إبراهيم نصر الله للجزيرة نت: بأي حبر سيُكتب تاريخ من يبيعون أوطانهم؟

الروائي الفلسطيني-الأردني إبراهيم نصر الله فاز بجائزة كتارا للمرة الثانية (الجزيرة)
الروائي الفلسطيني-الأردني إبراهيم نصر الله فاز بجائزة كتارا للمرة الثانية (الجزيرة)

قال الفائز بجائزة كتارا للمرة الثانية عن رواية "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد" الروائي والشاعر إبراهيم نصر الله إن الجميل والعميق في جائزة كتارا هذه النزاهة النادرة؛ فأعضاء لجان التحكيم لا يعرف الواحد منهم الآخر، وهذا أمر في غاية الأهمية.

وأضاف نصر الله -المولود في عمان عام 1954- أن لجنة التحكيم تقدِّم تقاريرها عن بعد، وهذا يمنع أي "شخصنة أو شللية"، وأن التقارير تكون مفصلة جدا حول النص الروائي.

صاحب "براري الحمى" و"أرواح كليمنجارو" الفائزة بجائزة كتارا (2016)؛ أكد أن الأمر المهم للغاية هو الوعي الحضاري لإدارة الجائزة، التي لا تتردد في منح الجائزة لمن فاز بها من قبل، وهذا فهم حضاري لمعنى الإبداع وفكرة الجوائز، ولأنها تقدر فعلا أعضاء لجنة التحكيم وتأخذ برأيهم، عكس إدارات بعض الجوائز التي تقرر من الفائز قبل أن ترسل النصوص للمحكمين.

وأشار الأديب الفلسطيني-الأردني إلى أن فوز المبدع مرتين بجائزة واحدة يعد ظاهرة جديدة في حياتنا الثقافية العربية، فغالبا كانت الجوائز أشبه بحفلات التقاعد التي يكرم فيها الزملاء رفيق رحلتهم، ومن ثم فهذا يعني الكثير لي ككاتب يرى أن مشروعه الأدبي لم يزل أمامه، لا خلفه.

وألقى نصر الله الضوء على روايته الفائزة بجائزة كتارا للعام الحالي "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد"، لافتا إلى أن الرواية تعيش حياة عدد من المدن الفلسطينية على مدى: بيت ساحور وبيت لحم والقدس، بدءا من الحرب العالمية الأولى، حتى نهاية الانتفاضة الأولى، 1993.

يعود نصر الله في روايته "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد" إلى "بيت ساحور" أثناء العصيان المدني ومواجهة الاحتلال (الجزيرة)

3 روايات جديدة ستنضم للملهاة

قال نصر الله للجزيرة نت" إنها حكاية واسعة من حكايات الشعب الفلسطيني، كما أنها حكاية حب ممتدة، وحكاية فلسطينية مع الموسيقى، ضمن زمن حافل بحضارية الجمال والنضال، وصولا إلى العصيان المدني العظيم لمدينة بيت ساحور بشكل خاص في الانتفاضة الأولى، وهي تحية للمسيحيين الفلسطينيين ودورهم النضالي والثقافي والحضاري.

وعن ثلاثية الأجراس وعلاقتها بالملهاة، وتحولات السرد والزمن، لفت إلى ذهابه باتجاه المدينة الفلسطينية ومناطق كثيرة لم تأخذ حيزا واسعا في الروايات السابقة: المدينة الفلسطينية، ثم الشخصية الصهيونية، فقد اعتدنا أن نقرأ في رواياتنا عن جندي يطلق النار من بعيد أو قريب، أو يمارس التعذيب، لكننا لم ندخل رأسه؛ هنا الأمر مختلف في الثلاثية.

وبيّن أنه لجأ -على مستوى السرد- إلى "تعدد" الأصوات، فضلا عن استقلال كل رواية عن الأخرى واتحادها بها، وبهذا ظلت الثلاثية وفيَّة لهذه الفكرة التي في الملهاة: استقلال كل رواية.

وعما إذا كانت الملهاة انتهت فصولها بروايته الأخيرة، عبّر نصر الله عن اعتقاده بصعوبة الحديث عن نهايتها أصلا، فنحن نتحدّث عن شعب، لكن العُمر هو الذي يحدد، وإن كنت أتوقع أن تكون هناك 3 روايات أخرى ستنضم للثلاثية في السنوات الخمس القادمة.

فخ "أنسنة" إسرائيل

وعن تغير التعامل النمطي في الرواية مع الشخصية الإسرائيلية، وكيف تلتقي ذاكرتا الجلاد والضحية؛ وجه نصر الله النقد لوقوع بعض الكتاب الفلسطينيين والعرب في فخ "أنسنة" الشخصية الصهيونية، لكي يبدوا إنسانيين، وهذا من أسوأ أساليب خداع الوعي لنفسه، لأن السجان الذي قد يمنحك في لحظة ما فرصة الخروج من الزنزانة 5 دقائق لترى الشمس، لا يمكن أن يكون إنسانيا، لأنه سرق الشمس كلها.

ولذا ذهبت "ثلاثية الأجراس" و"دبابة تحت شجرة عيد الميلاد" إلى جذور الفكر الصهيوني، وتتبعت همجية الفكرة، مؤكدا في المسألة الصهيونية أن من الصعب التحدث عن قلوب رقيقة، لأن الفكرة نفسها ماحية لكل ما هو إنساني. الثلاثية تقول هذا، وتتأمله، وتترك مساحة واسعة للقارئ في أي مكان في هذا العالم ليعيش ما نعيشه، وكيف نبقى جميلين رغم كل هذا القهر، حسب نصر الله.

الرواية العربية والعالمية

وعن مكانة الرواية العربية عالميا، قال نصر الله "كثيرا ما أقرأ نصوصا عربية تفوق نصوص الكثير ممن نالوا جوائز عالمية كبرى، اليوم هناك تنوع في مذاقات الرواية العربية، فهي تأتينا من كل أنحاء العالم العربي".

وأكد نصر الله -الذي صدر له في الشعر "مرايا لملائكة"، و"عواصف القلب"- أن الرواية العربية تتصف بالعالمية، لأنها باتت تُقرأ على مستوى واسع، ولا تحتاج لاعتراف أي لغة أخرى بها ليقال إنها أصبحت عالمية؛ فالجمال موجود في كل مكان في هذا العالم، وحين تحرم ثقافة غربية أو شرقية نفسها من جمال إبداعي آخر، فإنها تعاقب قراءها وتعاقب نفسها.

وقال الروائي -الذي صدرت له كثير من الدراسات النقدية وكتب الأطفال- إن أجمل ما في ثقافتنا العربية أنها منفتحة فعلا على كل التيارات الإبداعية في العالم، ودون أي شكل من أشكال التحفظ. الثقافة المنفتحة على الآخرين هي الثقافة التي تستحق صفة العالمية.

صراع السرديات

وعن صراع السرديات العربية الفلسطينية ومواجهتها السردية الصهيونية وانعكاساتها على التحولات الراهنة والقضية الفلسطينية في ظل "هرولة" التطبيع؛ أكد نصر الله أن السرديات الفلسطينية والإبداع الفلسطيني الحديث لم يتوقفا يوما، ولذا فإن أي إنجاز فلسطيني لا يأتي من الفراغ؛ لهذا الشعب ثقافة ممتدة، ومثقفون ومبدعون باتوا جزءا من ملامح العالم، في الكتابة والفنون، فمنذ سنوات يدهشني ذلك الإقبال الكبير من الشباب العرب والفلسطينيين على قراءة ما يتعلق بهذه القضية، وهم باتوا اليوم القوة القرائية الأهم عربيا.

وعبر نصر الله عن حزنه لما يشاهد من "هرولة التطبيع"، فكل ما يحدث أن هؤلاء يمنحون مفاتيح حاضر ومستقبل بلادهم للصهاينة طائعين.

وقال "لقد كتبتُ في ذكرى النكبة أننا لا نريد فلسطين مَحتلّة ثانية، فلسطين لديها تاريخ ينتمي للقيم الإنسانية الكبرى، أحزن فعلا وأنا أتساءل: بأي حبر سيُكتب تاريخُ هؤلاء الذين يبيعون أوطانهم وأوطان سواهم لأعتى قوة فاشية عنصرية، التي هي الكيان الصهيوني؟"

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يكتب الروائي إبراهيم نصر الله في "ثلاثية الأجراس" عن المفاتيح المعلقة على أمل العودة، والحنين للقرى التي تعرض أصحابها للتهجير والظلم والقهر والحرمان من الوطن، وتمسك الفلسطيني بالذاكرة والصبر.

في الـ17 من الشهر المقبل سيصعد الأديب الفلسطيني إبراهيم نصر الله قمة كلمنجارو برفقة فتى وفتاة فلسطينيين أفقد عنف الاحتلال الإسرائيلي كل واحد منهما ساقا، والغرض جمع التبرعات لمشروع دعم أطفال فلسطين الذين تسبب الاحتلال في فقدانهم أعضاء من أجسادهم.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة