يوميات تولستوي بالعربية.. رحلة التعافي التي حولته لأحد أهم الروائيين في العالم

الشاب المصري يوسف نبيل قام بترجمة يوميات الروائي الروسي ليو تولستوي (الجزيرة)
الشاب المصري يوسف نبيل قام بترجمة يوميات الروائي الروسي ليو تولستوي (الجزيرة)

عمران عبد الله

بالتزامن مع الذكرى 191 لمولده في سبتمبر/أيلول 1828، صدرت عن دار آفاق ترجمة أول أجزاء يوميات الروائي الروسي العالمي ليو تولستوي، التي ترجمها المصري الشاب يوسف نبيل، والذي سبق أن ترجم روايات لتولستوي وتشيكوف وغيرهما.

وتتناول المذكرات الحياة اليومية لصاحب "الحرب والسلام" و"آنَا كارينينا" في أيام شبابه، فتبرز عاداته، ومهامه الروتينية، وتفضيلاته الشخصية، وحياته الاجتماعية، والعوامل التي أثرت عليه، وبالطبع إشارات إلى الوقت الطويل الذي يقضيه يوميا في ممارسة القراءة والكتابة.

وأعلنت دار آفاق نيتها لترجمة اليوميات كاملة لتخرج في ستة أجزاء متتالية، وتغطي حياة الأديب والفيلسوف الأخلاقي الروسي كما دونها بنفسه، وسبق للمترجم الشاب أن قدم للقارئ العربي عدة أعمال لتولستوي، بينها روايته "السند المزيف"، ورسالتيه "في الحين والعقل والفلسفة" و"في العلم والأخلاق والسياسة".

ووصفت يوميات تولستوي بأنها كمية كبيرة من المواد، وربما كان حجمها الضخم باعثا على عدم ترجمتها إلى العربية حتى الآن، خاصة أنها لم تتم ترجمتها إلى الإنجليزية أيضا بصورة كاملة، بل صدرت مختارات منها في عدة طبعات، حسب مترجم الكتاب.

واعتبر المترجم في مقدمته أن ترجمة يوميات تولستوي بأكملها مهمة "مهولة تثير الذعر"، مبديا عدم استغرابه من عدم إقدام أحد عليها.

تولستوي سعى في شبابه لإعادة السيطرة على حياته معتبرا اليوميات أداة لتحسين نفسه (بيكسابي)

بدايات تولستوي
كان عام 1850 صعبا بالنسبة لتولستوي؛ فقد عانى من إخفاقات دراسية، وطُرد من جامعة قازان، ودخل في دوامة من الانهيار والضياع في سان بطرسبورغ، ثم في موسكو، حيث كان يشرب الخمر ويغرق في ديون القمار.

ومع ذلك، كانت لدى تولستوي طموحات تتجاوز مجرد الانتماء للطبقة العليا من المجتمع مثل أقرانه؛ فقد كافح لتحسين أحواله الشخصية والتعبير عن هذه الطموحات، وشرع في تأسيس مجلة عام 1847 عندما كان يتعافى في أحد المستشفيات من المرض. 

بدت يوميات تولستوي المبكر ة -التي بدأها في 17 مارس/آذار 1847 عن عمر يناهز 18 عاما- كتحقيق نفسي وطبي، وخطط الشاب لاستكشاف نفسه بشكل مكثف، وفي الصفحة الأولى التي كتبها (ثم شطبها) قال إنه يتفق تماما مع جان جاك روسو بشأن مزايا العزلة وهدف التأمل الأخلاقي، وسعى تولستوي لإعادة السيطرة على حياته، معتبرا اليوميات أداة لتحسين نفسه.

وأنجب تولستوي 13 ولدا من زوجته صوفيا التي ارتبط معها بزواج طويل وعاصف، وتوفي خمسة من الأبناء وهم صغار، والبقية فروا من روسيا إبان الثورة البلشفية، وانتشرت ذرياتهم في مشارق الأرض ومغاربها.

يوميات فريدة
ولكن هذا ليس كل شيء بالنسبة إلى تولستوي الصبي، فقد كان الاحتفاظ باليوميات أشبه بمشروع تجريبي وعلاج نفسي يهدف إلى استكشاف طبيعة الذات وارتباطها بالمثل الأخلاقية العليا، وتقدم اليوميات إشارة ليس فقط لتاريخ تولستوي الشخصي، بل أيضا لفلسفته ونظرته إلى الوقت والزمن، ونظام السرد الذي تطور لاحقا في رواياته.

وشملت يوميات الأديب الروسي الشهير سردا لقراءاته الدراسية التي تحولت لقراءات حرة بعد تركه الجامعة، وتأملاته حول تحسين الذات والغرض من حياة الإنسان، وتحليل سلوكه الشخصي وإخفاقاته.

وفي بعض اليوميات يحكي تولستوي ذكريات تفصيلية عن عدم دراسته الإنجليزية في الوقت الذي خصصه لذلك، وكسله الزائد، أو حديثه الطويل مع أحد أصدقائه، أو كذبه على أحد الأشخاص، منتقدا نفسه بحزم وشدة لا هوادة فيها.

حياة حافلة
ولد تولستوي نبيلا إقطاعيا، وتوفيت أمه الأميرة المنحدرة من سلالة كبيرة في طفولته المبكرة، وسرعان ما توفي أبوه الكونت قبل أن يتم العاشرة، والتحق بجامعة قازان لدراسة اللغات الشرقية قسم اللغتين العربية والتركية.

وفي رحلته مع شقيقه المجند في الجيش الروسي بالقوقاز، شارك في معارك عسكرية تركت بصماتها في روايته الشهيرة "الحرب والسلام"، ثم ترك الجيش الروسي وانتقل لأوروبا الغربية في بواكير الثلاثينيات من عمره.

وكتب تولستوي "الحرب والسلام" في نهاية الستينيات، متناولا العديد من الأحداث السياسية في أوروبا بداية القرن 19، ورواية "آنَا كارينينا" التي تناولت قضايا اجتماعية ومسائل أخلاقية وفلسفية نشأت بعد الثورة الصناعية، وترجمت لمعظم لغات العالم.

وتوفي تولستوي عام 1910م في محطة القطار بقرية نائية، بعد أن هرب من بيته وترك موطنه وحياة الترف، ورفض أن يُدفن حسب تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية التي عارضها طويلا.

المصدر : الجزيرة