لم يكن أوروبيا ذا بشرة بيضاء.. رسوم السيد المسيح التي تتجاهل ملامحه الشرق أوسطية

لوحة العشاء الأخير (ويكي كومنز)
لوحة العشاء الأخير (ويكي كومنز)

في أيام الأعياد الدينية يذهب المسيحيون في أستراليا والغرب عامة إلى الكنائس التي تصوّر السيد المسيح عليه السلام غالبا كرجل أبيض يشبه الأنجلوأستراليين ويسهل التعاطف معه كون ملامحه مشابهة للغربيين من ذوي البشرة البيضاء.

لكن المشكلة هي أن المسيح عليه السلام لم يكن ذا بشرة بيضاء، كما تصوره الكنائس الغربية والمعارض الفنية والتماثيل، في وقت لا يوجد فيه وصف مادي له في الكتاب المقدس، بحسب روبن ج. ويتاكر برومبي الأكاديمية المختصة بالدراسات التوراتية بكلية ترينيتي بجامعة اللاهوت الأسترالية.

ولا شك في أن المسيح التاريخي الذي عرفه العالم قبل أكثر من ألفي عام كان ذا لون بني شرق أوسطي معتاد، بحسب مقال الكاتبة لمنصة كونفيرذيشن.

وبالنظر لملامح الممثل الأميركي الأيرلندي جيم كافيزل الذي اشتهر بأداء دور السيد المسيح في فيلم آلام المسيح، أو ملامح الممثلين الآخرين والأعمال الفنية التي تناولت المسيح، يمكن ملاحظة التحيّز الأوروبي بوضوح في تصوير المسيح ذي البشرة البيضاء. 

صور المسيح المتعددة
وفي المقابل تصور العديد من الكنائس والثقافات غير الغربية المسيح كرجل بني أو أسود بحسب الكاتبة، وعادة ما يكون لدى المسيحيين الأرثوذكس أيقونات مختلفة تمامًا عن الفن الأوروبي، وإذا دخلت كنيسة في أفريقيا، فمن المحتمل أن ترى المسيح بملامح أفريقية واضحة.

‪لوحة تصور السيد المسيح وتعود إلى القرن التاسع عشر‬ (ويكي كومنز)

لكن الملامح الشرق أوسطية نادرا ما تكون ظاهرة بالصور التي نراها في الكنائس البروتستانتية والكاثوليكية الأسترالية، وتذهب الكاتبة إلى أبعد من ذلك بالقول إن ذلك التناقض يخلق انفصالا إدراكيًا، حيث يمكن للمسيحي المتدين في الغرب أن يشعر بحب عميق للمسيح، ولكن مع القليل من التعاطف مع شخص من الشرق الأوسط رغم أنه يشبه ملامح المسيح عليه السلام الذي عاش في هذه المنطقة من العالم.

وكذلك هناك آثار "لاهوتية" مسيحية ذات صلة بلون بشرة المسيح، فإذا تم تصوير المسيح دائما على أنه أبيض، فسيصبح الإنسان الافتراضي كذلك أبيض، وهذا تفكير يتسم بالعنصرية، بحسب الكاتبة. 

وتتابع الكاتبة في مقالها القول بأنه على مدى التاريخ ساهم "تبييض المسيح" في التمييز العرقي، ولا يزال هذا الإدراك "للآخر" ملاحظا تجاه غير الأنجلوساكسونيين في أستراليا التي تعيش فيها الكاتبة.

واستنادا للمصادر الإسلامية، يوصف المسيح في أحاديث للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) بأوصاف جسدية منها كونه رجلا قوي البنية متوسط الطول بشرته مشربة بالحمرة أو بلون بني خفيف.

وروى أبو هريرة في حديث الإسراء والمعراج قول النبي عليه الصلاة والسلام "وأما عيسى بن مريم، فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس، تخال رأسه يقطر ماء، وليس به ماء".

ولا يتضمن العهد الجديد أي وصف لملامح المسيح خلال وجوده مع تلاميذه، ولا تظهر نصوص الإنجيل قيمة وأهمية عموما تجاه المظهر أو الانتماءات العرقية.

رسم المسيح
وعلى الرغم من الافتقار إلى المراجع المكتوبة الكافية أو السجلات التاريخية، فقد ظهرت مجموعة واسعة من محاولات تصوير ورسم السيد المسيح عليه السلام على مدى ألفي عام، وتتأثر غالبًا بالظروف الثقافية والسياسية والسياقات اللاهوتية. 

ويرجع تاريخ أقدم الصور إلى أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث الميلادي، وتوجد بشكل أساسي في روما. وفي هذه الرسوم المبكرة، يظهر المسيح عادة كشخصية شابة بلا لحية وشعر مجعد، ومع ذلك تظهر صوره باللحية أيضًا منذ وقت مبكر.

وبعد تحول الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وجد الفن المسيحي العديد من الرعاة الأثرياء وازدهر في الإمبراطورية الرومانية، وفي هذه الفترة عرفت الكثير من الصور والرسوم للسيد المسيح عليه السلام وبعضها بملامح رومانية تأثرا بالثقافة السائدة.

وفي القرن الثالث عشر جرى التأكيد على تواضع السيد المسيح والتركيز على معاناته، بينما في عصر النهضة جرى الاهتمام بالجمال "المثالي" للصور والرسوم.

عيد الميلاد
ويعد "عيد الميلاد" ثاني أهم الاحتفالات لدى المسيحيين بعد عيد القيامة، في وقت يتميز فيه عن الأخير بمسحة بهجة مضاعفة لارتباطه ببداية العالم الجديد الذي تتنوع فيه احتفالات بين التنزه في الأماكن العامة، وشراء شجرة عيد الميلاد، وتبادل الهدايا واستقبال بابا نويل.

وعادةً ما يحتفل الغرب وطوائف مسيحية، بينها الكاثوليكية، بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام يوم 25 ديسمبر/كانون الأول، في حين تحتفل به في ليلة 7 يناير/كانون الثاني طوائف أخرى بينها الأرثوذكسية (القبطية)، بحسب وكالة الأناضول.

وتقول الكاتبة إن العيد فرصة للتساؤل عن مفاهيم كنسية ومجتمعية إذا جرى تذكر واعتبار أن المسيح عليه السلام كان بني اللون، وتقارن في ختام مقالها بين صورة المسيح التاريخية وصور اللاجئين والسكان الأصليين وطالبي اللجوء الذين قد يشبهون ملامح المسيح عليه السلام أكثر من الغربيين.

المصدر : الجزيرة + وكالات

حول هذه القصة

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة