ميلاد فايزة: العربية صارت في تماس مباشر ويومي مع الحياة الأميركية

ميلاد فايزة الشاعر والمترجم التونسي المقيم في الولايات المتحدة يراهن على الشعر في عالم عربي ممتلئ بالبؤس (مواقع التواصل الاجتماعي)
ميلاد فايزة الشاعر والمترجم التونسي المقيم في الولايات المتحدة يراهن على الشعر في عالم عربي ممتلئ بالبؤس (مواقع التواصل الاجتماعي)

"لا نحتاج إلى الشعر لنغيّر العالم أو لأجل تحقيق رغبة بيولوجية مثل الشبع أو الارتواء، بل لأن الشعر موجود معنا منذ لحظة ميلادنا وحتى الإغماضة الأخيرة حين نودّع هذا العالم ونبدأ تجربة أخرى في عالم خفيّ مجهول". هكذا يراهن الشاعر والمترجم التونسي المقيم في الولايات المتحدة، ميلاد فايزة، على الشعر في واقع عربي ممتلئ بالبؤس والاحتراب والنكوص.

يقول فايزة للجزيرة نت إنه "لا توجد في تاريخ البشرية لحظة دون شعر"، متوقفًا أمام سؤالنا له: لماذا نحتاج إلى الشعر في الزمن الراهن؟

زهرة الشعر

يعد ميلاد فايزة الشعر "جزءا من وجودنا"، نعيشه بأشكال مختلفة حين نعثر مثلا على عشّ فارغ فوق شجرة أو لحظة عجزنا عن استيعاب مشهد تراجيدي لأمّ تجمع في كيس بقايا عظام ابنها من مقبرة جماعية (على حد تعبير الشاعرة دنيا ميخائيل)، أو لحظة يقول أبٌ لابنته الصغيرة ذات الثلاث سنوات إنها هي الزهرة حين تسأله عن سبب ذبول الأزهار في الشتاء، فتبتسم ابتسامة غامضة متسائلة "أنا زهرة؟".

غموض تلك الابتسامة -وفقا لميلاد فايزة- هو الشعر الذي نحتاجه "لأننا ندرك كُنْهه ولكننا نبقى عاجزين عن التعبير عنه بشكل جليّ أو نهائي".

ويضيف ميلاد "الشعر بالنسبة إلي هو حالات الدهشة والأسئلة التي نعيشها، وهو موسيقى تنقرها أصابع كائن ما على البيانو فتصعد مثل دخان مخترقة الجدران والستائر نحو سماء غائمة".

"أصابع النحّات"

15 عاما هي الفترة الفاصلة بين الكتاب الشعري الأول لميلاد فايزة المعنون بـ"بقايا البيت الذي دخلناه مرة واحدة" 2004، وكتابه الثاني "أصابع النحّات" الصادر في العام المنصرم 2019، وهي فترة طويلة فارقة، لكن فايزة له أسبابه وظروفه.

يسوّغ فايزة ذلك بقوله "بعد هجرتي إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1999 احتجت إلى بضع سنوات للتأقلم مع الحياة الجديدة، وقد شعرت آنذاك بأن الانغماس في الحياة والعمل ساعات طويلة أحيانا هو البديل الأمثل لحياتي السابقة في تونس التي عانيت فيها البطالة بعد التخرج في الجامعة".

دوّن الشاعر ميلاد فايزة قصائده الأخيرة التي تأثر فيها بالحياة الأميركية في ديوان "أصابع النحّات" متناولا جماليات الأمكنة التي زارها (الجزيرة)

وثمة أيضا انسداد أفق إمكانية مواصلة الدراسات العليا، أو تحقيق الاستقلال المادي وخوض تجربة الحياة بشكل حرّ بعيدا عن ضغوطات الرقيب والمجتمع نتيجة البيروقراطية الشديدة والقمع والفساد.

"شعرت بأنه لم يكن ثمة خيار سوى المغادرة، وحين غادرت قررتُ أن أقطع علاقتي مع الماضي بكل أشكاله"، يعترف فايزة قبل أن ينوّه إلى أنه احتاج إلى سنوات طويلة من أجل إعادة خلق هوية جديدة ولغة مختلفة قادرة على استيعاب التجربة الجديدة سواء على المستوى الشخصي أو الجغرافي.

إلى ذلك، ثمة حاجة ملحة (كانت) "للقطع مع الاستعارة والمجاز والمركبات الإضافية التي كنت أجد فيها، قبل هجرتي". أما السبب الثاني فهو صعوبة التعامل مع الناشر العربي.

تحصين

لكن هذا التريث -يستدرك فايزة وهو يتابع حديثه للجزيرة نت- كان له جانب إيجابي كبير وهو "تحصيني من اللهفة على التسرع في نشر أعمال قد أندم عليها لاحقا".

ولدى سؤاله عن "حالة ترجمة الشعر العربي"، يقول المترجم فايزة إنها لا تختلف عن حالة ترجمة بقية الأنواع الأخرى من الكتابة.

ويستدرك في السياق نفسه "صحيح أن بعض كُتب الشعر والروايات، وخاصة تلك التي تحصل على جوائز، تلقى طريقها إلى الترجمة، لكن هذه الأعمال قليلا ما تُقرأ خارج أسوار المدارس أو أقسام دراسات الشرق الأوسط والأدب المقارن في الجامعات".

ويقول فايزة "كثير مما يحدث في عالم الترجمة هو جزء من المتابعة السياسية وليس ناتجا دائما عن خيارات جمالية تنطلق من قيمة النص ذاته" باستثناء نصوص قليلة فرضت نفسها على الآخر مثل نصوص درويش وأدونيس، "ولكنها تبقى مقروءة داخل دائرة الشعراء وطلاب الشعر بالأساس أو المهتمين بالمجلات الأدبية ودور النشر الصغيرة".

الترجمة

بدايات ميلاد فايزة مع الترجمة كانت من خلال ترجمة شعراء أميركيين مثل مارك ستراند، وتشارلز سيميك، وكارولين فورشي، وشارُنْ أولدز، ويوسف كومنياكا، وآنيا سيلفر، ونتالي حنظل، وكارل ساندبيرغ وغيرهم، وهي تجربة في الأساس قامت على رغبة في اكتشاف الشعر الأميركي وقراءته قراءة عميقة من خلال الترجمة.

"إنها تجربة ممتعة لا تضاهى"، يقول فايزة منوهًا في هذا الصدد إلى أن قراءة نص باللغة الإنجليزية ثم قضاء ساعات في إعادة خلقه في لغة أخرى "أشبه بتجربة طفل صغير يلهو بالطين ليصنع منه أحصنة وعربات وأمتعة لتأثيث عالم خيالي من الماء والتراب".

يتابع "نشرت الكثير من هذه الترجمات في جريدة القدس العربي ومجلة كيكا وجريدة الغاوون"، ويأمل فايزة نشرها كلها أو بعضها في كتب مستقلة في المستقبل القريب.

رواية "الشتاء" للروائية الأسكتلندية آلي سميث تقدم صورة واقعية عن الحياة المعاصرة وتجربة التأثر بالفن (الجزيرة)

عالم جديد

عن ترجمته في الرواية، يلفت ميلاد الانتباه إلى أنه حين بدأ العمل على ترجمة رواية "الخريف" لآلي سميث "أبهرتني بأسلوبها المتفرّد في الكتابة وقدرتها على خلق عوالم روائية متوازية ومتداخلة من أحداث واقعية ومتخيلة" تجمع بين سير فنانين مروا كالشهب في السماء، وسياسيين شعبيين من عالم الأمس واليوم، ومهمّشين دخلوا بشكل غير مقصود دائرة النار فاحترقوا وأضاؤوا بلهيبهم عوالم مخفية وسرية من التاريخ المعاصر لبريطانيا وأوروبا.

وأردف "كانت رواية الخريف بالنسبة إلي نافذة على عالم جديد في الكتابة فُتنتُ به رغم عُسر عملية الترجمة، فَآلي سميث كاتبة لا تكفّ عن اللهو والعبث بأحداث الحكاية ولغتها وأسلوبها، ولا تتردد في نحت مفردات جديدة وكتابة جمل طويلة تمتد على فقرات كاملة أو صفحات أحيانا".

ترجمة آلي سميث إذن كانت صدفة، ولكنها تحوّلت إلى مشروع كامل، إذ ترجم فايزة بعدها "الشتاء" لسميث نفسها، ويعمل الآن على "الربيع" متوقعا الانتهاء منها قريبا، ليواصل العمل بعدها على "الصيف"، وهي "رباعية تجمع بينها خيوط الفصول واستعارات الألوان والدفء والبرد والأساطير التي تجعلنا أكثر قدرة على تحمل قسوة الزمن وإدانة الكراهية والعنصرية".

آنيا سيلفر

وفي مجال الترجمة أيضا، قال ميلاد فايزة إنه يعمل حاليا على ترجمة نصوص للشاعرة الأميركية آنيا سيلفر التي غادرت الحياة صيف 2018 بعد صراع طويل مع مرض السرطان.

وينوه -في سياق حديثه- إلى أن سيلفر أنجزت في سنوات حياتها القليلة نصوصا لا تضاهى عن تجربة المرض والمقاومة في أشكالها الروحية والسياسية.

وبهذا الصدد، تابع ميلاد قوله "لم تكن آنيا سيلفر مجرد شاعرة تكتب عن تجربة التعايش مع فرضية الموت اليومية، بل كتبت عن اكتشاف القوى الكامنة فينا في لحظات هشاشتنا وضعفنا. لقد كتبت سيلفر بأسلوب صوفي باهر عن تجربة الحياة بكل تفاصيلها"، موضحًا أنه مدين لشعرها وصداقتها ويأمل أن يترجم كتبها الثلاثة قريبا.

العربية للناطقين بغيرها

يعيش ميلاد فايزة في ولاية رود آيلاند الأميركية حيث يدرّس اللغة العربية في جامعة براون. وهنا يذكر فايزة أن اللغة العربية لم تكن جديدة على الجامعات الأميركية العريقة، "ولكن الطلب عليها زاد بشكل غير معهود بعد غزو العراق وأحداث سبتمبر/أيلول 2001".

رواية "الخريف" التي ترجمها ميلاد فايزة وألفتها آلي سميث تتناول أحداثا تجري في 2016 ببريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي (الجزيرة)

ووفقا لفايزة "لم تعد العربية مجرد لغة دين وحكايات تراثية عن الجنّ والسندباد وشهرزاد التي تحكي لتروّض شهريار، بل أصبحت لغة شعوب في تماس مباشر ويومي مع الحياة الأميركية سواء في العراق أو في الداخل من خلال الجاليات العربية والمسلمة في ميشيغان وكاليفورنيا ونيويورك وتكساس وغيرها من الولايات الأميركية".

ومتحدثا عن واقع تعليم العربية للناطقين بغيرها، يشير فايزة إلى أن الجامعات اعتمدت في بادئ الأمر على أساتذة غير متخصصين، "لكن بعد أن بدأت أقسام دراسات الشرق الأوسط وأقسام اللغة العربية في الانتشار شرعت هذه الجامعات في انتداب أساتذة من ذوي الاختصاص سواء من خريجي الجامعات العربية أو الجامعات الأميركية".

ويلخّص فايزة صعوبات تعليم العربية للناطقين بغيرها في أن الجامعات كانت قبل سنة 2011 تقوم بإرسال الطلاب لقضاء فصل دراسي أو سنة أكاديمية كاملة لدراسة اللغة العربية في العالم العربي في بلدان مثل مصر ولبنان والمغرب وسوريا وتونس والأردن واليمن وسلطنة عمان، ولكن بعد الربيع العربي أصبحت معظم هذه الوجهات غير متاحة ولا يملك الطلاب الآن الشجاعة للذهاب إليها لأسباب أمنية، لذلك يذهب معظمهم إلى الأردن أو المغرب أو سلطنة عمان.

وهناك أيضا قلة اهتمام الدول العربية الغنية بالاستثمار في إنشاء مراكز لتدريس اللغة العربية وآدابها في الغرب بالمقارنة مع ما تقوم به دول مثل الصين وفرنسا وألمانيا، وعدم توفيرها المنح باستثناء بعض الدول مثل سلطنة عمان وقطر.

وبالإضافة إلى ما سبق، تمثّل إشكالية اللغة العربية الفصحى مقابل كثرة اللهجات العربية واختلافها الكبير فيما بينها أحيانا قضية شائكة لكثير من الطلاب "فهم عادة ما يشعرون بعد دراسة العربية الفصحى 3 أو 4 سنوات بأنهم غير قادرين على الحديث مع سائق التاكسي في الرباط، أو فهم أحداث مسلسل أو فيلم لبناني دون الاستعانة بالترجمة".

يوميات كورونا

في ظروف كورونا، يتحدث ميلاد فايزة عن يومياته على مدار ما يقارب عاما أسماه "عام الكآبة"، مشيرا إلى أنه "مع مرور الأسابيع والأشهر الكثيرة في ظل هذه التجربة المريعة "بدأ التعب والوهن ينالان مني ولم تعد الغابة أو شواطئ المحيط قادرة على إنقاذي من حالة الكآبة والهلع".

وكشف فايزة عن مخاوف لطالما راودته وهو في المنفى تحت تأثير جائحة (كوفيد- 19) "تراودني مخاوف شديدة بشأن مستقبل عائلتي وأطفالي، وهي هواجس ما كانت لتبلغ هذه الحدة والقسوة لو كنتُ في تونس في أحضان عائلتي الكبيرة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة