دراسة الدين في المدارس.. جدل أميركي يتجدد في حقبة ترامب

Omran Abdullah - الرئيس ترامب وزوجته ميلانيا يضعان إكليل من الزهور على قبر محارب مجهول، ويكي كومنز - دراسة الدين في المدارس.. جدل أمريكي يتجدد في حقبة ترامب
ترامب الذي ينتمي إلى البروتستانت يدفع نحو العودة إلى تدريس الإنجيل في المدارس (ويكي كومنز)

يضيف الرئيس الأميركي دونالد ترامب موضوع الصلاة في المدرسة إلى قائمة القضايا الخلافية التي يثيرها مع اقتراب انتخابات عام 2020 بعدما أعلن في لقاء حاشد أوائل يناير/كانون الثاني الحالي عن فكرته "حماية حقوق التعديل الدستوري الأول للطلبة والمدرسين للصلاة في مدارسنا".

وضمن جدول البيت الأبيض في وقت لاحق من هذا الأسبوع خطة إصدار "إرشادات جديدة حول الصلاة الدستورية في المدارس".

ويأتي هذا بعد عام نظر فيه المسؤولون في ست ولايات بما في ذلك فلوريدا في مشاريع قوانين تسمح بدراسة الكتاب المقدس في الفصول الدراسية، وقد غرد الرئيس في يناير/كانون الثاني من العام الماضي معبراً عن دعمه لهذه القوانين.

ويصر أنصار التشريع المقترح على أن الكتاب المقدس سيعامل كمصدر تاريخي وأدبي وليس وسيلة إرشاد ديني، ويعارضهم نقاد الفكرة خوفًا من أن يكون هدفهم الحقيقي تعليم المسيحية بالإجبار. في وقت يعتقد المدافعون عن دراسة الكتاب المقدس أنه سيساعد على تنمية الأخلاق.

وتهدد الجهود الرامية لإعادة الدين إلى المدارس العامة بإعادة إشعال واحد من أقدم المناقشات حول الفصل بين الكنيسة والدولة، بحسب ديفيد ميسلين أستاذ مساعد في دراسات التراث الفكري بجامعة تيمبل.

تثقيف أخلاقي
يعتبر د. ميسلين -بوصفه مؤرخا درس كيف انخرط البروتستانت الأميركيون في الثقافة عمومًا- أن مسألة الدين في التعليم كانت من بين أولى القضايا الاجتماعية التي قسمت البروتستانت إلى معسكرات ليبرالية وأخرى محافظة متنافسة.

وكان ينظر إلى التطور الأخلاقي للأطفال أوائل القرن 19 -حيث أنشأت العديد من الولايات أنظمة المدارس العامة- باعتباره عنصراً حاسماً في التعليم، وجاء المدافعون عن المدارس العامة من خلفية بعض الطوائف البروتستانتية الراسخة، بحسب مقال ميسلين لموقع كونفيرذيشن. 

ونظرا لأن مؤيدي المدارس العامة لديهم معتقدات دينية متنوعة فقد وافقوا على أنه لا ينبغي للمؤسسات التعليمية تدريس مذاهب دينية بعينها، وكانوا مع ذلك يعتقدون أن المدارس يجب أن تزرع الأخلاق بناء على ما اعتقدت أنه مبادئ مسيحية عامة.

وجاءت المعارضة من الروم الكاثوليك، وهي شريحة متزايدة من السكان آنذاك، بسبب الهجرة. واستخدمت العديد من المدارس نسخة الملك جيمس البروتستانتية للكتاب المقدس التي اختلفت عن الترجمة المألوفة للكاثوليكية. وعلاوة على ذلك فإن قراءة الكتاب المقدس مباشرة بدون دراسة تعاليم الكنيسة كانت ممارسة بروتستانتية مميزة، لكن حتى الاتفاق البروتستانتي على قراءة الكتاب المقدس بالمدارس العامة لم يدم طويلا.

انقسام البروتستانت
جاء قرار مجلس مدرسة سينسيناتي في ولاية أوهايو عام 1869 بإنهاء قراءة الكتاب المقدس في الفصول الدراسية كعامل فاقم الانقسام.

وبعد أن اعترضوا طويلا على دراسة الكتاب المقدس بمدارس المدينة، أنشأ الكاثوليك مدارسهم الخاصة، وبحلول عام 1869 كان مسجلا بها أكثر من 12 ألف طفل بعيدا عن التأثير الديني البروتستانتي.

وأعرب مسؤولو سينسيناتي -عبر قرار إنهاء قراءة الكتاب المقدس- عن أملهم في عودة عدد كبير من السكان الكاثوليك إلى المدارس العامة.

وفي المقابل، أثار قرار المجلس غضب البروتستانت المحافظين الذين احتجوا على القرار معتبرين أنه "يهدد التربية الأخلاقية والفكرية للشباب" كما يشير الباحث ستيفن ك. جرين بالتفصيل في كتابه عن الدولة الكنيسة.

ومع ذلك، لم يكن جميع البروتستانت متفقين على معارضة القرار، فقد أيده الليبراليون منهم، وبيردسي نورثروب وزير التعليم بولاية كونيتيكت الذي ندد بما أسماه ضيق الأفق والتعصب "تحت ستار الإخلاص في قراءة الكتاب المقدس". ورأى أن دراسة الكتاب المقدس بالمدارس عززت الانقسام الديني لا أكثر.

وكان الرأي السائد بين البروتستانت الليبراليين أن الدراسة الدينية يجب أن تكون طوعية، وأن قراءة الكتاب المقدس يجب ألا تكون جزءا إلزاميا من التعليم العام. في حين كان البروتستانت الليبراليون على استعداد لقبول فكرة إنهاء التعليم الديني على أمل ألا يتحول التعليم بشكل عام لمسعى طائفي.

وساعد هذا الدعم البروتستانتي الليبرالي في ضمان بقاء سياسة مجلس إدارة مدرسة سينسيناتي سارية رغم اعتراضات المحافظين.

الانقسام الليبرالي المحافظ
أصبح البروتستانت الليبراليون في أعقاب ما أصبح يعرف باسم "حرب سينسيناتي للكتاب المقدس" أكثر حذرا من دراسة الكتاب المقدس بالمدارس العامة، لكن مع ذلك استمرت قراءته في بعض المدارس حتى تدخلت المحكمة العليا وأعلنت عام 1963 أن هذه الممارسة غير دستورية.

وأبرزت ردود الفعل على هذا القرار وإثارة قضية الصلاة المدرسية انقساما جديدا، وعام 1964 تم تقديم تعديل دستوري لاستعادة هذه الممارسات، وقادت المجموعات الليبرالية البروتستانتية -مثل المجلس الوطني للكنائس- المعارضة لهذا التعديل.

وكما أظهر المؤرخ الأميركي نيل ج. يونغ، يختلف البروتستانت المحافظون على تعديل الدستور، ومع ذلك حثت الأصوات المحافظة البارزة على عودة ممارسة "قراءة الكتاب المقدس إلى المدارس العامة ".

تشريعات جديدة
سُنّت "قوانين محو الأمية الإنجيلية" في أكثر من نصف الولايات منذ عام 2000، وغرد ترامب بداية العام الماضي قائلا "عظيم أن نجد العديد من الولايات تقدم دروسا لمحو الأمية الإنجيلية لتمنح الطلاب خيارا بدراسة الكتاب المقدس".

ومع ذلك يبدو أن ترامب يتهيأ لإعادة قضية "الصلاة في المدارس" المثيرة للجدل للنقاش من جديد، بحسب موقع كونفيرذيشن.

وبالنظر إلى أن هذه القضية كانت من بين أول ما سبب الانقسام بين الليبراليين والمحافظين الدينيين بالولايات المتحدة، فليس من المستغرب أن تعاد للأضواء في هذه اللحظة التي تتزايد فيها التوترات الثقافية.

المصدر : الجزيرة