كتب عن جذور دانتي العربية.. رحيل عالم الإسلاميات الإيطالي ماسيمو كامبانيني

عالم الإسلاميات الإيطالي الراحل ماسيمو كامبانيني (مواقع التواصل)
عالم الإسلاميات الإيطالي الراحل ماسيمو كامبانيني (مواقع التواصل)

نعى اتحاد الجاليات والمنظمات الإسلامية في إيطاليا (UCOII) الأكاديمي الإيطالي المتخصص في الدراسات الإسلامية ماسيمو كامبانيني، الذي توفي يوم الجمعة الماضي عن عمر قارب الـ 66 عاما، بعد صراع مع المرض.

وأعرب الاتحاد عن أسفه الشديد لوفاة "عالم الإسلام المحترم، الباحث والمؤرخ للشرق الأوسط، والمساهم في الحياة الأكاديمية بأكثر من 50 كتابًا ومئات المنشورات"، داعيا المسلمين في شتى أنحاء العالم للصلاة عليه بشكل فردي تماشيا مع ظروف الجائحة، مؤكدا أنها وصيته الأخيرة.

وكان الأكاديمي الراحل أستاذا للفكر والتاريخ الإسلامي في جامعتي نابولي وترينتو الإيطاليتين، واعتبر أحد الخبراء الرائدين في الفلسفة والثقافة الإسلامية.

تركزت اهتمامات كامبانيني، البحثية على 4 محاور، بدءا من الدراسات القرآنية، والفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى والمعاصرة، إلى الفكر السياسي الإسلامي، والتاريخ المعاصر للدول العربية، مع اهتمام خاص بالحركات الإسلامية والاشتراكية.

وفي الفلسفة الإسلامية ساهم أولاً عبر ترجمة مختلف أعمال علماء الإسلام "الكلاسيكية" مثل الغزالي (ت: 505هـ/1111م)، والفارابي (ت: 339هـ/ 950م). وفي سياق الدراسات السياسية المعاصرة سلط الضوء على دور النخب العسكرية في تشكيل دول الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار، وقضايا العلاقة بين الإسلام والديمقراطية.

وفي السنوات الأخيرة، كثّف العمل في دراساته القرآنية، محاولًا تقديم مقاربة فلسفية للتفسير القرآني في اتجاه أسماه "علم القرآن الفلسفي"، أي دراسة القرآن ليس فقط من خلال أدوات الفلسفة، ولكن ككتاب فلسفي، كما يرى.

دانتي والإسلام

وفي كتابه الأخير "دانتي والإسلام.. سماوات الأنوار" الصادر في 2019 بالإيطالية، حاول كامبانيني تتبع علاقة الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري (1265-1321م) ومؤلفه الأبرز "الكوميديا الإلهية"، بالتراث الإسلامي وهي علاقة يمكن اعتبارها واحدة من الجذور الإسلامية للفكر الغربي الحديث.

ويرى كامبانيني أن العلاقة بين الشاعر الإيطالي والثقافة الإسلامية مثيرة للجدل، وإذ ينظر للشاعر باعتباره عظيما ومتفردا وقياسيا وغير مسبوق فهناك جدل حول تأثره بالفكر الإسلامي.

ويرى المؤلف أن في أعمال دانتي مثل "الكوميديا الإلهية" و"المملكة" و"المأدبة"، نظريات في علم الكونيات تظهر فيها آثار الفلسفة العربية الإسلامية بجلاء شديد، من التركيب المادي للسماء، إلى دور نظرية العقول العشرة.

ويحاول الكتاب ملء الفراغ المتبقي في ذاكرة الغرب، محققًا في إرث الفكر الإسلامي عند دانتي، والذي يقدم أيضًا فرضية سيرة ذاتية فكرية مبتكرة مع التركيز بشكل خاص على السياق السياسي، ما يوضح أن العالمين -العربي والأوروبي- لم يكونا منغلقين ومعاديين لبعضهما بعضا، بل كانا يتفاعلان باستمرار فيما وراء "صراع الحضارات".

ويسلط الكتاب الضوء على دور الترجمة والمترجمين العرب الذين حفظوا معارف القدماء ونقلوها للاحقين، مؤكدا أن عصر النهضة العربية كان سابقا على زمن التنوير الأوروبي، ومنوها بدور العرب الأندلسيين في هذا السياق.

ويرى المؤلف أن دانتي لم يكن باستطاعته -خاصة في عصره- أن يبدي موقفا إيجابيا تجاه الإسلام وذلك تأثرا بمحيطه، لكنه يشير إلى أن الشاعر الإيطالي كان مطلعا على الفلسفة الإسلامية كما يظهر في مؤلفاته، مؤكدا أنه قرأ لابن رشد (ت: 595هـ/1198م) والفارابي وغيرهما.

كتاب "تاريخ الشرق الأوسط المعاصر" لكامبانيني يتتبع تاريخ المنطقة وصدام الإسلام والدولة الحديثة (الجزيرة)

الفلسفة الإسلامية

وفي كتابه "مقدمة في الفلسفة الإسلامية" يعرض كامبانيني مسحًا للفلسفة الإسلامية وتطورها في العصور الوسطى، ويتقصى آراء الفلاسفة الإسلاميين ونظرياتهم الفلسفية المختلفة.

ويدرس الكتاب تاريخ الفلسفة الإسلامية وطرقها ومذاهبها، ويركز على مفهوم التوحيد أو كما يسميه "عمود الفكر الإسلامي" ويتناول قضايا فلسفية من قبيل نشأة الكون، ومسائل الجبر والاختيار وغير ذلك من القضايا التي تصنف باعتبارها "علم الكلام" في الفكر الإسلامي.

كما يناقش الكتاب قضية "الأخلاق والسياسة"، ويتعرض للفلسفة الأندلسية وابن رشد والفكر الإسماعيلي، وكذلك للفكر السياسي وابن خلدون وابن سينا والغزالي وغيرهم، مقدما العديد من نصوصهم مترجمة إلى الإيطالية.

التاريخ المعاصر

وفي كتابه "تاريخ مصر الحديث: من النهضة في القرن التاسع عشر إلى مبارك" الذي ترجمه المركز القومي للترجمة في مصر عام 2005، يقدم المؤلف المراحل البارزة في تاريخ مصر الحديثة منذ عهد محمد علي باشا متناولاً الحقب الملكية المختلفة والحكم الجمهوري في زمن الرؤساء السابقين جمال عبد الناصر والسادات ومبارك.

وفي كتابه "تاريخ الشرق الأوسط المعاصر" تتبع الباحث الإيطالي الراحل التاريخ السياسي للمنطقة الإستراتيجية التي تمتد من المغرب إلى إيران، في ظل ما يمكن تسميته بالصدام بين الإسلام والدولة الحديثة.

وتناول أحداثا بدءا من حملة نابليون على مصر وإصلاحات الخلافة العثمانية وسقوطها، إلى توسع الاستعمار والكفاح ضده، وكذلك من الثورة الإيرانية إلى الأزمة العراقية، وصولا للصراع العربي الإسرائيلي وتحديات القرن الحادي والعشرين، وبعد دراسة هذه الأمور تساءل الكاتب عن أسباب ما يسمى بـ "الينابيع" التي غيّرت بين عامي 2010 و2012 الإطار السياسي للشرق الأوسط العربي.

سيرة "إسلامي" إيطالي

ودرّس كامبانيني في جامعة لورينتال في نابولي وترينتو، وقبلهما في جامعة أوربينو في التسعينيات وفي مدارس ثانوية. وبعد تقاعده ظل أستاذًا نشطا في أكاديمية أمبروسيان في ميلانو، وأستاذًا زائرًا في المدرسة الجامعية للدراسات المتقدمة (IUSS).

أصيب كامبانيني -مؤخرًا- بمرض باركنسون "الشلل الارتعاشي"، وتوفي بنوبة قلبية في منزله بميلانو في حضور زوجته تاركا ابنا وحيدا، وكان قد انتهى قبيل وفاته من تحرير كتاب ألّفه في علم اللاهوت السياسي الإسلامي، بحسب الأكاديمي بجامعة روما محمد حشاص الذي استذكر مواقف شخصية معه في مقاله بموقع مؤسسة ريسيت ديالوجز الإيطالية للحوار (Reset Dialogues on Civilizations).

وأجرى حشاص مقابلة مع المفكر الإيطالي الراحل مطلع العام الجاري -نشرها بعد الوفاة- ووصف كامبانيني فيها نفسه بأنه مفكر حر، وقال "لست مرتاحا للمجتمع الغربي الذي أعيش فيه، لأنني أعتقد أنه يقوم على النفاق والتحيزات الكاذبة".

في كتابه "مقدمة في الفلسفة الإسلامية" يعرض كامبانيني تاريخ الفلسفة الإسلامية وطرقها ومذاهبها (الجزيرة)

وقال كامبانيني إنه بدأ دراسة الإسلام والعربية عام 1980 بينما كان غير راضٍ عن رؤيته للعالم والذات، لكن بعد رحلته إلى مصر، يتابع المفكر الراحل، اكتشف القرآن وبدأ في قراءة ترجمته، ما قاده إلى دراسة مستمرة وفكرة أكثر عقلانية عن الله والدين بعيدا عن أي تجسيم وتسليم أعمى، ووصف دراسته للإسلام بأنها فلسفية للغاية قبل أن يدرس أيضا التاريخ المعاصر للدول العربية.

وزار المفكر الراحل مصر وتونس والمغرب واليمن، وتأثر بزيارته لإسطنبول، كما تأثر في زيارته للقاهرة بشكل خاص بجامع ابن طولون الذي اعتبر أن له فيه تجربة روحية عميقة.

يرى المفكر الراحل أن الثقافة الإسلامية الحالية تحتاج إلى العودة للمعتزلة في روحها الإبداعية، والاستفادة بأفضل ما في الاستشراق إذا لزم الأمر، معتبرا أن المثقفين المسلمين بحاجة إلى تبني منهجيات عمل جديدة.

المصدر : الجزيرة + الصحافة الإيطالية + مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة