شعراء السريانية والكردية والآشورية والتركمانية في العراق.. الإبداع بلغة الضاد

(من اليمين إلى اليسار) مصطفى الخياط، وآرام أحمد عبد الله بشير، وميمي أوديشو (الجزيرة)
(من اليمين إلى اليسار) مصطفى الخياط، وآرام أحمد عبد الله بشير، وميمي أوديشو (الجزيرة)

عباس ثائر-بغداد

كتب كثير من الأدباء العراقيين غير العرب باللغة العربية، وأنتجوا نصوصا جميلة تبدو كأنها كُتبت من القلب لا من العقل، إذ عادة ما تكون الكتابة بلغة أخرى نابعة من العقل أكثر.

ويستعرض التقرير نماذج لشعراء الأقليات والقوميات المختلفة في العراق من الذين كتبوا بالعربية، ولكون اللغة هي بيت الشاعر ومسقط رأسه وعلمه، وجهت الجزيرة نت أسئلة إلى بعض الشعراء العراقيين من غير العرب ممن كتبوا بلغة الضاد، أهمها: كيف تكتب قصيدة بلغة غير لغتك؟ هل يستطيع الشاعر أن يفرح ويتألم بغير لغته؟ وهل يكون الإحساس ذاته في لغته الأصلية؟ هل تكتب بلغتك الأم؟ ولماذا تكتب باللغة العربية؟ 

التفكير بالسريانية
يكتب الشاعر السرياني الشاب جميل الجميل بالعربية والسريانية، وأصدر أربع مجموعات شعرية وكتبا وبحوثا مختلفة. ويقول إن كل كاتب يفكر بلغته ويكتب بطريقته وخياله، مضيفا أن هناك من يريد أن يكتب فقط بلغته الأم رغم أنه يتقن لغة أخرى.

وعن تجربته الخاصة، يضيف الجميل للجزيرة نت "أكتب باللغتين العربية والسريانية، وحينما أكتب بالعربية أفكر بالنص الذي أكتبه باللغة الأم وأكتبه بالعربية، وحينما أكتب باللغة السريانية أفكر باللغتين معا".

ويعتبر أن ناتج النص يشبه امتزاج اللغة والأواصر التي تربطه بهذه البيئة، بالإضافة إلى الوطن المتنوع الذي يشعر بأنه جزء منه وعليه أن يتواصل معه.

ويتابع "لهذا من المهم التعامل مع مسألة الكتابة بأكثر من لغة تعاملا مهنيا وإنسانيا، وليس على أساس الانتماءات والخلفيات الدينية والقومية واللغوية".

‪زينل الصوفي: الشاعر كي يترجم ما يشعر به أو ما ينتابه من حزن أو فرح يلجأ إلى الكتابة باللغات التي يجيدها‬ (الجزيرة)

القصائد الكردية
أما سعد شوفان -وهو شاعر يزيدي كارمانجي- فقد كتب بالعربية وترجمت قصائده إلى الكردية وغيرها من اللغات. 

ويرى الشاعر العراقي الشاب الذي ينحدر من قضاء سنجار (محافظة نينوى) أن اللغة العربية بدأت معه في المدرسة، ويضيف "في تلك القرية الصغيرة التي تشبه جرحا مزدحما، بالكاد كنا نتنفس بلغتنا الأم الكرمانجية.. كانت اللغة العربية الخيار الوحيد الذي نملكه حينها".

ويضيف شوفان "كأقلية دينية -وأعتقد أن هذا ما كان يحدث مع جميع الأقليات الأخرى- نحزن ونبكي ونفرح بلغتين مختلفتين، وكانت المفارقة كبيرة من الناحية الدينية والاجتماعية، إلا أن اللغة العربية كان سطوها يطول لغتنا الأم".

ويتابع "لم أكن أملك أي خيار لأختار اللغة التي سأكتب بها، بل هي اختارتنا إلى حد ما".

وشهدت منطقة سنجار بعد الغزو الأميركي عام 2003 نقطة تحول كبيرة، إذ أصبحت في حكم المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان. واليوم فتحت فيها مدارس كردية، وضمت مناهجها الدراسية لغات ولهجات مختلفة منها السورانية والبادينية وغيرهما، وبعدها شهدت كتابات "كرمانجية".

لكن الوقت قد فات بالنسبة لشوفان الذي يقول إن "الألم الكبير تمت ترجمته إلى قصيدة عربية"، ويعبر عن هذه المفارقة بالقول إنه يتنفس بلغته ويكتب النفَس بلغة أخرى، ولا يعلم إن أمكن تسمية ذلك "خيانة لغوية أم قتلا غير متعمد".

‪آرام أحمد عبد الله بشير: أنا أعشق اللغة العربية كأنها لغتي الأم‬ (مواقع التواصل)

إبداع عربي
وفي السياق ذاته، قال الشاعر الكاكائي العراقي آرام أحمد عبد الله بشير "لأن المناهج الدراسية في محافظة نينوى باللغة العربية، فقد تعلمتها وأتقنتها خلال سنوات الدراسة والمطالعات الأدبية".

ويحكي بشير الذي يكتب الشعر باللغتين العربية والكاكائية عن رغبته المبكرة في أن يكون شاعراً عربياً وحفظه للشعر ومحاولاته المبكرة في كتابته، و"علاقات الحب غير الناجحة" التي جعلته يكتب أكثر ويحفظ شعر الحكمة والحب العذري. 

والتحق الشاعر بقسم اللغة العربية في كلية التربية الأساسية وتخرج منها شاعرًا متمكنًا ومعلمًا في نظر نفسه وفي نظر الأساتذة والمجتمع، وهو لا يكتب بلغته الأم، لكنه يقول إنه يستطيع الشعور بالألم والفرح والحزن عبر كتابة الشعر بكل أنواعه باللغة العربية.

يقول بشير للجزيرة نت "أنا أعشق هذه اللغة العربية كأنها لغتي الأم.. لكنني في الحقيقة من المكون الكاكائي".
شاعرة آشورية
وللنساء غير العربيات حصة كبيرة من الكتابة بالعربية، وعرفت ميمي أوديشو نفسها بطريقة مختلفة بالقول إنها "نواة نخيل عراقي مضرجة بالياسمين".

وأوديشو شاعرة آشورية أصدرت مجموعتين شعريتين، وهي مغتربة في أميركا، وكتبت أغاني باللغة الآشورية ومقالات وقصائد باللغة الإنجليزية والعربية، ومقالات في مجال نشاطاتها عن المرأة والأيتام.

كان لميمي أوديشو رد غريب على سؤال الجزيرة نت، وتقول "في مزاد القومية رأيت تجار البشرية يبيعون المفردات المزركشة على مقاسات المصالح وما يلائم فضاءات الحقد الشاسعة، وأنا كقروية صغيرة أيامَ لم تجد لفظة الأبجديات بعدُ سبيلها بين كروم التعب نحو بيوتنا الطينية.. كنتُ أتعلم قراءة الغيم وأستمع لوشوشاتها مع الأرض، وأخفي رأسي حين يتشاجران رعدا ويختلفان برقا. كما تعلمت كيف أقرأ البذر من آهاته، وأطبطب على الأرض حين تلد شجرة.. كنت أعرف عائلتها من وريقاتها وزهرها.. كنت ألعب وحبيبات التراب التي سمعتُ جدي يوما وهو يقول لي: احترمي التراب فهذا ذكرى بشر".

وتصف تجربتها بالقول "في مزاد الكتابة حين لم تجد العنصرية سبيلها نحو المكتبات والأمسيات الشعرية، كنت قد تعلمت أن اللغات أواني مستطرقة، والمعنى هو الماء الذي فيها.. عفوا هل سألتني لماذا أكتب بالعربية وأنا الآشورية التي تتقن الإنكليزية؟ اعذرني كنت مشغولة بالرسالة ولم أهتم كثيرا لساعي البريد".

‪مصطفى الخياط: جربت الكتابة بالكردية حتى طوعت الكلمات في بعض البحور، لكني أميل إلى العربية لأنها النشأة الأولى‬ (مواقع التواصل)

تركماني عراقي
يقول عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين الشاعر التركماني زينل الصوفي إن الشاعر كي يترجم ما يشعر به أو ما ينتابه من حزن أو فرح، يلجأ إلى الكتابة باللغات التي يجيدها لينثر على وجه الأوراق ما يشعر به.

وعن تجربته الشخصية يضيف الصوفي للجزيرة نت "حين فكرت في الكتابة بلغة غير لغتي الأم، كان دافعي الثقافة والقراءة، لأني حين التحقت بالمدرسة كانت الدراسة باللغة العربية، لذا تأقلمنا مع هذه اللغة التي فتحت أمامي آفاقا واسعة فوجدت نفسي أقرب إلى حروف العربية لأنها مصدر واسع للشعر وأكثر احتواء لخيال الشاعر من غيرها من اللغات".

ويتابع "كانت لي محاولات بلغتي الأم، لكني وجدت العربية أكثر أمانا، وميدانها أوسع، فغامرت فيها لأن الشاعر يحب أن يغامر في مكان أوسع. غير أن الجميل في هذا أني حين أفكر، أفكر بلغتي الأم، وحين أكتب، أكتب بغيرها، مع بقاء الإحساس كما هو، لأن الإحساس لا لغة تحدده، لذا تكون لكتاباتي نكهة خاصة، ويختلف ما أكتبه عن غيره كما أشار النقاد إلى ذلك في كتاباتهم عني".

شعر عربي
أما الشاعر الكردي مصطفى الخياط فكان له رأي مختلف، إذ عاش في مدينة بسيطة تدعى جلولاء، وكان لها تأثير كبير عليه بلهجتها واخضرارها المميزين.

ويتذكر الخياط سنوات طفولته قائلا "عندما التحقت بمدرسة خالد بن الوليد الابتدائية، كنت ضعيفا في اللغة والتعبير.. كنت أبكي طوال وقت الدوام، إلى أن انتبه معلم القراءة والإملاء فبدأ يحدّ من قلقي وخوفي، ومرت الأيام وإذا بي أقبض على ديوان الشاعر نزار قباني في الدراسة المتوسطة ومنعني منه أخي بقوة، ومن باب الفضول كنت أستغل فترة غيابه فأفتح المكتبة وأقرأ.. شعرت حينها بدقة هذه اللغة كما لو أنها إبر تمشي في أنسجة الأقمشة.. وصارت جزءا لا يتجزأ مني".

وعن لغته الكردية يقول "جربت الكتابة بالكردية حتى أني طوعت الكلمات في بعض البحور، لكني أميل إلى العربية لأنها النشأة الأولى، فهي لم تفارقني في الأزقة والمدرسة والمكتبة، بينما لغتي الأم ظلت في البيت ولم تخرج معي إلا لمسافات قصيرة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يقول الشاعر العراقي أسعد الجبوري إنه يسعى بموسوعته عن الشعراء الراحلين مكافحة النسيان الذي يتعرض له شعراء عرب وأجانب، خاصة بالنسبة للأجيال المعاصرة التي سرقتها وسائل التواصل الاجتماعي من المكتبات.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة