94 عاما على ميلاد "الملك الفيلسوف" بيغوفيتش.. استثناء أفلاطون للقرن العشرين

قدم بيغوفيتش مشروعا فكريا تجديديا للفكر الإسلامي في ظرف إقليمي شمل خضوع بلده للاحتلال الشيوعي (مواقع التواصل)
قدم بيغوفيتش مشروعا فكريا تجديديا للفكر الإسلامي في ظرف إقليمي شمل خضوع بلده للاحتلال الشيوعي (مواقع التواصل)

عمران عبد الله

كان أفلاطون فيلسوف العصر الذهبي للفلسفة اليونانية القديمة يحلم بدولة فاضلة نموذجية يحكمها الفلاسفة، اعتقادا منه أن الفلاسفة لحِكْمتهم سوف يجعلون المدينة نموذجا وتتحقق فيها سمات الحضارة والمدينة الفاضلة، وفي محاورته المعروفة باسم "الجمهورية"، اعتبر أن الحاكم المثالي هو الفيلسوف.

وسواء كان أفلاطون محقا أم لا، فبعد أكثر من 23 قرنا من الزمان، وليس بعيدا عن أكاديمية أثينا التي أسسها أفلاطون وُلد في شرق أوروبا فيلسوف ومفكر وسياسي يقود أمة إسلامية في شرق أوروبا، وعاش حياة حافلة بالنضال الفكري والسياسي شملت سنوات طويلة خلف القضبان قبل أن يصبح أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حرب دامية خلال تسعينيات القرن العشرين.

خاض شعب البوشناق مأساة إنسانية هائلة نجا منها في النهاية وتمت إدانة قادة الإبادة الصرب، وانتعشت البوسنة بعد الحرب وتلقت دعما لإعادة الإعمار. ورغم أن البوسنيين لم ينسوا الإبادة التي عاشوها فإن جهود "ديدو" أي الجد باللغة البوسنية كما يسميه أبناء شعبه نجحت في وضع حد لمعاناة طويلة.

وبخلاف صورة القائد الرئيس، قدم بيغوفيتش مشروعا فكريا تجديديا للفكر الإسلامي في ظرف إقليمي شمل خضوع بلده للاحتلال الشيوعي ومعاناة شعبه طويلا من ويلات الحرب.

كتب -بروح الأديب والفنان والفيلسوف الأوروبي المسلم- كتابه الأهم "الإسلام بين الشرق والغرب"، في فترة سجنه محاولا تجاوز صراع الحضارات لرؤية إنسانية تهتدي بوحي السماء.

ووصف المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري الرئيس الراحل بيغوفيتش بأنه "المجاهد المجتهد الوحيد في العالم الآن". وأضاف المسيري أن بيغوفيتش كان مفكرا ورئيس دولة، "يحلل الحضارة الغربية ويبيّن النموذج المعرفي المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه".

ويستدرك المسيري، إنه (بيغوفيتش) كان في الوقت ذاته يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان.

الرئيس الفيلسوف والمجتمع المفتوح
وفقا لأفلاطون فإن الملك الفيلسوف هو حاكم يتمتع بحب الحكمة والذكاء والعيش البسيط، وعرف التاريخ القديم أمثلة اعتبرت نوعا من نماذج الملك الفيلسوف مثل الإمبراطور الروماني الأديب ماركوس أوريليوس الذي كان أحد أهم الفلاسفة الرواقيين وإمبراطور الرومان السادس عشر في الوقت ذاته، وملك المجر وكرواتيا ماتياس كورفينوس الذي ضمت مكتبته أكبر مجموعة من الكتب العلمية والتاريخية والفلسفية في أوروبا القرن الخامس عشر.

لكن رغم هذه النماذج من الحكام الفلاسفة، ألقى فيلسوف القرن العشرين الأوروبي كارل بوبر باللائمة على أفلاطون في صعود الشمولية بالقرن العشرين، حيث أدت نظرية الملوك الفلاسفة لأفلاطون لأحلام فاشية مثل "الهندسة الاجتماعية" و"المثالية"، وقادت مباشرة -بحسب بوبر- لنماذج مثل أدولف هتلر وجوزيف ستالين عبر فلسفة هيغل وماركس.

ويطلق بوبر على ثلاثي الفلاسفة أفلاطون وهيغل وماركس لقب "أعداء المجتمع المفتوح" ويحملهم المسؤولية عن قمع الأفكار المخالفة وانتشار الديكتاتوريات الاستبدادية في القرون الوسطى وحتى ظهور هتلر وستالين.

ويؤكد أن المجتمع الديمقراطي لا يجب أن يحكمه تصور نهائي مثالي محدد "أفلاطوني"، بالمقابل يجب أن يعتمد على خطوات قائمة على التجربة والخطأ، وينفتح على أفكار الآخرين مستبعدا أي فكرة مسبقة حول المستقبل.

في هذا السياق يبدو الرئيس البوسني الراحل بيغوفيتش استثناءَ القرنِ العشرين، فهو رئيس مثقف غير شمولي، وأسس حزبا فاز بالأغلبية البرلمانية بعد منافسة ديمقراطية، وشارك في حكم بلاده عضوا في مجلس الرئاسة البوسني من عام 1996 إلى عام 2000 ورئيسا للمجلس مرتين بالتناوب مع ممثلي الصرب والكروات، قبل أن يعتزل الحياة السياسية ويستقيل من المناصب الرسمية، ويكتب في مذكراته "إنما أنا رئيس انتخبه الشعب".

ولد بيغوفيتش في شاباتس بالمملكة اليوغوسلافية عام 1925 واصطدم في وقت مبكر مع السلطات نتيجة لاهتماماته الفكرية الإسلامية المغايرة للمواقف الشيوعية، إذ انضم في شبابه إلى منظمة الشبان المسلمين التي تأسست في سراييفو وحكم عليه عام 1946 بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

وبعد خروجه من السجن تابع دراسة الحقوق وتابع تكوين نفسه من خلال القراءة ونشر بعض المقالات باسم مستعار، واشتهر في يوغوسلافيا عندما ألف "البيان الإسلامي" الذي قُدم بسببه إلى المحاكمة في سراييفو عام 1983 مع 12 مثقفا بتهمة "الأصولية" وحكم عليه بالسجن لمدة 14 عاما ثم أطلق سراحه أخيرا في نهاية 1988، ليعرف محاميا ومثقفا وناشطا سياسيا.

ورفض بيغوفيتش اتهامه بالأصولية، معتبرا أن الاتهام تغطية على التطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد شعب البوشناق المسلم.

وبعد حياة مهنية من العمل بصفته رجل قانون، أسس بيغوفيتش حزب العمل الديمقراطي في عام 1990، وبصفته صوتا حرا لشعبه من المسلمين البوشناق دعا إلى استقلال البوسنة والهرسك وتقديم مثال على التعايش بين مختلف الأعراق الموجودة في يوغوسلافيا.

وفي عام 1990 فاز حزبه بـ 86 مقعدا في البرلمان المؤلف من 240 مقعدا، ليقود بعدها كفاح الشعب البوسني في الدفاع عن بلاده ضد العدوان الصربي الذي بدأ مع إعلان البوسنة والهرسك استقلالها عن يوغوسلافيا في عام 1992 واستمر حتى توقيع اتفاق دايتون للسلام في 1 نوفمبر 1995.

وألف بيغوفيتش العديد من الكتب ذات الطابع الفكري والسياسي منطلقا من رؤيته وفهمه لعالمية رسالة الإسلام وتعاليمه، ودعا في أطروحاته ونظرياته إلى التسامح والتعايش بين مختلف الأديان والأعراق.

ومن أبرز مصنفاته: "البيان الإسلامي"، و"عوائق النهضة الإسلامية"، و"الإسلام بين الشرق والغرب". وتوج عمله في التأليف نهاية 1999 بنشر مذكراته "هروبي إلى الحرية" التي سجل فيها ملاحظاته داخل السجن خلال 1983-1988.

الشرق والغرب
وفي مقدمته لترجمة كتاب بيغوفيتش الأشهر "الإسلام بين الشرق والغرب" وصف الفيلسوف المصري عبد الوهاب المسيري كتابات المفكر البوسني بأنها تنم عن إلمام غير معتاد بالفلسفات الغربية، مضيفا أن إطلاع بيغوفيتش "ليس كإلمام أساتذة الفلسفة الذين يعرضون للأفكار الفلسفية المختلفة عرضا محايدا، بل هو إلمام المتفلسف الحقيقي الذى يقف على أرضية فلسفية راسخة ويطل على الآخر فيدرك جوهر النموذج المعرفي الذي يهيمن عليه".

ووصف المسيري بيغوفيتش بأنه عاش تحت ظلال الماركسية والاشتراكية، "فأدرك منذ البداية أننا لا نتحدث عن نظامين مختلفين، أحدهما رأسمالي والآخر اشتراكي، وإنما نتحدث في واقع الأمر عن نموذج معرفي واحد كامن يأخذ شكلا اشتراكيا في حالة الاشتراكية، وشكلا رأسماليا في حالة الرأسمالية، وأن هناك -من ثَم- رؤية واحدة وراء كل تلك المنظومات المتصارعة المتنازعة".

وفي كتابه "هروبي إلى الحرية" قال بيغوفيتش عن نفسه، "عقلي يفكر على الدوام، ولكن قلبي مطمئن بالإيمان".

وتوفي الرئيس الفيلسوف -استثناء القرن العشرين- وقائد الأمة البوسنية في عام 2003 بمرض في القلب، ودفن بمقبرة متواضعة لشهداء الحرب، وضحايا الإبادة الجماعية من شعب البوسنة، وقال قبيل وفاته إن "معركة توحيد البوسنة وترسيخ الديمقراطية تتقدم خطوة خطوة".

المصدر : الجزيرة