اختلاق إسرائيل وتاريخ فلسطين.. تحيزات علم الآثار ودراسات العهد القديم

دراسة الآثار في فلسطين التاريخية من قبل الباحثين الغربيين ارتبطت بجهود لتأكيد ماضي "الأمة الإسرائيلية" (الجزيرة)
دراسة الآثار في فلسطين التاريخية من قبل الباحثين الغربيين ارتبطت بجهود لتأكيد ماضي "الأمة الإسرائيلية" (الجزيرة)

مازن النجار-القاهرة

لم تكتف إسرائيل باحتلال أرض فلسطين واجتثاث شعبها، بل أطلقت مشروعا لاحتلال تاريخها ومجالها الحضاري يسميه كيث وايتلام رئيس قسم الدراسات الدينية الأسبق بجامعة ستيرلنغ بإسكتلندا "اختلاق إسرائيل التوراتية وإسكات التاريخ الفلسطيني"، وهو عنوان كتابه الصادر منذ ربع قرن.
 
قدم وايتلام مسحا شاملا ونقدا غير مسبوق للمدارس الغربية في الدراسات التوراتية خاصة الألمانية والأميركية، وتتبع اتجاهاتها وفرضياتها وتورطها في المشروع الصهيوني وتحيزاتها الكامنة والصريحة ورؤيتها لتاريخ الآخر المتمحورة حول الذات.

واهتمت اتجاهات البحث الأوروبية قبل قيام إسرائيل (1948) بجذور مملكة "إسرائيل القديمة" في تواريخ العهد القديم (التوراة)، وسيطر السعي وراءها على البحث التاريخي والأثري في فلسطين والمشرق لتأكيد شرعية الكيان الإسرائيلي الحديث، فيما ذكرت عبارة "مملكة إسرائيل" في التوراة باعتبارها تمثل الجزء الجنوبي الغربي من بلاد الشام، لكن وجودها التاريخي يعتبر محل جدل ونقاش.

ثلاثة نماذج تفسيرية
تقدم النماذج التفسيرية الثلاثة لنشوء إسرائيل القديمة ما يمكن اعتبارها دلائل تبين تورطها في الصراع المعاصر على فلسطين، وتأثير مسار المشروع الصهيوني منذ بداياته على صياغة هذه النماذج.

ووصف عالم اللاهوت الألماني آلبريخت آلت في نظرية "التسلل أو الاختراق" التي صاغها عام 1925 لفهم جذور إسرائيل القديمة، هجرة بني إسرائيل بالتسلل "السلمي" إلى فلسطين أواخر العصر البرونزي، وأعادت الفرضية بناء الماضي واختلاق إسرائيل قديمة بما يعكس وقائع تاريخ فلسطين الحديث منذ عشرينيات القرن الماضي، وانطلاق الهجرة الصهيونية إليها.

وفي نموذج "غزو فلسطين" الذي أنتجته المدرسة الأميركية للدراسات التوراتية بقيادة عالم الآثار الأميركي والباحث في الكتاب المقدس وليم فوكسويل ألبرايت (توفي عام 1971)، ترد رواية بديلة لقيام إسرائيل قديمة في فلسطين مبنية على مكتشفات أثرية، لإثبات قيام حملة عسكرية أبادت مجتمعات مدنية فلسطينية، ولعب "اختلاقه" دورا بالغا بالقرن الماضي.

وقدم الأكاديمي الأميركي المناصر للفلسطينيين جورج  مندنهول سنة 1962 تفسيرا بديلا لجذور إسرائيل، مؤكدا أنه لم يحدث غزو قديم لأرض فلسطين التاريخية وهدم مسلمات اختلاق آلت وألبرايت لإسرائيل القديمة على صورة إسرائيل المعاصرة.

المِعوَل والتوراة
رأى ألبرايت أن الكشف الأثري بفلسطين والمشرق يعني معولا باليد اليمنى والتوراة باليسرى، واعترف مؤخرا الكاتب الإسرائيلي نير حسون بأن الآباء المؤسسين لعلم آثار وأركيولوجيا إسرائيل فعلوا ذلك بالفعل، باحثين عن نتائج أثرية تعود لحقب توراتية كجزء من المشروع الصهيوني، غير أنه باضطراد الحفر الأثري في السبعينيات والثمانينيات تراكمت التناقضات وليس الإثباتات، وأدى الربط بين الكشوفات الأثرية والتوراة لإساءة فهم الآثار بل تلفيق علاقتها بالنصوص والأشخاص والتواريخ.

وأصبحت في هذا السياق المنازل المتعددة الحجرات المكتشفة دليلا على تاريخ بني إسرائيل، وكذلك الآنية الفخارية التي يحيط بفتحاتها طوق أو إسورة! بل ما يسمونه مدنا ملكية لم تكن -في حقيقتها- سوى منازل فارهة من العصر الأموي.

وسمى باحثو التوراة إسرائيل القديمة "مملكة إسرائيل الموحدة"، للتمييز بينها وبين المملكتين المنفصلتين "السامرا" الشمالية و "يهوذا" الجنوبية، بينما نفى مؤرخون وأثريون بينهم البروفيسور إسرائيل فينكلستاين من جامعة تل أبيب وجودها التاريخي، ويرى أنها مبالغة لصالح دعاية سياسية ودينية.

ولم يكشف في القدس التي يفترض أنها عاصمة ملكية ثرية حافلة بالقصور والمعابد، مبنى ملكي واحد في العصر الحديدي المبكر المفترض للملكية (monarchy)، ولا مبنى وحيد يليق بعمدة أو حاكم محلي، أو أثر من عصر مملكة موحدة مزدهرة.

سجل آثار صامت
يلفت الباحث في تاريخ فلسطين القديم أحمد الدبش -في حديث للجزيرة نت- إلى أن السِمَة الأكثر إدهاشا في خطاب دراسات العهد القديم، هي الصمت المُطبق للسِجِل الأثري للقدس وفلسطين، حول قيام الحقبة الملكية في المنطقة.

ولاحظ باحثون أثريون أن التطور الاقتصادي الاجتماعي للقدس وجنوب فلسطين تأخر قرنين ونصف عنه شمال فلسطين، مما شككهم بإمكانية قيام دولتين بعد انقسام المملكة الموحدة إلى مملكتي يهوذا وإسرائيل، ناهيك عن أن تكون القدس عاصمة المملكة الموحدة أصلا.

إسرائيل في المشرق القديم
كما أن ثمة غيابا تاما لمملكة بني إسرائيل في السجل الأثري لمصر والعراق، باستثناء لوح "مرنبتاح" المصري قبل عصر بني إسرائيل بقرون، ويقول النقش "وإسرائيل أصبح عقيما"، غير أن هناك من يرجح أن الاسم كان يطلق على جنوب شرق المتوسط، ولا علاقة له بفلسطين الحالية نظرا للفجوة التاريخية.

توسع بعض حقول المعرفة مثل الأنثروبولوجيا ارتبط بالمشروع الاستعماري في دراسة الظواهر البشرية (الجزيرة)

ولا يمكن لمملكة في فلسطين ألا تشكل اهتماما لمصر والعراق، خاصة أن علاقة مصر بشرق المتوسط تمتد إلى شمال سوريا، كما في عصر رمسيس الثالث الذي تصوره الألواح ممسكا بأغلال الملوك الأسرى.

وعلاقة مصر القديمة بفلسطين موثقة بالتفصيل في وثائق "تل العمارنة"، وتضم مراسلات بالأكدية والآرامية والمصرية بين بلاط مصر وأمراء محليين موالين لها، كتبوا تقارير عن اعتداءات أمراء محليين معادين على أمراء موالين لمصر، مما يرجح أن فلسطين في الزمن المقترح لإسرائيل القديمة قد يكون حكمها أمراء محليون يخضعون لمصر القديمة.

لا متسع في مساحة التاريخ
يلاحظ الدبش أن حركة التاريخ التوراتي لا تطابق جغرافية وإحداثيات المنطقة من العراق للشام ومصر، وأن الخطاب التوراتي لفق جغرافيتها، ويضيف أنه بحسب السجل التاريخي والأثري لا يتّسع تاريخ المشرق لمملكة متحدة وملوك تقدمهم قصص التوراة، وأنه عالَم خيالي من زمن غابر لم يوجد على هذا النحو أبدا بالمشرق، وأنه لم يكن هناك ما يكفي من البشر لإقامة مُلْك ولا دليل على وجود قوة سياسية مهمة في فلسطين قادرة على توحيد اقتصادات وأقاليم عديدة.

ويعد الاستيطان السمة الوحيدة الثابتة للكيان، فهو لا يطال الأرض وحدها بل يمتد إلى الثقافة والتاريخ والآثار والفلافل والكسكس والتبولة وثوب العروس وغيره!

ويؤكد الدبش أن البحث التاريخي والأثري المنشود في فلسطين ليس مجرد إعادة بناء نزيه للماضي، بل يتعلق بالهوية وميزان القوى الراهن ويشير إلى محاولات بعض العرب مؤخرا ابتلاع السردية الصهيونية ونشرها.

المصدر : الجزيرة