فيشي، مما دفع حكومة التحرير لوقف تمويل المدارس الكاثوليكية وإزالة الصلبان من المباني العامة.

بعد انهيار نظام فيشي كانت الكنيسة تميل إلى أن تكون أقل انخراطاً في السياسة، وأدركت الكنيسة وحلفاؤها أن استعادة الملكية لم يعد ممكنًا، لذلك توقفوا عن معارضة فكرة الجمهورية العلمانية.

عندما أصبحت العلمانية مبدأ أساسيًا لدستور عام 1946، لم تعارضه الكنيسة كما فعلت مع "قانون 1905″، بل أصدرت الأسقفية الفرنسية في نوفمبر/تشرين الثاني 1945 إعلانًا يوضح الجوانب المقبولة وغير المقبولة في العلمانية حسب تصورها.

العلمانية الفرنسية والإسلام في مرحلة الاستعمار

هيمنت الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية على مناطق إسلامية عدة من منتصف القرن الـ19 إلى منتصف القرن الـ20. وكانت للجزائر أهمية خاصة بين هذه المناطق، إذ أبقت الدولة الفرنسية الممارسات الإسلامية في الجزائر تحت التحكم الفرنسي، وهو ما يمكن لمسه في عملية تعيين الأئمة والمفتين.

واستمرت هذه السيطرة حتى بعد "قانون 1905" لتكون الجزائر، حسب أحمد كورو، أول فضاء يجمع بين الإسلام وفرنسا العلمانية بشكلها المعاصر.

ظهر أول اعتراف رسمي من الدولة الفرنسية بالإسلام في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بمناسبة إحياء ذكرى الجنود المسلمين الذين قاتلوا مع الجيش الفرنسي أثناء الحرب.

قامت الدولة الفرنسية ببناء مسجد باريس بين عامي 1922 و1926. ليجسد بذلك الوجود الوحيد للإسلام في الأماكن الحضرية الفرنسية حتى السبعينيات، ويؤكد المفكر الفرنسي أوليفييه روا (Olivier Roy) في كتابه "العلمانية في مواجهة الإسلام" (secularism confronts islam)، أن المسلمين يشكلون طيفاً كبيراً ومتنوعاً من الانتماءات الدينية، لذلك من الضروري فصل الإسلام كدين عن مشاكل الضواحي في فرنسا.

العلمانية الفرنسية والإسلام ما بعد الاستعمار

في أكتوبر/تشرين الأول 1989، طردت مديرة مدرسة ثانوية عامة 3 طالبات مسلمات بسبب حجابهن. اكتسبت القضية أهمية وطنية، وأعلن وزير التربية والتعليم ليونيل جوسبان أنه يؤيد حلاً قائمًا على الحوار بين مديري المدارس وأولياء الأمور. وهو ما جعله محط اتهام عند بعض المثقفين الذين دعوا لضرورة حظر ارتداء الحجاب في المدارس.

وأصدر مجلس الدولة رأياً أكد فيه أن ارتداء الحجاب لا يتعارض مع العلمانية، لكن النقاش حول الحجاب استمر. ضغط مؤيدو الحظر من أجل قانون جديد للعلمانية، وتم قبول مشروع قانون في الجمعية العامة الفرنسية ومجلس الشيوخ ووقع عليه الرئيس جاك شيراك، ليصبح نافذاً في مارس/آذار 2004.

وتوالت الأحداث المعبرة عن التوتر بين العلمانية الفرنسية والإسلام في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، وتصاعدت بعد الهجوم على صحفيي شارلي إيبدو ورساميها في يناير/كانون الثاني 2015، وصولاً إلى الأزمة الأخيرة التي كتب فصولها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ويختم كورو حديثه قائلاً إن ماكرون لا يحتاج إلى "بناء إسلام في فرنسا يكون متوافقًا مع التنوير"، لأن هذا محقق بالفعل، لكن العلمانية في نموذجها الفرنسي هي التي تحتاج أن تتكيف مع منظومة الإسلام وتحاول فهمه.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعتبر مؤلف كتاب “الاستبدال العظيم” أن فرنسا مستعمرة من قبل الأفارقة وليس فقط من قبل الإسلام، لكن الإسلام يشكل بروزا باعتباره الكتلة الأكثر تنظيما ومتانة، بعكس المسيحية التي تظهر مشتتة.

12/10/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة