عادات وتقاليد متوارثة.. هكذا يحتفل العراقيون بالمولد النبوي

أجواء حي الأعظمية فريدة في أيام المولد النبوي (صحافة عراقية)
أجواء حي الأعظمية فريدة في أيام المولد النبوي (صحافة عراقية)

يشهد العراق احتفالات واسعة بذكرى المولد النبوي كل عام، حيث يحرص معظم العراقيين على تزيين البيوت والطرقات والأسواق.

ويتميز احتفال العراقيين بهذه المناسبة عن باقي الشعوب بعادات وتقاليد متوارثة، إذ تقوم العائلات بتجهيز الطعام وتوزيعه على الجيران، مثل طبخ الزردة، وحلوى التمر وغيرهما، وارتفعت وتيرة الاحتفال هذا العام لتزامنها مع إساءة فرنسا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوى حرية التعبير.

مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي تنظم في بغداد وجميع المدن العراقية (الجزيرة)

احتفالات عفوية

وتتميز احتفالات المولد النبوي في العراق بالعفوية، لأنها تنبع من محبة الشعب العراقي للنبي صلى الله عليه وسلم، وارتباطها العاطفي الوثيق به، كما يقول الشيخ وليد الحيالي إمام وخطيب أحد مساجد بغداد.

ويضيف الحيالي في حديثه للجزيرة نت أنه "لا تكاد تجد منطقة أو حيا من الأحياء إلا وتجد فيه مظاهر الاحتفال، سواء عبر الأناشيد في مكبرات الصوت، أو بإظهار الزينة في البيوت والمساجد والمحلات، وتوزيع الحلوى وإقامة الولائم وتوزيع الحلوى والعصائر".

ويتابع "المديح النبوي يكون أبرز ما في الاحتفال داخل المسجد، وإن كانت هناك دورات للقرآن فيكون اختتامها مناسبا في أيام الاحتفالات بالمولد، حيث توزع الهدايا على المتفوقين والمشاركين".

وينوه الحيالى إلى مشاركة الأهالي في جمع التبرعات لما يحتاجه الاحتفال من طعام وشراب وهدايا وغيرها، وبذلك يكون أحد مظاهر التلاحم والتعاطف بين أبناء المنطقة، وتمتد الظاهرة لتشمل جميع أراضي الوطن، حيث إن الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة دينية لا تخص طائفة معينة أو مذهبا معينا.

ويبدأ الاحتفال بتلاوة القرآن الكريم لآيات تخص النبي صلى الله عليه وسلم، حسب القارئ ياسر محمد العزاوي، ثم بعد ذلك كلمة لأحد العلماء، حيث يذكّر فيها بفضل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تبدأ المناقب النبوية، وهي جلسات عامة لذكر مناقب النبي ويحييها منشدون بأصواتهم الجميلة، ويختمون مجلسهم بالدعاء للإسلام والمسلمين. وكانت الدعوات هذا العام تتركز على رفع الوباء والبلاء عن بلادنا وعن جميع بلاد المسلمين.

تزيين الشوارع بلافتات تحمل معاني حب النبي محمد صلى الله عليه وسلم (الجزيرة)

الأعظمية واجهة الاحتفالات

احتفالات المولد النبوي تقام في معظم مدن العراق، لكن تبقى أجواء الأعظمية فريدة في أيام المولد النبوي كل عام، كما يقول الكاتب والمؤرخ خالد عوسي الأعظمي.

ويروي عوسي للجزيرة نت كيف يستعد سكان الأعظمية قبل حلول ذكرى المولد بأيام عديدة؛ حيث يقومون بتنظيف واجهات المنازل وتزيينها لتبدو بأبهى صورة، كما تُضاء مئذنة مسجد الإمام أبي حنيفة النعمان وباحته بالمصابيح الملونة، وتُزين المتاجر والمباني بأجمل الأشرطة الملونة، واللافتات التي تحمل معاني حب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتدعو للوحدة والألفة بين العراقيين.

كما يؤكد الحيالي أن الأعظمية أصبحت الآن مركز الاحتفالات في العراق، أو الواجهة الرسمية للاحتفال، حيث التجمع يكون عند مرقد وجامع الإمام أبي حنيفة النعمان.

ويشيد الحيالي بأهالي الأعظمية الذين يتحملون أعباء ضيافة مئات الآلاف في ليلة الاحتفال، وإذ يأتي المحتفلون للأعظمية وهي متزينة بالكامل، وتهيأ أهلها حتى بلبس الألبسة الجديدة والزاهية.

من جانبه، أكد الأكاديمي الدكتور هيثم عبد السلام الأعظمي أن الأعظمية تحتفي بالمولد النبوي منذ قرون عديدة، لوجود جامع الإمام الأعظم في الأعظمية، الذي كان مرجع الدولة العثمانية.

الاحتفال المركزي بذكرى المولد النبوي (الجزيرة)

وأشار إلى أن ما يميز احتفالات الأعظمية وجود شعرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم المحفوظة في جامع الإمام أبي حنيفة، التي أهدتها الدولة العثمانية عام 1907، وما زال يحتفظ بها ويعرضها في أيام محدودة في السنة، من ضمنها ليلة المولد النبوي الشريف.

وفي صباح يوم المولد النبوي، تتم عملية ختان الأطفال مجانا في جمعية منتدى الإمام أبي حنيفة. وبعد أن تنهي الأعظمية احتفالاتها تبدأ احتفالات باقي مساجد بغداد والمحافظات، وتستمر الاحتفالات إلى نهاية شهر ربيع الأول.

ويلفت الأعظمي إلى أن ظروف جائحة كورونا جعلت الاحتفالات الرسمية مختصرة هذا العام، أما الأزقة الشعبية فقد استمرت مظاهر الاحتفال فيها.

حلوى الزردة وشموع في احتفالات المولد النبوي في العراق (مواقع التواصل)

عادات شعبية

ورغم استمرار الاحتفالات السنوية بالمولد النبوي، فإن كثيرا من العادات القديمة بدأت تندثر، ويستذكر عوسي ليلة المولد خلال فترة السبعينيات وقبلها، حيث كان الناس يرتدون الملابس الجديدة، ويضعون باقات الآس والورود أمام منازلهم وعلى امتداد الشارع، وتفوح منها أطيب الروائح.

ويضيف أنه بعد غروب شمس ليلة المولد، تجوب مجموعات من الشباب والفتيان أزقة الأعظمية، وهم يحملون الشموع في الصواني، ويضربون الدفوف مرددين أناشيد المولد النبوي والأهازيج الشعبية، وينثرون قطع الحلوى، وتقابلهم النسوة بالزغاريد و"الهلاهل". وينتهي مسارهم في ساحة مسجد الإمام الأعظم، قبل حلول صلاة العشاء، وتزدحم الباحة بالناس، ويبدأ الاحتفال، ويستمر حتى الفجر.

وترتبط حلوى الزردة بالفرح في موروث العراقيين، وتتكون من الرز والسكر وماء الورد والزعفران والهيل، ويمكن تزيينها بالقرفة أو المكسرات، حسب المؤرخ عوسي. وسميت "زردة" نسبة إلى اللون الأصفر باللغة الفارسية، وهو لون الزعفران.

ويورد العزاوي للجزيرة نت أن "الزردة" تعد أكلة أساسية في هذه المناسبة، حيث إن أغلب العراقيين يجهزون هذه الأكلة وهي من الحلويات القديمة، ويتم توزيعها مع الأطعمة الأخرى في الشوارع والطرقات على المارة، ومنهم من يعمل الولائم ويدعو لها المحبين والأقارب.

البياتي قال إن إساءة ماكرون للنبي محمد صلى الله عليه وسلم خيمت على الاحتفالات (الجزيرة)

إساءة ماكرون

ويرى إمام وخطيب جامع أبي حنيفة الشيخ مصطفى البياتي أن الاحتفالات هذه السنة لها خصوصية؛ كونها تزامنت مع تعاطف ملايين المسلمين في العراق والعالم ضد إساءة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلى حضرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبيّن البياتي قيامهم بوقفة استنكارية في الأعظمية، حضرها الآلاف، وتخلل الوقفة بيان طالب الحكومة العراقية باستدعاء السفير الفرنسي وتسليمه مذكرة احتجاج، إضافة إلى مقاطعة البضائع والشركات الفرنسية.

من جانبه، ينوه العزاوي إلى أن احتفال هذا العام تضمن رد اعتبار، واستنكارا لتصريحات الرئيس الفرنسي، حيث كانت الشعارات والقصائد والكلمات في هذا العام تركز كلها على رفض هذه الإساءة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحولت ذكرى المولد النبوي بالعراق في السنوات الأخيرة إلى وسيلة يحاول البعض استغلالها أو ركوبها للكسب السياسي والجماهيري، خاصة في جامع الإمام أبي حنيفة بالأعظمية في العاصمة بغداد.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة