ذكرٌ وشعرٌ وفكر.. الاحتفال بالمولد النبوي في السودان

احتفالات سودانية بالمولد النبوي الشريف (الفرنسية-أرشيف)
احتفالات سودانية بالمولد النبوي الشريف (الفرنسية-أرشيف)

يتوقف المسلمون عند ذكرى عظيمة كلما أهلّ هلال ربيع مولده، وإن اختلفت طرائق الاحتفال والتعبير عن هذا الحب من بلد لآخر. وفي السودان يشكل الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم عادة رئيسًة في الحياة السودانية ويُعَدُّ له قبل موعده يوم 12 ربيع الأول للسنة الهجرية، ولا يكاد ينتهي بنهاية هذا الشهر.

الطرق والطرائق

أينما حللت في أي من مدن السودان تجد ميدانًا عامًا خصصه أهله للاحتفال بالمولد النبوي، وترى أفواجًا من الناس غادية رائحة.

وتبدأ الترتيبات قبل النصف الثاني من شهر صفر بضرب الخيام وتجهيزها للحدث، ويقربنا الشيخ عامر أبو قرون رئيس اتحاد المادحين والمنشدين السودانيين من المشهد، قائلاً "خيام المولد مؤقتة تُضرب للاحتفال به في الميدان المخصص لذاك، وتعرف كل طريقة من الطرق الصوفية في المدينة المعينة المكان الذي تنصب فيه خيمتها".

لكن الأمر ليس نصبٍ خيام فقط، ففي هذه الخيام حركة لا تنقطع ليلًا ونهارًا، وفي هذا يواصل الشيخ عامر إفادته للجزيرة نت قائلًا "يكون الاستعداد بنصب الخيام ورفع الرايات وتجديدها وتوزيع الأدوار المختلفة من الضيافة إلى المدح والإنشاد ودروس الإرشاد بين المريدين، ثم تكون من بعد ذلك (الزفة) إيذانًا بانطلاق الاحتفال". و(الزفة) موكب يجول شوارع رئيسة بالمدينة ترتفع فيها رايات الطرق وتضرب (النُّوبَات). و(النوبة) طبل كبير جدًا.

ويتجه الموكب إلى الميدان المخصص بالمولد والحناجر صادحة بالأذكار تارة، وتارات بقصائد المديح والإنشاد، إلى أن يصل الموكب غايته ويبلغ الميدانَ المخصص للاحتفال، والذي يضم إلى جانب خيام الطرق الصوفية خيمة رسمية للحكومة، وأحيانًا خيام جماعات لها رأي شرعي في طريقة الاحتفال ذاته.

تواريخ قديمة وملمح من الحياة السودانية

شكَّل الشعر السوداني المادح للرسول صلى الله عليه وسلم ملمحًا من ملامح الحياة السودانية، وأحد أهم الموضوعات التي تناولها الشعر السوداني فصيحًا كان أو مما جرت به اللهجة الدارجة.

ولقد أسهم المديح في صياغة وجدانهم، وكان مديح المصطفى عليه الصلاة والسلام حاضرًا في ثنايا الحياة السودانيّة، فلا يخص بالمولد النبوي وذكراه أو المجالس الدينية، بل يكاد يكون حاضرًا في كل المناسبات والأحداث الاجتماعية: من السرور بالمولود، إلى دفن المفقود، مرورًا بالزواج وغيره من المناسبات.

وشعر المديح من أقدم الشعر السوداني الذي حوته المكتبة السودانية، فكتابا "طبقات ود ضيف الله، مخطوطة كاتب الشونة" يعدان من أقدم الكتب السودانية، وكان جُلُّ الشعر المثبت فيهما مديحًا نبويًا ويغلب عليه العاميُّ، مع وجود لشعر فصيح جيد المستوى لم يتفطن له الباحثون من خارج السودان فيما ذهب إليه البعض.

ويرى الناقد والباحث أبوعاقلة إدريس، في إفادة خصَّ بها الجزيرة نت، أنه من النادر ألا يكون لشاعر سوداني قصيدة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما يشير لتقاليد خاصة بقصيدة المديح العامي في هيكل بنائها والأركان الأساسية التي تقوم عليها.

ويتوقف أبوعاقلة للتفريق بين المديح بشكله العام وبين الموالد (وهي قصائد تلخص أهم محطات السيرة النبوية) في حين يُحلق المديح بعمومه في الأشواق للنبي الكريم، وللبقاع المقدسة، وغالبًا ما يورد بعض المعجزات، وربما مدح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته.

ميدان المولد منبرًا لدعوات الحرية

لا تقتصر خيام المولد على قراءة القرآن والذكر أو إنشاد قصائد المديح فقط، بل تتسع دائرتها للخطب والمواعظ التي تتحدث عن حال المسلمين وواقعهم، وعلى اختلاف الحقب التي مرت على السودان كانت الدعوات للإصلاح منعقدة إما تصريحًا أو رمزًا إن انخفض سقف الحرية. وتحفظ ذاكرة شعر المديح السوداني قصائد كثيرة لمشايخ انتقدت الأوضاع السياسية والاقتصادية، خاصة التي قيلت زمن الاستعمار.

ويردُّ الشيخ عامر الأمر لإحساس المداح بحال الناس وللشعبية التي يتمعون بها وسيرورة القصائد المؤداة بين الناس، ويواصل إفادته فيقول "مدائح كثيرة حفلت بدعوات التحرر أو انتقاد الأوضاع، ومن أشهر المادحين الذين سلكوا هذا النهج حاج الماحي (1789–1871، حكم محمد علي باشا للسودان) والشيخ حياتي (1871-1943، زمن الحكم الثنائي البريطاني المصري)".

ويورد في إفادته للجزيرة نت حادثةَ منعِ السلطات الماحي من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم لما ظلَّ يرسله من رسائل مناهضة لهم في ثنايا القصائد، لكنه رفض الانصياع للأمر بل ضرب (طاره) دفه وشدا بصوته قائلًا:

"حتى إن كان تفور بأقدار نمدح فوق رسولنا بطار"

وشهدت ميادين المولد بالسودان بدايات القرن الماضي قصائد تناهض الاستعمار بلغت ذروتها عام 1923، وكان الاحتفال الرئيس بميدان المولد بأمدرمان قد شهد قراءة قصائد كثيرة يربط بينها استغلال المنبر لإشعال الروح الوطنية، وكانت الرقابة تفرض على من يريد قراءة الشعر تسليم نسخة مكتوبة من قصيدته تقرأ بعد الموافقة عليها.

وغالبًا ما يبدل الشعراء صدرًا أو عجزًا وربما بيتًا أو بيتين ليوصلوا رسائلهم، ووثق الأستاذ حسن نجيلة في كتابه المهم "ملامح من المجتمع السوداني" ما كان ذلك العام، وكيف أن القصائد في أغلبها صاغت ذات الرسالة، وذكر حادثة رفض الرقابة للشاعر مدثر البوشي قراءة قصيدة لأنه لم يسلم نسخة مكتوبة، لكنه وبوساطة المأمور المصري قرأ قصيدته "ويبرز الرجل الطيب السمح المرحوم عبد الخالق حسن، مأمور مركز أمدرمان.. ويقول للجنة الاحتفال إنه يتحمل مسؤولية ما سيلقيه الفتى".

ومما قرأ البوشي:

يقال: رجالٌ، لا وربك إنهم* جديرون حقًا أن يقال الفواطمُ!

نفوس أبت فعل الجميل لأهلها* وأيد إلى الأعداء نعم اللهازمُ

فما روَّع العلياء إلا عمائمٌ* تساوم فينا وهي فينا سوائمُ!

وعروس المولد الحلوة جلاها التجار:

على كون الحدث الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، لكن ميادين المولد بالسودان تتسع لأكثر من الحدث، وربما غطى ما هو فرعي جانبي على أصل الاحتفال، فالخيام زاخرة ذكرًا ومدحًا وتلاوة لكتاب الله في أوقات كثيرة، إلا أن مرتادي الميادين ليسوا كلهم من المشاركين بالذكر، وربما حضروا المدائح وشهدوا غيرها كذلك، إذ تشهد ميادين المولد تدافع أسر كثيرة نساء ورجالًا شيًبا وأطفالًا، ولكل مقصده، فتنشط محلات بيع "حلوى المولد" على اختلاف أنواعها، فللأسر "الفولية والسمسية وغيرها" وللصبيان ذلك الحصان المصنوع من الحلوى، وربما كان عليه فارس، وللبنات "عروس المولد" المزينة المزركشة، وتعمر الميادين بالأشربة والأطعمة بيعًا وشراءً وتصدقًا في أوقات كثيرة.

ويورد نجيلة في كتابه المذكور وصفًا لمشهد لم يزل حاضرًا، فيقول "ونجوب ساحة المولد نستمتع بمشاهدة الفتيات الحسان يخطرن في خفر وحياء.. وكان حالنا معهن في ليلة الميلاد من كل عام كحال عمر بن أبي ربيعة وهو يستقبل ركب تلك ويودع ركب أخرى من حسان العرب عند مكة موسم الحج، ولا يكون منا ومنهن غير هذه الصبوة البريئة والنظرات الساجية الحبيبة".

ولقد صوَّر الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب ذات المشهد في قصيدته "ليلة المولد":

وفَتاةٌ لوْنُهَا الأسْمَرُ مِن ظِلِّ الحِجَابْ

تتَهَادَى فِي شَبَابٍ وارْتِيَابْ

قد تُحَيِّيكَ وتَدعُوكَ بأطرَافِ الثِّيَابْ

وهْيَ قَيدٌ وانطِلاقْ

واضطرَابٌ واتِّسَاقْ

إنْ نَأتْ عَنّا وأخْفَتْهَا الدِّيَارْ

فعَرُوسُ المَوْلدِ الحَلْوةُ جَلَّاهَا التِّجَارْ

لبِسَتْ، ألوَانُهَا شَتَّى، أمِيرَة

ما أُحَيْلَاهَا صَغِيرَة

وقفَتْ فِي كَرْنَفَال

فَوقَ عَرْشٍ دُونهُ الحَلْوَى كنُوزٌ ولآلْ

من أسَاطِيرِ الخَيَالْ

وتبقى المحبة سببًا رئيسًا لتجمع هذه القلوب في ميادين تتسع كلما نزلت بها الجموع.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شهد العالم الإسلامي احتفالات كبيرة بالمولد النبوي اختلفت تفاصيلها لكنها اجتمعت على التعبير عن حب المحتفى به. ويبدو أن وتيرة الاحتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم ازدادت بعد الرسوم المسيئة.

ارتبط الحديث عن الإمْزاد بأساطير خطها الطوارق وتوارثوها في ثقافتهم حول بدايات هذا اللون الموسيقي وآلته التي وجد فيها نساء الطوارق الملاذ الروحي والصوفي، وجعلها الرجال وسيلتهم للتعبير عن الانفعالات.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة