لعنات وشعوذة.. حيل لحماية المخطوطات والكتب بأوروبا العصور الوسطى

الجهد الشديد الذي يبذله نسّاخو المخطوطات والكتب جعلهم حريصين على حماية عملهم من السرقة والعبث (رويترز)
الجهد الشديد الذي يبذله نسّاخو المخطوطات والكتب جعلهم حريصين على حماية عملهم من السرقة والعبث (رويترز)

دأب كتاب ونساخ العصور الوسطى الأوروبية على استعمال عدة أساليب لحماية أعمالهم، ومن أكثرها طرافة اللجوء إلى طريق التهديد بالموت، أو ما هو أسوأ من ذلك عن طريق عبارات.

لم تكن عملية الكتابة والنسخ سهلة؛ فالكاتب ينحني فوق طاولة النسخ في ساعات النهار الطويلة، متجنباً ضوء الشموع التي تشكل خطراً على الكتب، ويبذل جهداً كبيراً لتكوين الحروف يدوياً وتجنب الخطأ. وكتب أحد الناسخين أن مهنتهم مؤلمة للغاية، وأضاف أنها "تطفئ نور العينين، وتسبب الانحناء الخلفي، وتسحق الأحشاء والأضلاع، وتسبب ألم الكليتين والإرهاق للجسم كله".

ونظرًا للجهد الشديد الذي يبذله النسّاخ لصناعة المخطوطات والكتب، كانت حماية عملهم من السرقة والعبث تعد أولوية، ولأجل ذلك استخدموا القوة الوحيدة التي لديهم؛ أي الكلمات في بداية أو نهاية الكتب، ووظفوا أساطير وخرافات ولعنات مخيفة لتهديد اللصوص بالألم والمعاناة إذا حاولوا سرقة هذه الكتب أو إتلافها.

وكانت "لعنة الكتب" طريقة مستخدمة على نطاق واسع لمنع سرقة المخطوطات خلال فترة العصور الوسطى في أوروبا، ويعود استخدامها إلى عصور ما قبل المسيحية، عندما تم استدعاء غضب الآلهة لحماية الكتب والمخطوطات.

بعض لعنات الكتب تضمنت عبارات تتوعد بعقوبة جسدية فورية لمن يسيء إليها (مواقع إلكترونية)

الألم والعقاب
وتحتوي اللعنات على ما يشبه الدعوات بالألم والعقاب الشديد، واعتبرت لفترات طويلة طريقة الدفاع التقليدية عن الكتب والمخطوطات النفيسة؛ إذ كان الناس يؤمنون بالخرافات والأساطير، ويخشون أعمال الشعوذة.

وفي إحدى المخطوطات القديمة دوّنت هذه العبارة "إذا أخذ شخص هذا الكتاب؛ فدعه يمت عبر القلي في مقلاة، ودعه يسقط في المرض والحمى، ودعه ينكسر على العجلة، ويشنق، آمين". حسب ما أورده الكاتب الأميركي مارك دروجين في مؤلفه "تاريخ لعنات الكتب".

ويعتبر دروجين أن هذه اللعنات هي الطريقة الوحيدة التي كانت تحمي الكتب، وجمع في كتابه أشهر لعنات الكتب التي تم استخدامها، وعثر على الكثير منها مخبأة في كتب تعود للقرن 19، ولعنات كتب تعود لليونان القديمة ومكتبة بابل.

ويرى دروجين أن لعنات الكتب كانت مكررة؛ إذ لم يبدع الكتاب والنساخ بما يكفي لكتابة اللعنات الخاصة بهم، وتعود أقدم لعنة لملك آشور (668-627 قبل الميلاد)، ودونت على أقراص طينية كانت تستخدم للكتابة.

ويختلط في الكتاب المرح بالجد؛ إذ يروي جانبا غير معتاد من تاريخ المخطوطات الأوروبية ودورها في مجتمع العصور الوسطى وحياة النساخ والمؤلفين والكتاب، وأيضًا حياة الأديرة التي كانت تكتب المخطوطات فيها غالبا.

ويرى الباحث في مخطوطات العصور الوسطى كلارك دريشن استخدام لعنات الكتب من قبل رهبان العصور الوسطى متعارضًا مع نمط الحياة الرهباني؛ إذ كرس الرهبان حياتهم لتقليد المسيح، بما في ذلك فضائله مثل الصبر والعفو والمحبة للبشرية.

لكن الوقائع تظهر أن الرهبان استخدموا اللعنات كدلالة على القيمة المادية والروحية الهائلة التي حظيت بها مخطوطاتهم ومكتباتهم، التي يعني فقدانها خسارة مادية ومعنوية، وحتى خسارة معرفة دينية ضرورية تحفظ في المخطوطات.

المصدر : الجزيرة