رواية "طائر الحسّون".. كيف أثرت لوحة فنية على مسار فرد ومجتمع؟

صدرت حديثا عن دار التنوير للنشر، الترجمة العربية للرواية الحائزة على جائزة بوليتزر "طائر الحسون" للروائية الأميركية دونا تارت، وتتناول قصة الشاب ثيو فيما يزيد على سبعمئة صفحة.

وتبدأ الرواية التي ترجمها المترجم السوري المقيم في بلغاريا الحارث النبهان بطفولة ثيو، إذ تستخدم الروائية تقنية السرد الاسترجاعي في ملحمتها الأدبية، لتتبع حياة ثيو التي انقلبت رأسا على عقب، بينما كان يزور متحف المتروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك مع والدته، وانفجرت قنبلة في المتحف مما أسفر عن مقتل والدته ونجاته.

وبين دخان الانفجار والفوضى في المتحف يستحوذ الصبي على لوحة زيتية من القرن السابع عشر تسمى "طائر الحسّون" ويعطيه عجوز مسن خاتمه قبل أن يموت أيضا، وتصبح اللوحة الصغيرة مصدرًا فريدًا للأمل بالنسبة للصبي اليتيم بينما ينحدر إلى عالم الجريمة، وفي نهاية الرواية يقول ثيو "كانت اللوحة هي السر الذي رفعني فوق سطح الحياة ومكنني من معرفة من أنا".

وقارن العديد من النقاد رواية تارت بكل من أوليفر تويست في رواية المؤلف الإنجليزي تشارلز ديكنز، إذ ماتت أمه بعد ولادته مباشرة وعاش يتيما في ملجأ قبل أن يهرب ويلتقي عصابة في لندن، وأيضا الصبي الساحر الموهوب هاري بوتر الذي قتلت أمه أيضا على يد ساحر الظلام، وبقي مع ندبة في رأسه غير أن ندبة ثيو في طائر الحسون كانت من النوع غير المرئي.

ونظرا لطول الرواية وحبكتها غير التقليدية وقصتها مترامية الأطراف وُجدت صعوبة في تحويلها لفيلم، إذ تبدأ بمأساة ذروتها مقتل الأم، وتسبب إيقاع الرواية غير المتناظر الذي يعكس "الطابع العشوائي للحياة" بالإضافة إلى الطريق الطويل للتعافي بعد الصدمة في اختزال العديد من أحداث الرواية كبيرة الحجم في الفيلم الجديد.

وبخلاف الحماس الكبير الذي استقبل به القراء والنقاد على حد سواء الرواية التي أمضت أكثر من ثلاثين أسبوعًا في قائمة أكثر الكتب مبيعًا في قائمة نيويورك تايمز، لم يتم استقبال الفيلم المستند إليها الذي بدأ عرضه هذا الأسبوع بكثير من الحفاوة والترقب وحصل على تقييم 25% فقط على موقع تقييم الأفلام "روتن توماتوز".

وتسلط الرواية الضوء على أهمية الفن للإنسان والمستقبل، وتشرح عبر قصة ثيو التأثير العميق الذي يمكن أن تغرسه قطعة فنية واحدة على حياة فرد بعينه والمجتمع ككل، وعلى النقيض توضح الرواية كيف يمكن لفقدان قطعة فنية واحدة تدمير مجتمع، سمح بهذ الفقدان ولم يبذل جهده لحماية الفن. 

وتدور كل الأحداث والأفكار في الرواية حول اللوحة التي نقلت حياة ثيو للأفضل والأسوأ على حد سواء، ووضعته في جميع المواقف التي تعرض لها من أعماق الاكتئاب، إلى ضباب إدمان المخدرات وعالم الجريمة والسرقة، إلى التعلق الخانق بالأصدقاء والعائلة، إلى الهوة السحيقة الدائمة في روحه التي خلفتها وفاة والدته.

وفي البداية قادت اللوحة والدته ذات الشغف بالفن لحتفها، ثم أصبحت ذكرى مؤلمة ومربكة، وأدت إلى هروب ثيو بها ولقائه صديقه الحميم بوريس، وقادته للشعور بالخوف والذنب بسبب اللوحة التي أعيدت في النهاية للمتحف، فيما يشبه النهاية السعيدة، بعد رحلة مع عالم الجريمة والهروب المتكرر.

وتكمن متعة الرواية إلى حد كبير في التوازن بين تسليط الضوء والتركيز على بعض التفاصيل، وترك بعضها الآخر في الظل، كما هي الحال في اللوحات الفنية، ويمكن اعتبار الرواية "غنية عاطفيا" إذ تدور معظمها حول مشاعر الفزع والقلق والجنون العظمة والذعر الذي يصحب الصبي لفترة طويلة وتعبر عنه الكاتبة بنوع من التعاطف مع بطل الرواية.

المصدر : الجزيرة