الصحف الأردنية وملاحقها الثقافية في مهب الثورة الرقمية والصعوبات المالية

كثير من الصحف الورقية في الأردن بدأت تنحني أمام ثورة النشر الإلكتروني (الجزيرة)
كثير من الصحف الورقية في الأردن بدأت تنحني أمام ثورة النشر الإلكتروني (الجزيرة)

حسين نشوان-عمان

على جدران عمارة لا تبتعد كثيرا عن مبنى جريدة "الرأي" الأشهر بالأردن مجموعة من الصناديق التي يعتليها الغبار والصدأ ويلفها الإهمال الذي يعكس الحالة التي تعانيها الصحافة الورقية بالمملكة، وللمصادفة فإن تلك العمارة تقع أيضا في مكان يحمل اسم تقاطع الصحافة.

معاناة الصحف الورقية ومنها: يوميات "الرأي، الدستور، الغد" ليس معزولة عن حالة دولية تفاقمت مع الأزمة المالية العالمية، وأيضا مع ظهور الصحافة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي ومنصاتها والفضائيات التي زاحمتها بالسرعة وإمكانيات التكنولوجيا واختراقها للرقابة والحدود.

يقول الكاتب الصحفي والخبير الإعلامي جعفر العقيلي إن النشر الإلكتروني بات منافسا شرسا للصحافة الورقية، ونجح في سحب البساط شيئاً فشيئاً من صناعة النشر الصحفي.

وبالفعل انسحبت على مدار السنوات المنصرمة الكثير من الصحف العالمية العريقة، ومنها "ذي أندبندنت البريطانية، مجلة نيوزويك الأميركية، صحيفة "ذي كريستيان ساينس مونيتور".

ولم تنج الصحف العربية ومنها: "السفير، النهار، المستقبل" اللبنانية التي عزت ذلك للكلفة المالية العالية وارتفاع أسعار الورق، وتراجع سوق الإعلان والتوزيع الذي أدى لارتفاع الكلف مقابل تدني الدخل، واكتفت بالصدور الإلكتروني.

وبينما حاولت صحيفة "العرب اليوم" بالأردن استبدال الورقي بالإلكتروني فإنها حالما توقفت أيضا عام 2013، أما صحيفة "الأسواق" فقد انسحبت مبكرا من الساحة نتيجة الخسائر المتراكمة. وبالنسبة للصحف اليومية، ومنها "الرأي، الغد، الدستور" فقد انخفض التوزيع بحسب تقديرات غير رسمية إلى الثلث، وتراجع الإعلان بنسبة 50%.

متطلبات العصر
ويشير العقيلي إلى أن الصحافة الورقية عموما "لم تستجب بما يكفي لمتطلبات العصر الذي شهد ثورة بالمعنى الدقيق للكلمة على صعيد تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وأصبح المشهد الإعلامي فيه مفتوحاً على فضاء بلا حدود، وغدا كل راغب في إيصال صوته للجمهور أو الرأي العام قادرا على ذلك، مجتازا قلم الرقيب وتعقيدات الصيغة الورقية للنشر، ومتخطياً حدود الجغرافيا، فضلاً عن إمكانية التجدد المستمر للأخبار وتحديثها لحظة بلحظة وعلى مدار الساعة، وإتاحة الفرصة للقارئ ليبحث في الأرشيف بسهولة، عبر محركات البحث المختلفة".

ومن الطريف أن رئيس تحرير "أغوار نيوز" الكاتب الصحفي أحمد ذيبان أجرى استطلاعا بصفحته الخاصة على موقع فيسبوك، حول احتجاب الصحف في عطلة عيد الأضحى الماضي، وخلص إلى أن 95% من الذين شملهم الاستطلاع (لم يحدد عدد المستطلعين والفئات) لم يشعروا بغياب الصحف أربعة أيام، وأنها بعد عودتها نشرت الكثير من الأخبار التي فقدت قيمتها الإخبارية، وكانت مادة للتندر -كما يقول ذيبان- حينما نشرت خبرا مضى على وقوعه نحو أسبوع.

غياب الصحافة الثقافية 
ويقول ذيبان إن الصحافة الورقية لم تعد تلامس حاجات الناس وما تزال محكومة بالتابوهات، ويوافقه مدير مركز الرأي للتدريب الإعلامي عضو مجلس النقابة خالد القضاة الذي ينفي أن تقع اللائمة على الصحفيين وحدهم "بل على الإدارات التي أوقعت الصحف في قبضة السلطة التنفيذية واستخدمتها كبوق لها وناطقة باسمها حتى قزمتها".

وأكد القضاة أن هذه القبضة "أفقدت الصحف دورها الثقافي وهجرها القراء تدريجيا، وبرزت مساحة هائلة من الفراغ بسبب سطوة الرقابة فتحولت الصحافة للقمة عيش.. وتخلت الصحافة عن دورها التنويري والرقابي الذي أدى لهجرها أو انخفاض الإعلان والتوزيع..".

ونتيجة للحالة المالية فقد لجأت الصحف لتقليص المساحات الثقافية، وتمت التضحية بالملاحق المتنوعة التي كانت تصدرها أسبوعيا والتي تهتم بالأسرة، ومنها الملاحق الثقافية تحديدا التي قلصت دور الصحافة كمصدر للثقافة.

انقلاب بالتحرير والنشر
ومع إقرار العقيلي أن الصحافة الإلكترونية أحدثت انقلابا في طريقة صياغة الخبر وشكله وأسلوب تحريره بالتكثيف والاختزال، فإن هذه السمة تبدو غير متحققة في عدد كبير من الصحف الإلكترونية العربية، فجل ما تنشره المواقع الإخبارية لا يلتزم بتقاليد العمل الصحفي، ويفتقر إلى المناقبية المهنية والأخلاقية.

ويقول كذلك إن أخطر ما نواجهه على مستوى أخلاقيات الإعلام هو الخلط بين مفهومي الإعلام والعلاقات العامة. 

الورقية باقية
ولا يخفي نقيب الصحفيين رئيس تحرير صحيفة "الرأي" راكان السعايدة فداحة الأزمة التي تمر بها الصحف الورقية، ويقول "عملنا للمساعدة على تحسين الأوضاع المالية للصحف من خلال رفع الإعلان الحكومي إلى 120% واسترجاع الإعلانات القضائية التي وفرت للصحف نحو سبعة ملايين دينار أردني (عشرة ملايين دولار)" مستدركا أنها لا تحل المشكلة ولكنها توفر الفرصة لاعتماد الصحف على الذات. 

وأشار السعايدة إلى أن النقابة اقترحت التعاون مع الحكومة لإنشاء دعم الصحافة والإعلام، ولكن حتى الآن ليست هناك استجابة.

ونفى أن تخرج الصحافة الورقية من السوق، ولكنه يربط استمرارها بإعادة برمجة نفسها بالتعافي المالي والمهني والإداري من خلال الاشتغال على المحتوى لأن الصحف الإلكترونية -بحسب ما يقول- تهتم بالخبري السريع، أما الورقي فيمكن أن يقدم تحليلات وتحقيقات مقالات، لافتا إلى أن صحيفة الرأي بالربع الأخير من العام رفعت المبيعات إلى 20% وحققت حضورا كبيرا على الوسائط المتعددة.  

ويوافقه القضاة بأن خروج الصحف الورقية من عنق الزجاجة يحتاج للمزج بين السرعة والدقة والمعلومة والتكنولوجيا.

وإلى أن يتم الخروج من الأزمة -التي يقول القضاة إنه لا يعلم متى تتحقق- تبقى الصناديق التي تشبه صندوق العجوز الذي يشهد على أيام شبابها لا تحمل سوى ذكريات وأسماء صحف انسحبت من السوق وأخرى تنتظر وتكابد المعاناة، كما يخشى الصحفيون على مستقبلهم وقوت أولادهم.

المصدر : الجزيرة