رؤية نقدية بريطانية لما بعد الحداثة: كيف دمر المثقفون الفرنسيون الغرب؟

فن "ما بعد الحداثة" يعبر عن حالة توصف بأنها نوع من الخروج عن معايير الجمال لأساليب توصف بأنها عبثية وتفتقد المعنى (بيكسلز)
فن "ما بعد الحداثة" يعبر عن حالة توصف بأنها نوع من الخروج عن معايير الجمال لأساليب توصف بأنها عبثية وتفتقد المعنى (بيكسلز)

تمثل حركة "ما بعد الحداثة" الفلسفية تهديدا لمشروع التحديث والتنوير الفلسفي من ناحية، وللديمقراطية الليبرالية من ناحية أخرى، فمجموعة الأفكار والقيم التي تمثلها هذه الفلسفة قد كسرت حدود الأوساط الأكاديمية، واكتسبت قوة ثقافية كبيرة في المجتمع الغربي شملت "أعراضا" لاعقلانية وتناقضات متأصلة في طريقة التفكير التي تنكر وجود حقيقة مستقرة أو معرفة موثوقة، وفقا للباحثة والكاتبة البريطانية هيلين بلوكروز.

وفي مقالها بمجلة "آريو" (Areo) الثقافية الإلكترونية التي تترأس تحريرها، تعرّف بلوكروز "ما بعد الحداثة" بأنها ببساطة، حركة فنية وفلسفية بدأت في فرنسا في الستينيات، وأنتجت فنا و"تنظيرا" مثيرين للحيرة، واستندت إلى الفن السريالي وأفكار الفلاسفة الألمان نيتشه وهايدغر بسبب مناهضتهم للواقعية، وكان رد فعل هذه الحركة الفلسفية مناقضا للنزعة الإنسانية الليبرالية التي وسمت الحركات الفنية والفكرية الحديثة.

تعتبر بلوكروز أن حركة ما بعد الحداثة رفضت الفلسفة التي تقدر الأخلاق والعقل والوضوح، وأن ما بعد الحداثيين هاجموا العلم وهدفه المتمثل في الوصول إلى معرفة موضوعية، فيما تميزت حركة ما بعد الحداثة اليسارية بنفس عدمي وثوري.

الحداثة وما بعدها

جوهر الحداثة هو تطور العلم والعقل بالإضافة إلى النزعة الإنسانية والليبرالية العالمية، وفي المقابل فإن ما بعد الحداثيين يعارضون ذلك وينتقدون أهداف المشروع الحداثي.

وإذا فهمنا الحداثة على أنها هدم هياكل السلطة بما في ذلك الإقطاع والكنيسة والنظام الأبوي والإمبراطورية، فإن ما بعد الحداثيين يحاولون إبقاءها واستهداف العلم والعقل والإنسانية والليبرالية في المقابل، وبالتالي فإن جذور ما بعد الحداثة هي سياسية بطبيعتها وثورية لكنها مدمرة وخادعة، كما تستدرك الكاتبة.

تقول الكاتبة إن ما بعد الحداثة هي فلسفة تسعى لجعل المعرفة نسبية، وإلغاء الإيمان بالحقائق أو القناعات الشخصية الراسخة أو التوجهات الثقافية المحددة، وتدعو في المقابل لتفضيل "التجربة الحية" (الشخصية) على الأدلة التجريبية، كما أن هناك محاولة لترويج آراء محددة بدعوى حماية التنوع مع منح مجموعات أقلية معينة امتيازات مستثناة من إجماع العلماء، ومستثناة كذلك من "الأخلاق الديمقراطية" التي يتم وصمها بأنها سلطوية وأيديولوجية.

وتعبر فلسفة ما بعد الحداثة عن الإحباط الفلسفي الغربي من الحداثة، ويرى فلاسفة أوروبيون أنها جاءت كرد فعل عكسي على الدمار الذي لحق بأوروبا بسبب الحرب العالمية الثانية والفاشية والمذابح، إذ تزعزعت ثقة الفلاسفة والفنانين بالحداثة السياسية والاقتصادية، وأنكروا المشروع التنويري برمته واستبدلوا اليقين بالتشكيك والتفكيك وحتى العدمية.

الفلاسفة الفرنسيون

وصاغ مصطلح "ما بعد الحداثة" الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار (1924-1998) في كتابة لعام 1979 "الوضع ما بعد الحداثي"، وعبّر ليوتار عن نقده للحداثة وسقوط الأيديولوجيات الكبرى أو "السرديات الكبرى" كما أسماها، وقدم نقده لفكرة التنوير وللأيديولوجيات الحديثة التي عدّها نتاج التنوير معتبرا أنها سقطت وفشلت فشلا ذريعا.

وتسعى فلسفة ما بعد الحداثة لإنكار وجود الحقيقة الموضوعية، وتعتبر كل واقع في الأصل مجرد بناء من أفكار ذاتية لصاحبها، إذ لا توجد حقيقة كونية مستقلة في رؤية هؤلاء الفلاسفة الذين يشككون بشكل مستمر في كل السرديات الكبرى، وساهم فرانسوا ليوتار مع كل من الفلاسفة الفرنسيين جاك دريدا وفرانسوا تشالي وجيل دولوز في تأسيس المعهد العالمي للفلسفة.

وتركز عمل الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984) أيضا على اللغة والمفاهيم النسبية، على الرغم من أنه طبق ذلك على التاريخ والثقافة، معتبرا أن المعرفة هي نتاج مباشر للقوة.

علاوة على ذلك، تم تصور الناس ثقافيا في تنظيرات "ما بعد الحداثة" باعتبار "الفرد، بهويته وخصائصه، هو نتاج علاقة قوة تمارس على أجساد، ورغبات، وقوى"، وهو ما اعتبرته الكاتبة أنه لا يترك أي مجال للفردية والاستقلالية الذاتية.

وكما يقول الفيلسوف المسيحي الأميركي كريستوفر بتلر، فإن فوكو يعتمد على المعتقدات المتعلقة بالشر المتأصل في الموقف الطبقي للفرد، أو المركز المهني الذي يُنظر إليه على أنه "خطاب"، بغض النظر عن أخلاقيات سلوكه الفردي. وهو يقدم إقطاع القرون الوسطى والديمقراطية الليبرالية الحديثة على أنهما قمعيان بالقدر ذاته، ويدعو إلى انتقاد ومهاجمة المؤسسات لكشف "العنف السياسي الذي مارس نفسه دائما من خلالهما بشكل غامض".

تقول الكاتبة، إن فوكو يمثل التعبير الأكثر تطرفا للنسبية الثقافية، إذ يقرأ الثقافة من خلال هياكل السلطة التي تكون فيها الإنسانية والفردية المشتركة غائبة تماما تقريبا، وبدلا من ذلك يتم تصور الناس من خلال موقفهم في ما يتعلق بالأفكار الثقافية السائدة إما كظالمين أو مظلومين.

ثم جاء دريدا

كان جاك دريدا (1930-2004) هو من قدم مفهوم "التفكيك"، كما دعا إلى النسبية الثقافية والشخصية، وركز بشكل أكثر وضوحا على اللغة، والاقتباس الأكثر شهرة لدريدا "ليس ثمة خارج السياق"، أو "لا يوجد شيء خارج النص" يتعلق برفضه لفكرة أن الكلمات تشير إلى أي شيء مباشر، بدلا من ذلك "هناك سياقات فقط بدون أي مركز ثابت على الإطلاق".

لذلك فإن مؤلف النص ليس هو المرجع في معناه، بل يصنع القارئ أو المستمع معناه الصحيح بالقدر نفسه، وكل نص "يولد سياقات جديدة بلا حدود بطريقة غير قابلة للانتهاء على الإطلاق".

أراد دريدا الإشارة إلى أن المعنى يُبنى عبر إدراك الاختلافات، وتحديدا من خلال التعارضات المتناقضة، فمثلا كلمة "شاب" منطقية فقط في علاقتها بكلمة "عجوز"، وجادل دريدا بأن المعنى يُبنى من خلال تعارض هذه التناقضات التي توصف بكونها إيجابية وسلبية.

وأصبح دريدا منظّرا للمزيد من النسبية الثقافية والمعرفية، والمزيد من التبرير لسياسات الهوية، وخاصة مع تشديده على عدم إمكانية رفض التعارض والتناقض، وبالتالي رفض قيم الليبرالية التنويرية للتغلب على الاختلافات والتركيز على حقوق الإنسان العالمية والحرية الفردية، وفقا للكاتبة.

نهاية التنوير

تقول الكاتبة إن هذه المجموعة الفكرية تتبنى "مجموعة مفاهيم" تهدد بإعادة العالم الغربي إلى زمن ما قبل عصر التنوير، عندما كان يُنظر إلى "العقل" ليس فقط على أنه أدنى مرتبة من العاطفة، ولكن باعتباره خطيئة.

وتعتبر الكاتبة أن فلسفة ما بعد الحداثة التي نظّر لها الفلاسفة الفرنسيون، تشكل ردّة لعصر سيطرة الكنيسة على الحياة الفكرية ونكسة إلى الوراء، وعودة إلى المصادر القديمة والعصور الوسطى وما قبل الحداثة والمعرفة المعاصرة.

وتختم بمقولة لافتة "إن أزمتنا الحالية ليست أزمة اليسار مقابل اليمين، بل هي أزمة الاتساق والعقل والتواضع والحرية العالمية مقابل التناقض واللاعقلانية والاعتقاد الحماسي والاستبداد القبلي.. يبدو مستقبل الحرية والمساواة والعدالة قاتما بالقدر نفسه، سواء فاز اليسار ما بعد الحداثي أو يمين ما بعد الحقيقة في هذه الحرب الحالية. أولئك الذين يقدرون الديمقراطية الحرة وثمار ثورة التنوير والعلم والحداثة يجب أن يجتهدوا نحو خيار أفضل".

المصدر : الجزيرة + الصحافة البريطانية

حول هذه القصة

يعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس من بين أكثر المفكرين تأثيرا في عصرنا، وفي عمله الجديد الذي قدمه بالتزامن مع بلوغه ٩٠ عاماً بعنوان “هذا أيضًا تاريخ الفلسفة” يؤرخ لتاريخ الفلسفة منذ القديم.

2/7/2020

صدرت عن المنظمة العربية للترجمة والمعهد العالي للترجمة مؤخرا الترجمة العربية لكتاب “حالة ما بعد الحداثة.. بحث في أصول التغيير الثقافي” للكاتب المعروف هارفي الذي يقدم عرضا واضحا ونقديا لمحصلة التعريفات والأفكار والمقاربات المتصلة بالحداثة وما بعد الحداثة في علاقتها بالتغير الاجتماعي والسياسي.

5/11/2005

أقيمت عدة فعاليات ثقافية بمناسبة زيارة الناقد والمفكر والشاعر المغربي محمد بنيس للخرطوم لأول مرة، وهو الذي يحظى بكثير من القراء والمتابعين في الحقل الثقافي السوداني منذ ثمانينيات القرن المنصرم.

25/1/2015

يعتبر المخرج جون لوك غودار من أكثر السينمائيين نقدا للواقع السياسي والاجتماعي في الغرب منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وقد أبدى في أفلامه اهتماما كبيرا بالقضية الفلسطينية وبنقد إسرائيل.

10/3/2015
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة