عندما كانت يريفان أذرية وعاش الأرمن في باكو.. كيف شكل زمن الحرب العالمية الأولى فسيفساء القوقاز الحديثة؟

مدرسون وطلاب في مدرسة يريفان الروسية المسلمة للبنات التي كانت مدينة ذات أغلبية أذرية حتى مطلع القرن العشرين (الصحافة الأجنبية)
مدرسون وطلاب في مدرسة يريفان الروسية المسلمة للبنات التي كانت مدينة ذات أغلبية أذرية حتى مطلع القرن العشرين (الصحافة الأجنبية)

احتفلت كلٌّ من أذربيجان وأرمينيا وجورجيا هذا العام بمرور 102 عام على إنشاء هذه الجمهوريات المستقلة، لكن قبل انبثاق هذه البلدان القوقازية الثلاث للوجود، عرفت المنطقة تاريخا طويلا على تخوم الإمبراطوريات الفارسية (القاجارية) والتركية (السلجوقية والعثمانية والمملوكية) والمغولية والروسية، قبل أن تعيش مجتمعات القوقاز في القرن العشرين تجربة قصيرة من الاندماج في دولة واحدة.

في الفترة القصيرة بين 22 أبريل/نيسان إلى 22 مايو/أيار 1918، وُلدت "الجمهورية الترانسقوقازية الديمقراطية الاتحادية" التي عرفت أيضا باسم الاتحاد القوقازي، وضمّت ما يعرف الآن بأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، بالإضافة لأجزاء محدودة من تركيا وروسيا، واستمرت الدولة الاتحادية شهرا واحدا فقط قبل إعلان جورجيا استقلالها، تليها كلٌّ من أذربيجان وأرمينيا.

كانت المنطقة التي شكلت الاتحاد القوقازي آنذاك جزءا من الإمبراطورية الروسية، وشهدت مع ثورة فبراير/شباط 1917 تفكك الإمبراطورية وتشكيل حكومة مؤقتة في روسيا، وتم تشكيل هيئة مماثلة في القوقاز (اللجنة الخاصة القوقازية “أوزاكوم“)، ولكن مع ثورة أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، وصعود البلاشفة في روسيا، تم تشكيل مفوضية ترانسقوقازيا لتحل محل أوزاكوم.

ومع ذلك، فإن تباين أهداف المجموعات الرئيسية الثلاث (الأرمنيين والأذريين والجورجيين)، لم يتح الفرصة للجمهورية الاتحادية لتدوم طويلا، خاصة في منطقة محاطة بإمبراطوريات كبيرة.

يريفان الأذرية

منذ نهايات القرن 14 وحتى القرن 20، كانت يريفان -العاصمة الأرمينية الحالية- ومعظم مناطق أرمينيا الحديثة ذات أغلبية مسلمة، ينتمي أغلبها للعرق التركي والأذري. وبحلول عام 1832 بعد أن شجعت الإدارة الإمبراطورية الروسية توطين السكان الأرمن من الهضبة الإيرانية والأراضي العثمانية في المنطقة، أصبح البلاد يتقاسمها الأرمن والمسلمون، ومع ذلك ظلت يريفان ذات أغلبية مسلمة مشكلة من الأذريين والأتراك والفرس.

ووفقا للرحالة البريطاني هنري فينيس شير لينش (1862-1913) الذي زار المنطقة وكتب مجلدين عن أرمينيا نشرا عام 1901، كانت العاصمة مقسمة بين الأذر والأرمن في أوائل تسعينيات القرن 19، بينما أشار الرحالة لويجي فيلاري عام 1905 إلى أن الأذريين في يريفان (الذين أشار إليهم بالتتار) كانوا أكثر ثراءً ويمتلكون جميع الأراضي تقريبا.

وبالنسبة لأذريي أرمينيا، كان القرن 20 فترة التهميش والتمييز والهجرات الجماعية والتهجير القسري في كثير من الأحيان. وفي 1905-1907 أصبحت يريفان ساحة للاشتباكات بين الأرمنيين والأذريين، يعتقد أن الحكومة الروسية حرّضت عليها من أجل صرف انتباه الجمهور عن الثورة الروسية عام 1905.

تصاعدت التوترات مرة أخرى بعد استقلال كل من أرمينيا وأذربيجان مدة وجيزة عن الإمبراطورية الروسية عام 1918، وتنازع البلدان حول حدودهما المشتركة، وأدت الحرب المقترنة بتدفق اللاجئين الأرمن إلى مذابح واسعة النطاق ضد الأذريين في أرمينيا، مما أدى إلى فرار غالبيتهم إلى أذربيجان وتغير التركيبة العرقية والديموغرافية للولايات الأرمنية.

باكو والأرمن

على الجانب الآخر، شكل الأرمن ذات يوم مجتمعا كبيرا في باكو العاصمة الحالية لجمهورية أذربيجان، على الرغم من أن تاريخ استيطانهم المبكر غير واضح، فقد تضخم عدد السكان الأرمن في باكو خلال القرن 19، عندما أصبحت مركزا رئيسيا لإنتاج النفط، وقدمت فرصا اقتصادية أخرى للمستثمرين ورجال الأعمال المغامرين، بحسب المرجع التاريخي "أوروبا الشرقية وروسيا وآسيا الوسطى 2004" (Eastern Europe, Russia and Central Asia 2004).

وظلت أعداد الأرمن في باكو كبيرة حتى القرن 20، على الرغم من اضطرابات الثورات الروسية عام 1917، لكن جميع الأرمن تقريبا فروا من المدينة بين عامي 1988 ومطلع 1990، إذ بقي 50 ألف أرمني فقط في باكو مقارنة بربع مليون عام 1988؛ بالتزامن مع اندلاع التوترات العرقية المصاحبة لتفكك الاتحاد السوفياتي والمراحل الأولى من حرب ناغورني قره باغ.

شهدت باكو تدفقا كبيرا للأرمن بعد دمج المدينة في الإمبراطورية الروسية عام 1806، وشغل العديد منهم وظائف كتجار ومديرين صناعيين ومسؤولين حكوميين، وأنشؤوا مجتمعا في المدينة ضم كنائس ومدارس، وكانوا نموذجا لثقافة أدبية حية. وسمحت الظروف الاقتصادية التي قدمتها الحكومة الإمبراطورية الروسية للعديد من الأرمن بدخول أعمال إنتاج النفط والحفر المزدهرة في باكو.

جبل أرارات على الحدود التركية الأرمينية الحالية كان يضم قرية أذرية عام 1838 (الصحافة الأجنبية)

وشكّل الأرمن مع الروس النخبة المالية للمدينة، وتركزت العاصمة المحلية بشكل أساسي في أيديهم، لكن أدت التوترات المتزايدة بين الأرمن والأذر (التي أثارها غالبا المسؤولون الروس الذين كانوا يخشون الحركات القومية بين رعاياهم العرقيين غير الروس) إلى مذابح متبادلة في 1905-1906، مما زرع بذور عدم الثقة بين هاتين المجموعتين في المدينة وأماكن أخرى في المنطقة لعقود قادمة، بحسب كتاب "سياسات الهوية في آسيا الوسطى والعالم الإسلامي" (Identity Politics in Central Asia and the Muslim World) لمؤلفيه ويليم فان شيندل وإريك جان تسورشر.

وبعد إعلان استقلال أذربيجان في عام 1918، أصبح حزب الطاشناق القومي الأرمني نشطا بشكل متزايد في باكو التي احتلها البلاشفة الروس آنذاك. وتألف عدد من أعضاء الهيئة الإدارية لمجموعة باكو السوفياتية من الأرمن. وعلى الرغم من تعهدهم بعدم المشاركة، حشد الطاشناق وحدات المليشيات الأرمنية للمشاركة في مذابح "أيام مارس" ضد السكان المسلمين في باكو عام 1918، مما أسفر عن مقتل الآلاف.

هجرة متواصلة

بعد أشهر قليلة، تضاءلت الجالية الأرمنية نفسها، حيث فرّ آلاف الأرمن من باكو أو قُتلوا عند اقتراب الجيش التركي الأذري (الذي استولى على المدينة من البلاشفة). ورغم هذه الأحداث الدموية، كان الأرمن -بمن فيهم أعضاء الطاشناق- ممثلين في البرلمان الأذري المشكل حديثا نهاية عام 1918، وكان لهم 11 من أصل 96 عضوا، وفي المقابل كان للأذر 3 مندوبين في البرلمان الأرميني المكون من 80 مقعدا.

ولم تنتهِ قصة الأرمن في باكو في زمن الحرب العالمية الأولى، فبعد أن أصبحت أذربيجان سوفياتية، تمكن الأرمن من إعادة تأسيس مجتمع كبير وحيوي في باكو يتكون من المهنيين المهرة والحرفيين والمثقفين المندمجين في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لأذربيجان.

نما المجتمع بشكل مطرد جزئيا بسبب الهجرة النشطة لأرمن ناغورنى قره باغ إلى باكو وغيرها من المدن الكبيرة، ونما حي باكو المأهول بالأرمن والمسمى إرمينيكيند من قرية صغيرة لعمال النفط إلى مجتمع حضري مزدهر.

وفي بداية نزاع ناغورني قره باغ عام 1988، كان عدد سكان باكو وحدها من الأرمن أكبر من سكان هذا الإقليم، وكانوا ممثلين على نطاق واسع في أجهزة الدولة.

الصراع والاتحاد

أما جورجيا، البلد الثالث في الفسيفساء القوقازية، فقد ضمت إلى جانب الجورجيين أعراقا أخرى، أهمها الأذر الذين يشكلون أكبر أقلية عرقية في البلاد منذ القرن 11، عندما استقرت قبائل أوغوز التركية في جنوب البلاد، بينما يشكل الأرمن أكبر أقلية عرقية في تبليسي العاصمة الجورجية الحالية، بعد أن هاجروا إليها من مناطق أرمنية في العصور الوسطى.

وبعد الثورة الروسية، وفي العقد الثاني من القرن 20، أدى تفكك جيش القوقاز الروسي إلى ترك منطقة القوقاز شبه خالية أمام تقدم الجيش العثماني الثالث. وردا على ذلك، حاول الأرمنيون والجورجيون والأذريون إنشاء جيش موحد، ووضعوا قواتهم تحت قيادة "مجلس عسكري للقوميات" مشكل من الشعوب الثلاثة، لكن ما لبثت المواقف أن اختلفت إذ تحالف الأذريون مع الإمبراطورية العثمانية، بينما وقعت جورجيا على معاهدة بوتي مع ألمانيا ورحّبت ببعثة ألمانية لحمايتها عام 1918.

ونظرا لأن الاتحاد القوقازي استمر لمدة شهر واحد فقط، فإنه لم يترك تراثا كبيرا مشتركا في هذه الفترة، حتى في المناهج التعليمية للبلدان الثلاثة التي تركز على خطوات كل بلد نحو أن يكون دولة مستقلة، وتتجاهل أحيانا تجربة الاتحاد القوقازي العابر للقوميات.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الأجنبية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

اكتشف علماء آثار أرمنيون بقايا مدينة كبيرة يرجع تاريخها إلى خمسة أو ستة آلاف عام في منطقة أراغاتس غرب أرمينيا. وأعلن معهد الآثار وعلم السلالات في أكاديمية العلوم الأرمنية أن المدينة المكتشفة تعود إلى بدايات العصر البرونزي.

21/11/2001

في رحلة وتجوال استمرا 10 سنوات رصد المهندس المعماري محمد أمين يلماز قيام 18 بلدا كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية بتحويل 329 معلما أثريا -معظمها جوامع ومساجد بالإضافة لتكايا وأضرحة- إلى كنائس.

18/7/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة