المؤرخ بيير جان لويزارد: الأزمة الفرنسية مع العالم الإسلامي سببها الاستعمار لا العلمانية

يرى لويزارد أن علاقة العلمانية بالاستعمار والأنظمة السلطوية جعلتها منبوذة في العالم العربي (الفرنسية)
يرى لويزارد أن علاقة العلمانية بالاستعمار والأنظمة السلطوية جعلتها منبوذة في العالم العربي (الفرنسية)

رغم إحجام كثير من المثقفين الفرنسيين عن المشاركة في النقاش الفرنسي الأخير عن الإسلام، كان للمؤرخ والباحث في شؤون العراق والعالم الإسلامي بيير جان لويزارد صوت مختلف، فقد تحدث لمجلة لوبس (lobs) الفرنسية عن "جذور سوء التفاهم" بين "الجمهورية والإسلام"، وهو عنوان كتابه الذي سلط الضوء على جوانب تاريخية وفكرية من نقاش جرى تسييسه مؤخرا، بعد خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون حول الانفصالية والغضب الذي أثاره في العالم الإسلامي.

درس لويزارد تاريخ العراق ورجال الدين الشيعة والحركات الصوفية والإصلاحية الإسلامية في مصر وغيرها، وألّف عدة كتب أبرزها "فخ داعش: الدولة الإسلامية أو عودة التاريخ"، و"نشأة العراق المعاصر: الدور السياسي لعلماء الشيعة في نهاية الهيمنة العثمانية وفي وقت بناء الدولة العراقية" ، و"العلمانية الاستبدادية في الأراضي الإسلامية"، وغيرها.

وفي المقابلة التي أجرتها سارة دفالة للمجلة الفرنسية، قال المؤرخ ومدير البحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إن العلمانية الفرنسية مثل القيم الأوروبية مستوحاة من عصور التنوير، معتبرا أن فرنسا تتشبث بعلمانية "سلطوية" وتتميز بتمسكها بمبادئ جمهورية "كونية وعلمانية"، غير أنها في نفس الوقت هي الدولة الأكثر تناقضا عند تطبيق هذه المبادئ، خاصة في السياق الاستعماري بحسب ما رآه المسلمون، على حد تعبيره.

وأوضح المؤرخ ومؤلف كتاب "الجمهورية والإسلام"، أن ما أصبح عليه الإسلام اليوم ومناهضته العميقة للعلمانية يرجع إلى حد كبير إلى المواجهة مع أوروبا المهيمنة منذ القرن 19، حيث إن الاستعمار، وإن لم يقم باسم العلمانية ولا باسم المسيحية، فقد قام باسم القيم المستوحاة من التنوير، كفكرة الرسالة الحضارية التي انبثقت عنها العلمانية، والتي لم يلق منها المسلمون -خاصة في الجزائر- إلا صورة سيئة للغاية، مع الانقلاب المنهجي للقيم الجمهورية والعلمانية في السياق الاستعماري.

عمل مناقض للقيم

ويعود ذلك إلى أن ما يراه المستعمر جيدا لم يعد جيدا للجزائر، حيث تم -باسم المثل العلمانية- استبعاد المسلمين وحدهم من الجنسية الفرنسية خلافا لليهود، مما خلق رؤية مختلفة لدى المسلمين للمثل التي يراد من خلالها اليوم دمجهم في فرنسا، ولذلك فإن من المفيد تسليط الضوء على إنكار هذا التاريخ بدل إظهار البراءة بالنسبة للطبقة السياسية الفرنسية، والرئيس ماكرون على وجه الخصوص.

وأشار المؤرخ إلى أن جانبا آخر من اللبس يمكن تفسيره بالعلاقة بين العلمانية والأنظمة السلطوية، خاصة العسكرية، حيث إن الجيوش العربية والتركية والإيرانية كانت هي المحرك الرئيسي للمثل العلمانية التي فرضتها بالقوة والقمع الذي أحدث عشرات الآلاف من القتلى في هذه البلدان.

ومعتبرا أن هناك تأثيرا للعولمة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، لاحظ المؤرخ أن ذلك بدأ منذ ظهور ما يسمى بالحركات "الإصلاحية الإسلامية" في القرن 19 التي كانت رد فعل على التناقضات الفرنسية، حيث أرادت مواجهة الخطاب الفرنسي الذي يرى أن التعلق المفرط بدين ما هو سبب تخلف العالم الإسلامي مقارنة بأوروبا، لتقول الحركات الإصلاحية العكس وهو أن الابتعاد عن الإسلام الحقيقي هو سبب ضعف العالم الإسلامي في مواجهة أوروبا الفاتحة، داعية إلى العودة إلى إسلام الأجداد المتّقين "السلف".

ونبّه لويزارد إلى أن السلفية لم تكن دائما كما هي اليوم أيديولوجية "أصولية مميتة"، بل كانت في نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 متفقة مع التحديث الليبرالي والديمقراطي، إلا أن الاستعمار المتتالي لتونس والمغرب ولبنان وسوريا الذي واجه فيه المسلمون انتكاسات لم تكن ظرفية بل منهجية، جعل الشعارات الإسلامية تقول إن العلمانية التي هي سلاح الصليبيين الجدد ليست سوى نفاق وكذب، بحسب تعبير المؤرخ الفرنسي.

وفي هذا السياق، رأى المسلمون السنة في بلاد الشام أن فرنسا -الجمهورية والعلمانية- أسست لبنان الكبير ليكون دولة ذات أغلبية مسيحية، ثم شاهدوا تقسيمها لسوريا على أسس طائفية، بإنشاء دولة العلويين ودولة جبل الدروز، والحرب التي خاضوها ضد الأغلبية العربية السنية التي هُزمت عسكريا عام 1920.

ولكون العلمانية تحافظ على صورة الهيمنة الغربية هذه، بحسب الكاتب، فإن المجتمعات المدنية -ولا سيما خلال الثورة الإسلامية في إيران- رأت أن لها هوية دينية تمثل قوة مهمة لمعارضة الأنظمة الاستبدادية "الكافرة" الخاضعة للغرب، والتي كانت حالة العديد من الأنظمة في مصر وتونس وإيران.

علمانية توافق لا علمانية فصل

ونبّه المؤرخ -عند سؤاله عن الغضب في شوارع بعض الدول الإسلامية: هل هو مجرد تراث لتاريخ مشترك؟- بأن ما قاله ليس معروفا جيدا لدى من يحتجّون، ولم يدرَّس في فرنسا ولا في البلدان والأنظمة الناتجة عن الاستعمار، أما الإسلام الإصلاحي الذي تحول إلى "إسلام أيديولوجي" بحسب تعبيره، فقد كان القوة الرئيسية في معارضة الأنظمة الاستبدادية، إلى أن جاء الربيع العربي الذي فشل في كثير من البلدان بسبب الطبيعة غير الشرعية للمؤسسات التي أقيمت، في نظر غالبية السكان، بحسب وجهة نظر المؤرخ.

ولم ينف لويزارد وجود أمثلة من العلمانية الرسمية أو غير الرسمية في البلدان الإسلامية، كحالة تركيا الكمالية، مشيرا إلى أن علمانية الفصل بين الدين والدولة لا توجد مطلقا في العالم الإسلامي، حيث توجد "علمانية التوافق" التي تنظم وتدير بموجبها الدولة عبادة المسلمين.

وأشار كذلك الكاتب إلى إصلاحات علمانية فيما يتعلق بالأحوال الشخصية وتنظيم الإسلام، ومن الأمثلة على ذلك إضفاء الطابع المؤسسي على نظام "الوقف" وسلعه العقارية، وهي مصانع وأراض زراعية وأنشطة من جميع الأنواع، استخدمها الإخوان المسلمون في مصر لتطوير المستشفيات والعيادات، للتعويض عن تقصير أو غياب الدولة، بحسب تعبيره.

وعند سؤاله: هل الإسلام دين يقاوم العلمانية، وهل هناك نقاش حول العلمانية في المجتمعات العربية الإسلامية؟ ردّ المؤرخ بأنه لا يمكن القول إن الإسلام في حدِّ ذاته معاد أو مؤيد للعلمانية، بنفس الطريقة التي لا يمكن بها تعريف الكاثوليكية أو اليهودية فيما يتعلق بما هو مظهر حديث لتنظيم الدين في المجتمع وعلى مستوى الدولة.

غير أن ما حل بالإسلام اليوم -بحسب ما يقول لويزارد- هو في الأساس ثمرة مواجهته مع المثل التي حملتها القوى الاستعمارية، وعلى وجه الخصوص هذه المهمة الحضارية التي مجّدها السياسي الفرنسي جول فيري والتي بررت الاستعمار، وكان فيري (1832-1893) يؤمن بأن الأجناس أو الشعوب السامية تتمتع بواجب الوصاية والرعاية للشعوب البدائية المستعمرة.

وخلص المؤرخ إلى أن علمنة المجتمعات الإسلامية تبدو صعبة، لأنها تنظر إلى العلمانية بشكل سلبي للغاية، لكن هذا لا يعني أنه لن يكون هناك توافق مع العلمانية في المستقبل، لكن ذلك يبدو بعيدا في الوقت الحالي، على حد تعبيره.

المصدر : الصحافة الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة