"سيرة القاهرة".. مهمة إنقاذ تراث العاصمة وإعادة البريق لآثار المحروسة

السعادة على وجوه المتطوعين بعد الانتهاء من تنظيف قبة الحصواتي (الفاطمية) الأثرية (مواقع التواصل)
السعادة على وجوه المتطوعين بعد الانتهاء من تنظيف قبة الحصواتي (الفاطمية) الأثرية (مواقع التواصل)

لم يتحمل شباب مصري عاشق لتاريخ بلاده رؤية آثار عاصمتها العريقة وهي تئن تحت تلال من القمامة والمخلفات نتيجة سنوات طوال من الإهمال والتجاهل، فأطلقوا مبادرة "سيرة القاهرة" لإعادة بريقها ورونقها التاريخي.

وتحت شعار "أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام" انطلق أصحاب المبادرة والمتطوعون بجهود ذاتية وبحماسة شبابية لا تفتر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بدائع التراث الفريدة التي تزخر بها القاهرة صاحبة الألف عام ويزيد، وسط حفاوة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومنذ خطوتها الأولى في نهاية سبتمبر/أيلول 2020 وحتى الأسبوع الماضي تمكنت المبادرة من إنقاذ 5 آثار إسلامية مختلفة، كل منها شاهد على عصر وحقبة زمنية عاشتها المدينة التاريخية.

خطوة البداية

"سحر القاهرة في تفاصيلها، إنها مدينة الغرائب والعجائب والأساطير، كتاب تاريخ مفتوح، كالمجاذيب تخطفنا المدينة القديمة لنطوف بين دروبها وردهات الأماكن"، بهذه الكلمات يعبر عبد العزيز فهمي الباحث في التراث وأحد مؤسسي المبادرة عن مشاعره تجاه العاصمة العريقة التي تجاوز عمرها الألف عام.

اعتاد فهمي التجول في أرجاء القاهرة بصحبة أصدقائه من محبّي وعاشقي التراث، وقادته قدماه في إحدى جولاته مطلع شهر سبتمبر/أيلول الماضي إلى قبة الحصواتي بحي الخليفة، التي أنشئت في عهد الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله (ما بين عامي 520هـ/ 1126م، و545هـ/ 1150م)، وهاله ما يعانيه المكان من إهمال وتكدس للقمامة والحيوانات النافقة، رغم احتوائه على محراب أثري بديع.

وقام فهمي -المعروف بـ"زيزو عبده"- بتصوير المكان الأثري وتوضيح حالته المزرية، ثم نشر الفيديو والصور على صفحته عبر فيسبوك، لتلاقي انتشارا واسعا، وسط حالة من الحزن والاستياء لما آل إليه المكان.

ومن بين الدعوات والمناشدات للمسؤولين بإنقاذ الأثر، علّق حسام عبد العظيم على منشور صديقه فهمي باقتراح مغاير وجريء "لماذا لا نأخذ أدوات النظافة وننطلق بأنفسنا لتنظيف المكان؟".

راقت الفكرة الشباب المتحمس، واجتمع عليها عدد من الدارسين والعاشقين للتاريخ بينهم عبد العظيم وفهمي والباحث الأثري معاذ لافي، والمدرس عمر النعماني، والمهندس صلاح الدين أبو الليل، والدكتور مصطفى الصادق وآخرون، وقرروا خوض التجربة.

وبعد الحصول على التصريح الرسمي اللازم للعمل في المكان شرع المتطوعون، وهم قرابة 10 أفراد، في عمل شاق استمر ساعات عدة في تنظيف المكان ورفع المخلفات التي تجثم عليه لسنوات، ليظهر وقد عاد إليه بهاؤه وروحه، وعاد للمحراب الأثري جزء من رونقه، وظهرت كتاباته الرائعة واضحة للعيان.

مولد السيرة

بعد الحفاوة التي وجدها المتطوعون من أهل المنطقة أثناء عملهم ازدادت الفكرة توهجا.. فلمَ لا يتحول هذا العمل إلى مبادرة مجتمعية دائمة لإنقاذ عشرات الآثار المهملة في العاصمة، وإعادة بهائها؟

وتحت مسمى "سيرة القاهرة"، على غرار عنوان الكتاب الشهير للمستشرق البريطاني "ستانلي لين بول" الذي يرصد فيه تاريخ القاهرة، قرر المؤسسون إطلاق مبادرة شعبية شبابية للحفاظ على تراث القاهرة وإنقاذ آثارها المهملة.

ويوضح حسام عبد العظيم جوهر المبادرة قائلا "بدلا عن المرور بجانب الأثر المهمل، وإبداء الحسرة على حاله قررنا النزول لتغيير الواقع السيئ بأنفسنا".

ترحيب مجتمعي

دشّن مؤسسو المبادرة صفحة على فيسبوك لتكون ساحة تجمع المتطوعين والمهتمين، وفي غضون أقل من شهرين زاد عدد المتابعين إلى أكثر من 15 ألف شخص، إلى جانب تخصيص مجموعة تضم الآن نحو 2700 شخص للمناقشات بين المتطوعين وتلقي المقترحات عن الأماكن التالية التي تحتاج إلى العناية والتنظيف.

وتلقت المبادرة مئات الرسائل من متطوعين يرغبون في المشاركة بجانب التعليقات الإيجابية والإشادة الواسعة بالتجربة، في حين استمر مؤسسو المبادرة في دراسة وحصر الأماكن الأثرية التي تتناسب مع إمكاناتهم، عبر جولات امتدت أياما بين أزقة القاهرة وشوارعها للبحث عن أثر جديد وشمعة جديدة تضيئها المبادرة.

وقرر أصحاب المبادرة أن تكون خطوتهم التالية أكثر توسعا، وبدل التقدم إلى المسؤولين بطلب تنظيف مكان واحد تم حصر أماكن عدة للحصول على التصاريح اللازمة للعمل بها مرة واحدة.

جهود مستمرة

وسرعان ما جاءت الخطوة التالية لسيرة القاهرة، في الـ24 من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد أن وقع الاختيار على إحدى روائع العمارة المملوكية وهو سبيل (مكان سقاية الماء للمارة) الأمير شيخو العمري الناصري بمنطقة الحطابة، الذي نُحت في صخر جبل المقطم عام 1354م، وتتميز واجهته بزخارف نباتية ورنك (علامة) الكأس الخاصة بوظيفة الساقي الملكي التي تولاها الأمير شيخو في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون.

وبحماسة كبيرة قام المتطوعون بتنظيف السبيل وإزالة المخلفات التي كانت تعوق فتح أبوابه، وتخفي جماله وأرضية غرفة التسبيل الحجرية، ليعود للمكان رونقه الذي لم يفقده عبر مئات السنين.

وفي 7 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي كانت ثالث الفعاليات، حيث قام متطوعو المبادرة بعملية تنظيف شاملة لسبيل الأرزنكاني في حي الدرب الأحمر، الذي أنشأه حسن آغا بن صالح الأرزنكاني "كبير البوابين" في دولة محمد علي باشا، وهو منصب بروتوكولي يختص بمراسم استقبال ضيوف الباشا.

ويحتل السبيل موقعا حيويا في شارع تجاري مزدحم بالمارّة (شارع تحت الربع سابقا-أحمد ماهر حاليا)، وقد صمم بواجهة دائرية تنقسم إلى 3 شبابيك تسبيل، يعلوها نصوص كتابية كتبت باللغة التركية العثمانية.

وتمكن المتطوعون بعد ساعات من العمل الشاق من تنظيف الأثر من الداخل والخارج، ورفع المخلفات والعوالق وتقليم الأشجار والنخيل المحيط بالمكان، بالإضافة إلى تنظيف دقيق لواجهة السبيل من عقود وشبابيك التسبيل.

وشهد الأسبوع الماضي أكبر فعاليات المبادرة حيث شملت تنظيف أثرين بدل واحد، وهما زاوية حسن الرومي (أول زاوية عثمانية بالمحروسة، أنشئت في عهد خاير بك عام 1522م)، وقبة قانصوه أبو سعيد الشهيرة بقبة "سيدي سليمان أبو جاموس" وهي أثر مملوكي يعود لنهاية القرن الـ15 الميلادي، ويقع الأثران شمالي قلعة الجبل.

وتمكن المتطوعون من إخراج ما يقارب 4 أطنان من المخلفات المتراكمة داخل الأثرين.

حماية مستدامة

لا تكتفي المبادرة بعملية تنظيف المكان الأثري فحسب، بل تقوم على 3 محاور، وفق تصريحات عدة لمؤسسي المبادرة، الأول هو تنظيف المكان من الأتربة والقمامة المتراكمة، والثاني إعداد تقرير بما يحتاج إليه المكان من ترميم وحماية ونظافة مستدامة لتقديمه إلى المسؤولين الحكوميين.

أما الخطوة الثالثة التي لا تقل أهمية فهي القيام بتوعية السكان المجاورين للأثر بأهميته التاريخية والتراثية حتى يكونوا حائط الحماية الأول للمكان الأثري.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة