المعرفة والسلطة في زمن "ما بعد الاستشراق".. لماذا تنضح لغة السياسيين المعاصرة بكراهية الإسلام؟

الجدل الفرنسي حول الإسلام يرتبط بسياقات سياسية واستحقاقات انتخابية وتقاليد استشراقية مختلفة (الجزيرة)
الجدل الفرنسي حول الإسلام يرتبط بسياقات سياسية واستحقاقات انتخابية وتقاليد استشراقية مختلفة (الجزيرة)

لا يكاد الجدل بشأن الإسلام يتوقف في أوساط المثقفين في فرنسا حتى يتجدد مرة أخرى، ويختلط الثقافي بالسياسي في جدل محتدم لم يستثنِ حتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أثار خطاب له في غرب باريس موجة من التعليقات الناقدة.

وقال ماكرون إن الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان بالعالم، وإن على فرنسا التصدي لما وصفها بالانعزالية الإسلامية الساعية إلى إقامة نظام مواز وإنكار الجمهورية الفرنسية.

وتداول معلقون على وسائل التواصل الاجتماعي ردود فعل ناقدة لتصريحات ماكرون، وكتب المؤرخ الفلسطيني بشير نافع "ما لا يريد ماكرون أن يعترف به أن الدولة الفرنسية هي من تعيش الأزمة، ليس فقط لأنها ترفض التطهر من الدماء التي سفكتها لملايين الجزائريين والأفارقة، ولكن أيضًا لأنها لا تستطيع التحرر من نزعتها الإمبريالية".

وربط معلقون بين تصريحات الرئيس الفرنسي ومواقف سياسية ناقدة للإسلام توصف "بالاستشراقية"، وهو المصطلح الذي شرحه المفكر الفلسطيني الأميركي الراحل إدوارد سعيد في كتابه الصادر قبل 4 عقود بعنوان "الاستشراق".

المعرفة الاستشراقية والسياسة

وفي كتابه التالي "تغطية الإسلام"، رصد سعيد الطبيعة الاختزالية لدراسات الاستشراق وإنتاجه، وكيف تحولت إلى دراسات "إقليمية"، وتم استنفاد جهود باحثين جادين أو واعدين ليصبحوا في النهاية "خبراء مناطق"، يتم تجنيدهم في دوائر الاستخبارات والدبلوماسية والعسكرة الغربية.

وكشف في الكتاب عن علاقة الدراسات الغربية حول الشرق بالسلطة والنزعات السياسية، والاستثمارات الكبيرة التي خصصت لها، وكيف أصبح الاستشراق مذهبا فكريا -له خلفية سياسية- أنتج صورة عن الآخر (الشرق) برغبة تسلطية تحكمية استعمارية.

وبيّن كيف أثر ذلك المذهب في تشكيل الوعي الغربي، وخلق انطباعا سيئا لدى المتلقي الغربي عن الشرق، ونظرة سلبية مليئة بالتعصب ضد العرب والإسلام.

وبعكس ما اعتقده البعض، لم يتخذ إدوارد سعيد موقع الدفاع في كتابه، بل موقع المنتقد الكاشف لخطأ الغرب في مقاربته ورؤيته للشرق، وطرح مقاربة جديدة تسهم في ردم الهوة بين الشرق والغرب، من خلال احترام التعددية الثقافية، وربط المعرفة بالنزعة الإنسانية بدل النزعة التسلطية الأيديولوجية.

واعتبر سعيد أن "الاستشراق" شكّل منذ أواخر القرن 18 أسلوبا غربيا للسيطرة على الشرق، مؤكدا أن دراسة الشرق من قبل الغربيين هي دراسة منحازة مدفوعة بأغراض استعمارية، ووجهات نظر مسبقة، ونظرة دونية لشعوب الشرق مهما حاولت أن تبدو علمية وموضوعية.

لكن سعيد -الذي توفي بالسرطان في 25 سبتمبر/أيلول 2003- لم يشهد كل تحولات ما بعد العصر الكلاسيكي للاستشراق الأوروبي، خاصة بعد أن لم يعد العرب والإسلام مشمولين بمحاولة المعرفة والتفهم، بل بالكراهية والكراهية والكراهية، حسب حميد دباشي مؤلف كتاب "بعد الاستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب".

الاستشراق الجديد

وفي مؤلفه بعنوان "كراهية الإسلام: كيف يصور الاستشراق الجديد العرب والمسلمين؟"، يقدم الباحث والكاتب الأردني فخري صالح الخطاب الغربي عبر نماذج لكتاب مثل أديب نوبل فيديار سوراجبراساد، والاسمين الأميركيين الأكثر شهرة في دراسات العالم الإسلامي برنارد لويس وصمويل هنتغتون.

ويعتبر صالح أن هؤلاء الكتاب وأمثالهم هم نتيجة الحاجة الغربية الإستراتيجية لبناء عدو جديد، وهي صورة أيديولوجية وليست علمية ولا موضوعية.

وينظر صالح لاختلاف الظرف والسياق واللحظة المعاصرة الذي أسهم في تحولات الاستشراق، وأصبح يخدم أغراض بقاء القطب الأوحد، متمثلا في الإمبراطورية الأميركية التي تعمل على تكريس هيمنتها وسيطرتها السياسية والاقتصادية حول العالم.

وهكذا يبدو الاستشراق الجديد خاليا من المعرفة النظرية والدراسات الأدبية الحقيقية، بل يركز على مصالح الإمبراطورية الإستراتيجية. وفاقمت الشعبوية وتصاعد اليمين في تحول الاستشراق الأميركي عن التقاليد النظرية المتوارثة من القرن 20.

وتبدو هذه النظرة متأصلة في التقليد الاستشراقي الجديد المتسم بالحدة، والخلط بين العنف المتطرف وبين نقد الإسلام ذاته، ويستند خطاب الاستشراق الجديد إلى المصادر الإعلامية بدل الدراسات المعرفية واللغوية والأدبية التي راجت منذ القرن 18 في دراسة الشرق الأوسط.

وكما استُخدم الاستشراق القديم وخطاب التنوير والتحضر لتبرير الحقبة الاستعمارية؛ يجري استخدام الاستشراق الجديد لخدمة "الحرب على الإرهاب"، بغض النظر عن الضحايا ونجاح الإستراتيجية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة