في ندوة بمعرض الدوحة للكتاب.. دور الترجمة في جسر الهوة بين الثقافتين العربية والتركية

خلال ندوة الثقافة التركية بين العمق التاريخي والانفتاح الحضاري بمعرض الدوحة للكتاب (الجزيرة نت)
خلال ندوة الثقافة التركية بين العمق التاريخي والانفتاح الحضاري بمعرض الدوحة للكتاب (الجزيرة نت)

محمد الشياظمي-الدوحة

مرّ التلاقح الحضاري العربي التركي بمنعطفات تاريخية كبرى أثرت في جوانب كثيرة من حقول المعرفة، كما تحكمت التحولات السياسية التي عاشتها المنطقة العربية طوال قرون مضت في مصير تراث مشترك، تتصاعد الدعوات اليوم لإحيائه أكثر من أي وقت مضى.

وبعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، ظهرت إشكاليات الهوية وصراع الشرق والغرب، حيث اصطدمت تيارات قوية تنادي بوجوب التخلص من التراكم الحضاري الذي عبر من العمق العربي، تقابلها رؤى ربطت مستقبل تركيا ونهضتها باستثمار ما نقله الأتراك من علوم وآداب وفلسفة من الجار العربي.

 
وضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب المقام حاليا، عقدت ندوة "الثقافة التركية بين العمق التاريخي والانفتاح الحضاري"، خصصت لتدارس أوجه التمازج بين الثقافتين التركية والعربية، ومراحل التبادل الثقافي وحركية الترجمة التي شملت الآداب والعلوم والفلسفة اليونانية.
 
بوابة الترجمة
لسنين طويلة، ظلت الترجمة ذلك الجسر الذي يربط الثقافتين العربية والتركية، غير أن واقعها اليوم ضعيف وغير مؤثر، كما أن الباحثين العرب لا يضعونها ضمن اهتماماتهم، بقدر توجههم نحو الترجمة من اللغات الأكثر انتشارا في العالم، وكذلك ثمة عدد من الترجمات من اللغة التركية لم تكن بشكل مباشر، بل من خلال لغة وسيطة مثل الإنجليزية والفرنسية.
 
وهنا، تحدث السفير التركي بالدوحة فكرت أوزر، بأن الترجمة في إمكانها أن تخلق مجالا خصبا وواسعا لبناء مشروعات ثقافية تنهل من التراث الحضاري المشترك على أسس ومنطلقات جديدة، إذ إن تركيا اليوم حريصة على تعزيز التبادل الثقافي مع العالم العربي، بدليل ارتفاع أعداد المثقفين الأتراك الذين يقبلون على تعلم اللغة العربية، من أجل فهم أوسع للآداب الحديثة والعلوم والفنون.
السفير التركي بالدوحة فكرت أوزر أكد دور الترجمة في خلق مجال خصب لبناء مشروعات ثقافية مشتركة(الجزيرة نت)

وتعزيزا لهذا المسار، وضعت وزارة الثقافة في تركيا قائمة تضم 250 كتابا عن الثقافة العربية لترجمتها إلى التركية، وقد أنجز منها نحو 150 كتابا حتى الآن، لكن حركة الترجمة العكسية ما زالت خجولة، ويرجع كثير من الدارسين ذلك العزوف عن الترجمة من التركية للعربية إلى أسباب ذاتية ترتبط بدور النشر خاصة، والجدوى المادية، وأخرى موضوعية مرتبطة بالتأثيرات السياسية.

وفي وقت لفت فيه السفير التركي إلى أن جائزة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للترجمة والتفاهم الدولي تبقى إحدى المبادرات التي تستحق التنويه -حيث تخصص جوائز كبرى لتشجيع الترجمة، ومن بينها الترجمة من التركية إلى العربية- تبدو حاجة ملحة لبذل جهود كبرى تتصدى لترجمة أرشيف "يضم نحو 150 مليون وثيقة" عن الدولة العثمانية وتاريخها في المنطقة العربية.

كما يوجد عدد هائل من المخطوطات العربية النادرة بالمكتبات التركية مثل السليمانية، وطوب قابي (الباب العالي)، ومكتبة سراي يلدز، ومكتبة السلطان محمد الفاتح، ومكتبة السلطان أحمد، وتحتاج تلك المخطوطات إلى تحقيق علمي يسهم في إثراء المشروع الحضاري للأمة المسلمة.

الأتراك والعربية
بعد أن قدم أستاذ التاريخ بجامعة قطر مصطفى الخطيب لمحة تاريخية عن الدولة العثمانية والظروف التي صاحبت نشأتها، تحدث عن مراحل توسع الدولة العثمانية، حيث كانت في فترات تتجه غربا نحو أوروبا وتهتم بما فيها من إنتاجات علمية وفكرية، وفي فترات أخرى تعود إلى عمقها العربي، مثلما حدث في عصر السلطان سليم الأول، وخلال تلك الفترة استلهمت من المنطقة العربية ملامح حضارية مثل الأوقاف والمستشفيات وفن العمارة.

وأرجع الخطيب ذلك إلى أن الأتراك ظلوا متأثرين بالحضارة الإسلامية منذ دخولهم الإسلام في القرن السابع الميلادي، وفي تلك الفترة ظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم إلى التركية، كما انتشر كثير منهم في البلاد الإسلامية من أجل تعلم اللغة العربية، وبدأ بعضهم يؤلف بها، مثل العالم عبدالله بن المبارك التركي (ت: 181هـ/ 797م).

‪أسئلة الحضور أثرت النقاش بشأن مستقبل الثقافة التركية في محيطها العربي‬ (الجزيرة نت)

ومذ ذلك الحين -بحسب الخطيب- دخلت كلمات وعبارات عربية إلى اللغة التركية بشكل ملحوظ، حيث تشير تقديرات الدارسين إلى وجود ستة آلاف كلمة في القاموس التركي من أصل عربي، كما اعتمد السلاجقة والعثمانيون اللغة العربية لغة للعلم والدين والسياسة، لذلك تعلموها وعلموها في المدارس، وسارت تركيا على الطريق نفسه في تعليم اللغة العربية إلى أن سقطت الخلافة.

أما أستاذ اللغة التركية بجامعة قطر إبراهيم أدهم أوغلو، فاختار تسليط الضوء على نموذج حديث من التبادل الثقافي الناجح مع قطر، مشيرا إلى علاقات طويلة ترجع إلى قرون خلت، ليس على المستوى الرسمي فقط، وإنما الشعبي أيضا، فالدولة العثمانية كان لها ارتباط وثيق بمنطقة الخليج وقاعدة عسكرية في قطر، وهناك أرشيف عثماني يؤرخ لمراحل متعددة من صد العدوان والغزوات الأجنبية، خاصة من البرتغال.

قراءة جديدة للتاريخ
وامتدادا لسجال لم ينتهِ إلى اليوم، ظل التاريخ الثقافي المشترك بين الأتراك والعرب محط تحريف وتجاذب، وكانت السياسة أحد المتحكمين في توثيقه، وهنا برز مؤرخون يرون وجوب أن تتخلص تركيا من موروث عربي متخلف لا يصنع المستقبل، لتقابله نظرة قومية عربية تأججت بين أربعينيات وستينيات القرن الماضي، ولم تر في الدولة العثمانية إلا تاريخا استعماريا، لم يخلف وراءه شواهد حضارية.

غير أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، غلبت عقلانية متبادلة على جيل جديد من المؤرخين العرب والأتراك، من خلال كتابات جديدة أعادت قراءة تاريخ المنطقة بشيء من الموضوعية، واستنطقت في تلك القراءة ما حواه الأرشيف العثماني، وبالاعتماد على مفاهيم بحثية ومناهج حديثة مستمدة من المدارس الفكرية الغربية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تحول معرض الكتاب بالدوحة إلى تظاهرة ثقافية متعددة الفعاليات، ومن بين أنشطته اللافتة أجنحة مخصصة لبيع الكتب التراثية والمطبوعات القديمة، التي باتت تستقطب اهتمام الشباب فضلا عن هواة جمع المقتنيات.

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة