أميركا وخدمة البريد.. تاريخ طويل من الديمقراطية في صناديق المؤسسة الحكومية الأقدم

شاحنة بريد تابعة لنيويورك بوست تقوم بتسليم الصحيفة اليومية عام 1946 في نيويورك (الفرنسية)
شاحنة بريد تابعة لنيويورك بوست تقوم بتسليم الصحيفة اليومية عام 1946 في نيويورك (الفرنسية)

ترتبط الديمقراطية الأميركية بخدمة البريد فيها، فمنذ نشأة الولايات المتحدة كان نظام البريد بمثابة عامل أساسي للتوعية وبسط السيادة الشعبية، بعد أن كان بمثابة أداة مركزية لإنشاء جمهورية المستوطنين الأميركية منذ القرن الـ18.

ولمدة طويلة منذ تأسيسه المتزامن مع نشأة الولايات المتحدة، كان النظام البريدي المكتب الحكومي الوحيد الذي يمكن لجميع الأميركيين الوصول إليه، وصاحب العمل الوحيد الذي يمكن لأي أميركي أن يعمل لديه، والكيان الوحيد الذي قدم خدمة شاملة مع انسحاب رأسمالية الشركات من المراكز الحضرية والمجتمعات الريفية.

وفي تقريره لمجلة بوسطن ريفيو، اعتبر الكاتب دانيال كاربنتر، الأكاديمي بجامعة هارفرد، أن النظام البريدي الأميركي يفتخر بتاريخه الذي لا ينفصل عن تاريخ الولايات المتحدة، فقد ذكر "مكاتب البريد" و"طرق البريد" في دستور الولايات المتحدة عام 1787 كوظيفة مفترضة للدولة، ولكن لم يصمم الكونغرس نظاما بريديا على مستوى الدولة حتى قانون الخدمة البريدية لعام 1792.

تمدد الدولة عبر البريد

وانطلاقا من نظام الالتماسات الذي يمكن للمدن والمستوطنات النائية أن تطلب فيه طرقًا ومكاتب، أدى القانون إلى تسريع نمو شبكة مترامية الأطراف على مستوى القارة الجديدة.

ومن عام 1792 إلى عام 1830 نما عدد مكاتب البريد من 75 إلى 8450، وبحلول عام 1828 كان لدى الأميركيين 74 مكتب بريد لكل 100 ألف نسمة، مقابل 17 في بريطانيا و4 فقط في فرنسا.

وفي هذه الفترة أنشأت الحكومة عشرات الآلاف من الوظائف الحكومية "للرجل العادي" قبل الحرب الأهلية. وكان النظام البريدي هو الذي وفر نموذج نظام المحسوبية الذي يمكن للمنظمات الحزبية الجماهيرية من خلاله بناء الشبكات والولاءات.

حملت الصحف المرسلة بالبريد بطاقات الاقتراع للناخبين، وانتشر التصويت بالبريد خلال القرن الـ19، وخاصة خلال الحرب الأهلية الأميركية.

وفي عام 1910، أقر قانون إيداع المدخرات البريدية في حسابات ادخار عامة يمكن الوصول إليها مجانًا، مما سمح للأميركيين بتجنب البنوك التجارية.

كان القانون مدعوماً من الحزبين الرئيسين في أميركا وقدمه مسؤولو البريد، ودفع به المشرعون الزراعيون التقدميون، ووقعه الرئيس ويليام هوارد (توفي عام 1930)، الذي أراد حزبه الجمهوري وسيلة مؤسسية لتعزيز المدخرات الإجمالية، وخلال فترة الكساد والحرب كان الأميركيون يتدفقون على نظام الادخار البريدي.

لكن البصمة العميقة للنظام البريدي هي وجودة في كل حي تقريبا في البلاد الشاسعة، ما كان يعني أيضا وجود دولة ممتدة وخدمات حكومية، في الواقع، يقول الكاتب، كانت هيئة التفتيش البريدي واحدة من أقوى مؤسسات التنظيم الاقتصادي في الولايات المتحدة في القرن الـ19، حيث فرضت قوانين مكافحة الاحتيال والفساد وتعويض سوء إدارة الولايات للتجارة فيما بينها.

التحديث والتسييس

ودفعت روح العصر إلى "تحديث" البريد في القرن الـ20، وفي عام 1970، جرى سن قانون إعادة تنظيم البريد، الذي أنهى تقاليد النظام البريدي كإدارة تنفيذية على مستوى مجلس الوزراء، وحولها إلى شركة حكومية أكثر تحررًا من الكونغرس في موضوعات مثل التسعير والتخطيط.

أضعف القانون النقابات البريدية وقسم التنظيم العمالي على أسس عرقية وإقليمية. علاوة على ذلك، وسع القانون مجموعة سابقة من الإصلاحات التي أوقفت خدمة بريد السكك الحديدية وأنهت نظام الادخار البريدي.

لكن كيف أصبح مكتب البريد جزءًا لا يتجزأ من النشاط الحزبي والسياسة في أميركا، للإجابة على هذه الأسئلة، تحدثت مجلة نيويوركر الأميركية عبر الهاتف مع وينيفريد غالاغر مؤلف كتاب "كيف شكلت مكاتب البريد أميركا؟" ( How the Post Office Created America)، الذي حكى قصة إنشاء المؤسسة في القرن الـ18 واصفا دورها في الولايات المتحدة خلال العصر الحديث .

أقدم وكالة حكومية

قال غالاغر إن الآباء المؤسسين لأميركا أنشؤوا أنظمة بريدية سرية لتفادي الجواسيس البريطانيين في ستينيات وسبعينيات القرن الـ18. كانت تسمى "لجان المراسلات"، ثم أنشأ الوطنيون البريد الدستوري في عام 1774، والذي أصبح دائرة مكتب البريد في عام 1775، لذا أصبح البريد بالفعل أقدم وكالة حكومية أميركية.

كان مكتب البريد الذي تم إنشاؤه عام 1775 مصمماً ليتمكن الثوار والجنرالات والعاملون في مجال الخدمات اللوجستية التواصل فيما بينهم أثناء حرب الاستقلال، وكان أول مدير عام للبريد بنجامين فرانكلين.

وفي عام 1792، اتخذ رجال السياسة الكبار في أميركا قرارا باستخدام مكتب البريد لغرض سياسي يتمثل في تكوين جمهور ناخب واع، وجرى استخدام البريد لتوصيل الصحف.

وفي الربع الثاني من القرن الـ19 بدأ تسييس مكاتب البريد وخاصة في عهد الرئيس السابع للولايات المتحدة أندرو جاكسون (حكم بين 1829-1837) إذ جرى اعتماد سياسة التناوب في المناصب بغض النظر عن الجدارة، وطرد أشخاص أكفاء لأنهم محسوبون على التيار اليميني الفدرالي المختلف معه، مما أضر بخدمة البريد في بعض المناطق بحسب المؤلف.

جعل جاكسون مدير مكتب البريد عضواً في مجلس الوزراء وعين أصدقاءه، ومنذ ذلك الحين سمح "نظام الغنائم" لأي حزب فاز بالبيت الأبيض بتوزيع عشرات الآلاف من الوظائف على مؤيديه، بحسب غالاغر.

ويقول المؤلف إن الطرفين السياسيين الرئيسين استخدما خدمة البريد لتوزيع الوظائف بنظام الحسوبية، ولكن، بشكل عام، حصل مكتب البريد دائما على الكثير من الدعم من الحزبين.

وإذ يبدو الجدل المرتبط بالانتخابات الرئاسية الأميركية 2020 جديدا على الديمقراطية الأميركية التي يزداد فيها الاستقطاب السياسي، لا يعد نقاش دور خدمة البريد الأميركية في الديمقراطية الأكبر عالميا جديدا، فقد ارتبط بنشأة الولايات المتحدة ونظامها السياسي منذ تأسيس البلاد.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأميركية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

احتفل في رام الله بإطلاق الطبعة الثانية من “تاريخ فلسطين في طوابع البريد.. مجموعة نادر خيري الدين أبو الجبين” التي أضيفت إليها مجموعة جديدة من الطوابع الممتدة من الفترة العثمانية إلى ما بعد قيام السلطة الفلسطينية. والكتاب صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

خلال العقد الأخير، حذا الكوميديون العرب والمسلمون بالولايات المتحدة حذو الأقليات الأخرى في الاعتماد على العروض ذات الطابع الفني والترفيهي لمحاربة “الإسلاموفوبيا” عبر سرد قصص وروايات وتجارب تعمل على “أنسنة” أبناء جلدتهم وثقافتهم وتخرجهم من قمقم التنميط وقوالب التصور الجاهزة.

لم يتوقف مشروع الكاتب الأرجنتيني الكندي ألبرتو مانغويل في استنطاق الكتب عند إنتاج المؤلفات التي تمتدح القراءة وتؤرخ للمكتبات، وإنما ذهب لمقاربة جديدة لما يسمى الشخصيات المفاهيمية.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة