شعراء مغاربة بين النفحات الصوفية وشعرية الألم

دار الشعر احتفت الجمعة الماضي بشعراء مغاربة في مراكش (الجزيرة)
دار الشعر احتفت الجمعة الماضي بشعراء مغاربة في مراكش (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

على إيقاع موسيقى الفنان محمد رشدي وهو يعزف على أوتار القلب، وترانيم الفنانة المغربية صباح زيداني، تحولت القاعة الصغرى بدار الشعر بمدينة مراكش إلى ملاذ لعاشقي الشعر بنفحات صوفية تداوي الألم الإنساني.

حيث احتفت دار الشعر بمراكش الجمعة الماضي بثلاثة شعراء مغاربة ضمن فقرتها السنوية "نوافذ شعرية"، وكان قاسمهم المشترك ذلك الأداء الذي يجعل المتلقي يسلك مدارج علوية وينغمس في ذاته العميقة.

فتعود الشاعرة المغربية أمينة المريني بالحضور إلى الفطرة الصافية، لتعبر عن "عشقها الأزلي" للقصيدة الذي يتفتق في روحها.

وبينما يطوع الشاعر نور الدين ضرار الكلمات ليحرر القصيدة من أدرانها، كاشفا تناقضات النفس البشرية؛ تعبر الزجالة المغربية ثريا القاضي -وهي تنثر حروفها زجلا- عن كيفية كتابة القصيدة لتسير بها نحو الحب والجمال.

ويقول الناقد المغربي سعيد بوعيطة للجزيرة نت "علا صوت الشعر وشع نوره في هذه الأمسية، والمنصت بتمعن للكلمات يكتشف نفحات شعرية فريدة تنهل من تجربة وجدانية في التراث الصوفي المغربي".

 الفنان المغربي العازف على آلة القانون محمد رشدي أثناء فقرة نوافذ شعرية (الجزيرة)

احتفاء
وفي كل فاصل شعري تعود الفنانة صباح والفنان رشدي ليبعثا في المكان صوتا قادما من بعيد، من ألق العزف ودهشة الغناء بكلمات لا تخلو من أثر صوفي.

ويرى الشاعر والناقد عبد الحق ميفراني، مدير دار الشعر، أن الشعر الصوفي المغربي راكم تجربة غنية في الكتابة الشعرية، واستطاع أن يظهر رؤى ومكاشفات ومكابدات مجموعة من الشعراء الرواد.

ويضيف مدير دار الشعر في حديث للجزيرة نت أن من يقرأ هذا المنجز الشعري المغربي يجد فيه صوتا وملاذا صوفيا يمتد نحو المزيد من ترسيخ قيم الإحساس بالخير والجمال والتسامح.

الفنانة صباح زيداني قامت بالغناء في الفواصل الشعرية (الجزيرة)

نفحات ومكابدات
يشعر الشاعر بتلك النفحات تزلزل روحه وهو في لحظة مناجاة وعبور إلى السماء متحررا من قيود التراب، هكذا تنشد الشاعرة أمينة المريني قصيدة تلو قصيدة وهي تناجي خالقها، مطالبة أن يشدها العشق بكل وثاق، كما تعبر عن ذلك بشعرية في قصيدة صوفية طويلة جميلة.

وتقول المريني في حديث للجزيرة نت إن الصوفية جزء من الفطرة الإنسانية، والشاعر في كثير من حالات صفائه يرقى إلى هذه الفطرة، أو يعود إليها ليعبر عن أسمى صفاته البشرية، ويكرس ذلك في كلماته الزاهية.

وتضيف هذه الشاعرة -صاحبة ديوان "المكابدات"- أن الشاعر يجد نفسه لحظة الإبداع يكتب بروحه، مستندا إلى معارفه الروحية، لكن أيضا إلى حدسه وموهبته.

الشاعرة أمينة المريني (يمين) أنشدت قصيدة تلو أخرى هي والزجالة ثريا القاضي بدار الثقافة (الجزيرة)

أناشيد بقاء
ويرى الشاعر والمترجم نور الدين ضرار -صاحب دواوين "توشيات لأهواء الحب والمطر" و"أناشيد البقاء"، و"هلوسات خارج التغطية"- أن التجربة الصوفية تعد من المناهل القوية للشعرية العربية.

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن هذه التجربة تمكنت من صياغة منجز شعري حديث قريب إلى التخصص، كما يحدث مع شعراء أمثال المغربي الحاج أيت ورهام، وهو قوي في التعبير الصوفي الوجداني، الذي يخرج من القلب ليصل إلى القلب ويحدث أثرا فيه.

كما يبين الناقد المغربي بوعيطة أن تجارب الشعراء الثلاثة المحتفى بهم لها قاسم مشترك في غنى المعجم الشعري وفي الدلالات العميقة، وتشكل نوعا من التطور في المبنى والتقنية بصفتهم ينتمون إلى مراحل مختلفة ومتداخلة في الوقت ذاته.

 الناقد والمترجم  سعيد بوعيطة يقول إن تجارب الشعراء المحتفى بهم تشترك في غنى المعجم الشعري والدلالات العميقة (الجزيرة)

شعرية الألم
في خلوة الشاعر لا تتركه الكلمات يرنو إلى قصيدته؛ ففي كل مرة تشده الخلوة إلى نفسه وإلى التفكير في معاني حياته وعلاقته بخالقه، كما تقول الزجالة ثريا القاضي للجزيرة نت.

تحضر الشاعرة الزجالة ثريا في الأمسية الشعرية بكل تاريخها الزجلي، وتأتي "نجمة في ضوء رباني" كما جاء في إحدى قصائدها، بل تحول كلماتها إلى مشاعر ناطقة بكل ألوان الطيف الصوفي. تتحدث عن الحب وعن العشق وعن الخير وعن التضحية كسلوك إنساني متجذر في النفس البشرية الصافية.

يقول ميفراني إن تجربة ثريا القاضي تتقاطع مع الأسلوب الشذري في الكتابة الزجلية، من خلال لغة تنصهر في الوجدان، وتنحو تجاه "شعرنة الألم".

الشاعر والمترجم نور الدين ضرار يرى أن التجربة الصوفية من المناهل القوية للشعرية العربية (الجزيرة)

علاقة
وبينما يصنع الشاعر الصوفي قصيدته فنيا، يظهر في كثير من مقاطعها بكاء وجدان متعب، ودمعة روح حزينة، تتجلى في إحساس مرهف للتعبير عن شدة اللوعة وكسر القلب، وتنغمس في حمى الجلال الرباني، ويتطلع إلى النور الأبدي في خشوع وخضوع.

ويتفق ضرار مع القائلين إن الألم الإنساني يخلق منجزات إبداعية راقية في تجارب إنسانية متنوعة وفلسفية عظيمة، كما هي الحال عند الشاعر الفرنسي شارل بودلير والأديب العربي صلاح عبد الصبور.

وبكلمات بوح خاصة تتابع ثريا القاضي حديثها للجزيرة نت بالقول إن للقصيدة "ألما ومخاضا"، وهي "تكتب المشاعر ولا تقوى على مجاراتها"، وما أن ينتهي البوح فيها حتى تتحول القصيدة إلى عشق وحب وجمال وجلال.

المصدر : الجزيرة