ليلة لم تنم فيها إسطنبول.. قصة المنارة الراقصة في حي أفجيلار

صورة لجامع حاجي أحمد والمنارة المدمرة في مدينة إسطنبول (الجزيرة)
صورة لجامع حاجي أحمد والمنارة المدمرة في مدينة إسطنبول (الجزيرة)

عمران عبد الله-إسطنبول 

كانت الساعة تجاوزت الـ11 مساء بقليل عندما ضربت هزة ارتدادية الجانب الأوروبي من مدينة إسطنبول، ورصدت الجزيرة نزول العديد من السكان والأسر للحديقة المحيطة ببحيرة إسطنبول الصغيرة "كوتشوك-شكمجه".

ورغم أن الهزة كانت خفيفة بقوة 3.9 درجات على مقياس ريختر لكن كثيرا من العائلات اختارت قضاء الليلة في الحدائق العامة وأمام المنازل تحسبا للمزيد من الزلازل في يوم الخميس الذي سجلت فيه أكثر من 100 هزة ارتدادية خفيفة.

ولم تكن آثار الخوف الذي سببه الزلزال الذي ضرب المدينة ظهر الخميس قد اختفت بعد، فلم تكن مضت ساعات على الزلزال الأشد في هذا اليوم بقوة 5.8 درجات على مقياس ريختر، ووقع الزلزال الذي كان مركزه في بحر مرمرة في تمام الساعة 13:59 بالتوقيت المحلي باتجاه منطقة سيليفري واهتزت العديد من البنايات، خاصة غرب إسطنبول الأوروبية.

منارة جامع أفجيلار
على الطريق الرئيسي الواصل بين أحياء إسطنبول يقع جامع حاجي أحمد توكانميز الذي تضرر في الزلزال الذي ضرب شمال غربي تركيا بنهاية القرن العشرين، قبل أن تنهار منارته الشمالية أمس الخميس.
الشارع التجاري في أفجيلار وجامع حاجي أحمد (الجزيرة)

وقال بهادير الذي يعمل بائعا للسميت التركي (مخبوز تركي) مقابل الجامع وشهد وقوع المنارة وقت الزلزال إن الناس خرجوا سريعا من البيوت والمتاجر إلى الشارع الرئيسي، ووقعت أحجار صغيرة من فوق البناية التي يقف بعربته لبيع المخبوزات بجوارها. 

ويضيف للجزيرة نت أنه شهد زلزالا نهاية التسعينيات عندما كان طفلا في العاشرة من عمره، ولا يذكر الكثير من مآسيه، لكنه يستذكر أن ثوانيه التي قاربت الأربعين كانت مدمرة وقاسية على السكان. 

ويرى الثلاثيني ساركان -وهو صاحب مكتب لتأجير السيارات أمام جامع توكانميز- أن المقاولين وشركات البناء يتحملون مسؤولية كبيرة لعدم التزامهم بتصاميم البناء المقاومة للزلازل، ويضيف أن كود البناء الذي تشدد عليه البلدية لا يجري العمل به في بعض الأحيان. 

وسمع ساركان صوت "فرقعات" متتالية في جدران البناية التي يقع فيها مكتبه، وتعرضت البناية القديمة لشرخ طولي، لكن بخلاف المنارة التي قال إنه رآها ترقص وقت الزلزال قبل أن تقع قمتها، لم يبلغ عن انهيار أي مبانٍ في المدينة ولم تقع أي وفيات. 

وأكد فؤاد أوقطاي نائب الرئيس التركي أن الزلزال الذي وقع في إسطنبول أمس الخميس ألحق أضرارا بـ473 منزلا، وأصيب 34 مواطنا تركيا.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده أوقطاي في رئاسة إدارة الطوارئ والكوارث الطبيعية التركية (أفاد) بإسطنبول، أوضح أن 34 مواطنا تركيا أصيبوا جراء الزلزال، غادر 24 منهم المستشفى.

ووفقا لبيانات رسمية، تم تسجيل 144 هزة ارتدادية في بحر مرمرة بعد زلزال ظهر الخميس، وأزيل حطام المئذنة المدمرة وأحاطت الشرطة الجامع بشريط أمني.

وكتب رئيس الهلال الأحمر على تويتر أنه لا صحة للشائعات المتداولة عن وجود زلزال كبير ليلة أمس، ودعا السكان إلى النوم في بيوتهم بأمان، مع العلم أن الهزات الارتدادية (الخفيفة) يمكن أن تستمر أسبوعين.

إنها ذكرى 1999
في يوم 17 أغسطس/آب 1999 ضرب زلزال شديد بقوة 7.6 درجات منطقة إزميت القريبة من إسطنبول، مما أسفر عن مقتل حوالي 17 ألف شخص، وتسبب في تشريد قرابة ربع مليون شخص.

ورغم أن إزميت تقع شرق إسطنبول فإن الدمار في أكبر مدن تركيا تركز بحي أفجيلار غرب إسطنبول الذي بني على أرض ضعيفة نسبيا تتكون من تربة رملية منخفضة وصخور رسوبية مطلة على بحر مرمرة.

ويقول محمد صالح -وهو مدير أحد المقاهي في الشارع التجاري الرئيسي بحي أفجيلار- إنه شهد زلزال 1999 في حي كوتشوك شكمجة وكان عمره في بداية العشرينيات، ولكن في حي أفجيلار القريب كان الوضع أسوأ بكثير، إذ مات المئات تحت الأنقاض في الحي المطل على بحر مرمرة.

ويتدخل ابن أخيه محمد سرات، ويضيف أنه في نفس العام (1999) حدث زلزال آخر في دوزجا (يشير إلى زلزال نوفمبر/كانون الثاني بقوة 7.2 درجات الذي كان مركزه مدينة دوزجا وتسبب في وفاة أكثر من 800 إنسان) إلى الشرق من إزميت.

ويفسر صالح سبب رخص العقارات نسبيا في حي أفجيلار قائلا إنه الخوف من تكرار زلزال 1999، ويضيف أن البيوت كانت رخيصة جدا هنا بعد زلزال التسعينيات، واشترى بعضهم منازل عدة بأسعار رخيصة جدا وباعوها لاحقا بأسعار غالية.

ويقع حي أفجيلار خارج المدينة القديمة على الجانب الأوروبي من إسطنبول، ويعزى الوجود القديم فيه إلى كونه مدخل إسطنبول الغربي وبداية الطريق الواصل إلى أوروبا.

ومع ذلك، ظلت أفجيلار قرية صغيرة ساحلية تحيطها الغابات والمساحات الخضراء حتى النصف الثاني من القرن العشرين، لكنها نمت حضريا بشكل كبير منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ تأسست فيها مصانع وميناء أمبارلي الكبير، ومتنزهات سياحية ومناطق تسوق مزدحمة، وفيها حرم كبير لجامعة إسطنبول.

ويقول صالح إن السكان في الحي خافوا وقضوا الليلة في الحدائق الساحلية في انتظار الزلزال خارج بيوتهم، لكنه صعد إلى بيته وفضل النوم، مضيفا أنه "لا يمكن الفرار من القدر، والمكتوب سيعيشه الإنسان".

المصدر : الجزيرة